روسيا قدمت لبلاد فارس ربما، أكثر المقترحات الإنقاذية من الذهاب لخيار "الموت العام"، أي كانت قدرتها العسكرية في الرد المعاكس، وما سيكون أثره على المنطقة ومحيطها

نبيل فهمي: الشرق الأوسط يمر بمرحلة خطيرة بلا مشروع عربي

نبيل فهمي: الشرق الأوسط يمر بمرحلة خطيرة بلا مشروع عربي

تاريخ النشر: 2026-11-07 | 16:30

القاهرة: لا يخفي الأمين العام للجامعة العربية السفير نبيل فهمي حجم التحديات التي تواجه عمله في ظل هذه البيئة الإقليمية والدولية "شديدة الاضطراب"، وذلك أمام مناشدات كثر بضرورة إعادة تفعيل دور الجامعة وسط كل هذه الهجمات المرتدة على منظومة العمل العربي

تقف المنطقة العربية أمام واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً وتعقيداً، تتجاوز فيها الأزمات حدود الدول، مهددة أمن المنطقة برمتها واستقرارها، فمن غزة إلى السودان، ومن ليبيا إلى اليمن، مروراً بسيناريوهات المواجهة الإقليمية على وقع الحرب الإيرانية والتوترات المتصاعدة في الممرات البحرية، تتجدد التساؤلات بصورة مستمرة حول قدرة النظام العربي على التعامل مع هذه التحديات، ومدى فاعلية مؤسساته في احتواء الصراعات وصياغة مواقف عربية موحدة.

مع هذا المشهد المتداخل في أزماته وتحدياته، تبرز مع كل محطة جامعة الدول العربية، المظلة الرئيسة للعمل العربي المشترك منذ عام 1945، في مواجهة أسئلة "الدور الغائب" و"الفاعلية المقيدة" في ظل ما تشهده المنطقة من صراعات وحروب؟ وما إذا كانت لا تزال تمتلك من الأدوات ما يُمكّنها من استعادة الفاعلية، أم أن دورها بات محكوماً بتباين المواقف وحسابات الدول الأعضاء؟

خلال حوار "اندبندنت عربية" مع الأمين العام للجامعة العربية السفير نبيل فهمي نحاول استكشاف تموضع الجامعة مما تشهده المنطقة من أزمات وحروب، وما إذا كانت لا تزال قادرة على أداء أدوار في صياغة مستقبل المنطقة، وذلك بعد سنوات من تراجع دورها، لحساب تجمعات إقليمية ودولية أخرى، فضلاً عما أحدثه اتساع هوة "التباينات" بين أعضائها من صعود لأدوار ومشاريع ترسيم وفق البعض "على حساب المصالح العربية".

أين الجامعة العربية مما يحدث؟

لا يخفي الأمين العام للجامعة العربية السفير نبيل فهمي حجم التحديات التي تواجه عمله في ظل هذه البيئة الإقليمية والدولية "شديدة الاضطراب"، وذلك أمام مناشدات كثر بضرورة إعادة تفعيل دور الجامعة وسط كل هذه الهجمات المرتدة على منظومة العمل العربي، لكن الدبلوماسي المصري المخضرم الذي بدأ مهام منصبه قبل نحو 4 أشهر، تحديداً يوليو (تموز) الماضي، يرفض ما يسميه "التقييم الباكر" لولايته. وقال، "التقييم يكون في نهاية المهمة لا في بدايتها"، لا سيما في ظل هذه المرحلة "الدقيقة" من عمر المنطقة، وذلك على رغم وضعه معياراً لقياس نجاحه في منصبه "ليس في عدد الاجتماعات والبيانات، إنما ماذا تغير بالانتقال من القول إلى الفعل".

أمام ذلك يحاول فهمي، وهو الأمين العام التاسع في تاريخ الجماعة العربية، إعادة "تنشيط" الجامعة وأدواتها، قائلاً إنه بدأ ولايته في المنصب بأن "وضعنا الرسالة، واتخذنا خطوات عملية، كي يكون للرسالة صدقية".

ووفق فهمي (75 سنة) فإن الرسالة التي ينشدها هي "أن على العالم العربي أن يتحمل المسؤولية الأكبر والمتنامية في تحديد مستقبله، وهذا يعني الانتظام في التعامل مع القضايا السياسية، مع تبني فلسفة التطوير المستمر، بأن نكون على استعداد للتعامل مع تحديات المستقبل، وانتهاز الفرص التي قد تـفتح له، في تحقيق المصالح العربية، حكومياً وحتى للمواطن"، مشدداً على أن "أي عمل حكومي، والمنظمة في النهاية منظمة حكومية (تتكون) من أعضاء من الدول العربية، يجب أن يكون له مردود على المواطن العربي بتحقيق الأمن والأمان له، ومردود بتحقيق التنمية"، وهو ما طرحه خلال مبادرته "أجندة عربية متجددة: التصدي والتطوير والتنمية".

يتابع الأمين العام للجامعة العربية، "كأمين عام، لن أشرع أبداً في تقييم عملي إلا بعد سنوات من انتهائها، وأن التقييم سيكون للحكومات، والمواطنين"، مقراً في الوقت ذاته "صعوبة الأوضاع في العالم العربي والتحديات معاً"، قائلاً "تحملنا المسؤولية في ظروف دولية وعربية وشرق أوسطية في غاية الصعوبة، وعقدنا العزم على اتخاذ خطوات واضحة في سياق رسالة واضحة وصريحة، نقيم فيها الإنجاز. وهذا يتكلف وقتاً".

بحسب فهمي فإن "هناك اهتماماً عربياً بهذه الرسالة، وكذلك تقدير لحدة الأزمة، فضلاً عن ترحيب متنام من الأعضاء لاستعداد الجامعة في الانتظام بالقضايا"، مستدلاً في ذلك على أن زياراته الأولي لعدد من الدول العربية (شملت الأردن ولبنان والكويت والسودان)، "لم تكن زيارات مجاملة حتى الآن، إنما كانت زيارات موضوعية خاصة بالأزمات".

على المستوى السياسي، حرص فهمي، على حد تعبيره، "على تكثيف المشاورات مع الدول الأعضاء والشركاء الإقليميين والدوليين، والانتظام بصورة مباشرة في الأزمات القائمة، مع التركيز على دعم الجهود الوطنية وتنسيق المبادرات المختلفة، بدلاً من إضافة مسارات جديدة قد تؤدي إلى مزيد من التشتت"، مشيراً إلى أن الجامعة العربية اتخذت في هذا الصدد "مواقف واضحة من أي ممارسات تمس المصالح العربية أو تعد خرقاً للقانون الدولي، إذ تحركت سريعاً نحو كثير من مناطق النزاع"، التي بدأت بلقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، ثم زيارته بيروت والجنوب اللبناني وأخيراً في السودان، قائلاً "حرصت على أن أكون حاضراً على الأرض"، ومقراً في الوقت ذاته، أمام الصعوبات الكثيرة التي تواجهها منطقتنا بأنه "لا يزال المشوار طويلاً"، وعليه "بدأنا بالفعل في تحديد الأولويات، وفتح قنوات للتشاور، وطرح أفكار ومبادرات عملية، والسعي إلى توفير قدر أكبر من التنسيق بين الجهود القائمة".

ووفق فهمي فإن "التحدي الحقيقي الآن هو البناء على هذه الخطوات ومتابعة نتائجها، وأن نكون صريحين في تقييم ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك"، قائلاً "ما أريده هو أن تكون الجامعة أكثر قدرة على المبادرة والتأثير، وأن يكون معيار نجاحنا هو الأثر الذي نحدثه في القضايا التي نتعامل معها، لا حجم النشاط الذي نقوم به"، على حد تعبيره.

حسابات العرب ومستقبل المنطقة

في ضوء الصراعات المتشابكة والمعقدة التي تعصف بالمنطقة منذ أكثر من ثلاث سنوات، وعلى وقع حديث يتكرر في شأن سيناريوهات إعادة تشكيلها على حساب المصالح العربية، يحاول الأمين العام للجامعة العربية تلمس صلاحيات منصبه وأدوات تحركه لتفعيل الآليات العربية وصولاً إلى تصور "تتكاتف فيه دول المنطقة للدفاع عن أمنها ومصالحها"، من دون رعاية أو وصاية من أحد.

هنا يقول فهمي، "أؤمن تماماً بأن هناك أطرافاً غير عربية تستغل الأوضاع الحالية، أو تبادر بخلق مشكلات مع دول عربية بغية دعم مصالحها"، عادَّاً أن "دعم مصالح (تلك الأطراف) في النهاية يكون بتغيير التوازن في المنطقة، من منطقة عربية وآخرين إلى منطقة أوسع من عربية بها بعض العرب"، على حد وصفه، موضحاً "هناك محاولات لتمييع الهوية السياسية للعالم العربي، يستفيد من ذلك كثيرون، منهم أطراف دولية، ومنهم أطراف إقليمية، بعضهم يتعاون مع بعضهم بعضاً وبعضهم يعمل بصورة منفردة. هذا موجود استهدافاً لمصالح، لأطماع أمنية أو اقتصادية أو لنظرة أيديولوجية. هذا شيء قائم، ومن ينفي ذلك في الحقيقة لا يقرأ الواقع".

لكن على رغم "المطامع غير العربية" القائمة، يعود فهمي ويقول "في الوقت ذاته علينا أن لا نضع كل شيء على الغير، وجود مساع من الغير موجودة بالفعل، إنما المسألة ليست كلها أن طرفاً أجنبياً يستهدف العرب، المسألة أننا أيضاً لا بد من أن ندعم ونحسن من أوضاعنا، وقدراتنا، ومواقفنا"، ثم يتابع "هناك قضايا خلافية كثيرة في العالم العربي، إضافة إلى المسألة الفلسطينية وإسرائيل، والاعتداءات الإيرانية على الدول العربية في المرحلة الأخيرة، لكن حتى قبل هذه الاعتداءات توجد قضايا عربية – عربية بصراحة".

وما هو مطلوب، وفق فهمي، أن "نتفاعل (العرب) ونتصدى للخارج ونتعامل مع الحاضر الخاص بنا أيضاً"، عادَّاً أن "جزءاً من هذا مشكلات الإدارة الوطنية، وجزء منها الاعتماد المبالغ فيه على الغير، ولا أقصد بذلك منطقة بعينها. هذا الخطأ أعتقد أننا قمنا به جميعاً على مدار الـ50 أو الـ60 سنة الماضية من المغرب العربي مروراً لغاية المشرق، وجنوباً تجاه الخليج. الكل فعل هذا الكلام".

ودعا فهمي إلى "إعادة جدولة أو إعادة تكييف المعادلة، لكي يكون القرار العربي الوطني قراراً سيادياً حقيقياً"، مضيفاً "في الوقت ذاته حتى لا نتحدث نظرياً، فكرة أننا سنكون في عزلة عن العالم كلام غير منطقي وغير واقعي. المنطقة العربية في منتصف العالم، غالب الممرات الإستراتيجية المهمة أكانت جواً أو بحراً تمر بصورة ما في منطقة من العالم العربي، إذاً سيكون هناك تفاعل مع المجتمع الدولي، وعلينا تعزيز هذا التفاعل، بأن يكون صوتنا واضحاً، مواقفنا واضحة، وتعاملنا الإيجابي أيضاً واضحاً".

نظام دولي مضطرب ومصالح تتشكل

مما يحدث في المنطقة إلى ما يجري عالمياً، يتابع فهمي "النظام الدولي بأكمله مضطرب، وأعتقد أننا نمر بمرحلة شديدة الدقة والخطورة في تاريخ الشرق الأوسط، يغيب فيها توازن القوة وتتجاهل فيها احترام قواعد العلاقات الدولية وأسس القانون، وتشهد محاولات لإعادة تشكيل الترتيبات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، وفي كثير من الأحيان من دون مشاركة عربية تتناسب مع حجم مصالحنا وإمكاناتها".

يضيف، "هناك بالفعل قوى إقليمية ودولية تسعى إلى إعادة صياغة مستقبل المنطقة. الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وتركيا جميعها أطراف مؤثرة، ولكل منها مصالحه وأهدافه وأدواته، وقد تتقاطع هذه المصالح في بعض الملفات وتتعارض في ملفات أخرى. ولذلك لا أميل إلى اختزال ما يجري في مشروع واحد متكامل تديره هذه الأطراف مجتمعة، إنما ما يقلقني أن غالب هذه الجهود على حساب الدول العربية وعلى حساب مصالحها".

ارتكن فهمي إلى ما يراه يزيد من تأزم الموقف بالنسبة إلى الدول العربية وهو "عندما تنشغل الدول العربية بالتعامل مع كل أزمة كرد فعل أو بعدِّها تحديات منفصلة، حينها نجد أنفسنا محكومين بما يقرره الآخرون، بدلاً من المشاركة في تحديد مستقبل منطقتنا، والانشغال في إطفاء الحرائق والتصدي لطموحات الغير بدلاً من أن نكون مبادرين في الأحداث ومخططين للمستقبل، أي يجب أن نتعامل ونتصدى للتحديات الآنية ونخطط ونشكل المستقبل".

انطلاقاً من تلك القناعات، يقول فهمي "من هنا طرحت فكرة أجندة عربية متجددة تقوم على ثلاثة محاور مترابطة: التصدي، والتطوير، والتنمية"، موضحاً أنها تقوم على "التصدي للأخطار والتهديدات التي تواجه الدول العربية، وحماية سيادتها ووحدة أراضيها ومصالحها الأساسية. والتطوير، بمعنى تحديث قدراتنا ومؤسساتنا وأدوات العمل العربي المشترك، حتى نكون أكثر قدرة على المبادرة والتأثير اليوم ومستقبلاً. أما التنمية، فهي الأساس الذي تقوم عليه قوة الدول واستقرار المجتمعات، ولا يمكن فصل أي محور عن الآخر، أو تحقيق إنجاز في أحدها بمعزل عن البقية".

يضيف، "هذه الأجندة لا تعني التخلي عن أولوياتنا التقليدية، وفي مقدمها القضية الفلسطينية، أو استخدام القوة بصورة غير مشروعة، كما نشهد في لبنان وسوريا ومن إيران ضد الدول العربية ومن الحوثيين ضد السعودية، وكلها تقع في المحور الأول، إنما علينا تطوير أنفسنا للتعامل بكفاءة مع المستجدات، فضلاً عن إعطاء الاهتمام اللازم لقضايا الاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم والأمن المائي والغذائي والطاقة، وغيرها من المجالات التي أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الدول على حماية مصالحها".

أمام هذه الصورة، يعود فهمي ويؤكد أنه "رغم كل التحديات أعتقد أن العالم العربي يمتلك بالفعل عناصر قوة كبيرة، سواء من حيث الموقع الجغرافي، أو الموارد الاقتصادية، أو القدرات البشرية، أو العلاقات الدولية. والتحدي الحقيقي هو كيفية تفعيل وتوظيف المحاور الثلاثة بصورة أكثر تكاملاً لخدمة أهداف الإستراتيجية"، عادَّاً أن هذه الأمور جوهر رؤيته للمشكلة "ومن واجب الأمين العام أن يقدم الأفكار والبدائل، وأن يسعى إلى بناء التوافق في شأنها".

بحسب فهمي فإن "المطلوب في تقديري يبقي في أن ننتقل من سؤال: كيف نتعامل مع الأزمات التي تواجهنا اليوم؟ إلى إجابة أكثر طموحاً وأهمية تعكس شكل المنطقة التي نريد أن نعيش فيها خلال السنوات المقبلة، وما الذي يتعين علينا القيام به من الآن لتحقيق ذلك؟".

اليمن والتحدي الحوثي

من بين الملفات التي تفجرت حديثاً، كان الملف اليمني بتعقيداته الداخلية والإقليمية، والتصعيد الحوثي ومدى ارتباطه بالأهداف الإيرانية الأوسع في المنطقة، وبسؤال نبيل فهمي حول ما إذا كانت هناك مبادرة عربية في هذا الصدد؟ وما إذا كان التحركات الحوثية المعادية ترتبط بالحرب الإيرانية الأميركية، ومحاولات طهران لزيادة الكلفة العسكرية والاقتصادية والأمنية ضد واشنطن؟ استهل فهمي حديثه قائلاً "قبل أي شيء فإن في البداية وبكل صراحة تدين الجامعة إدانة كاملة قاطعة لأي خرق للقانون الدولي، وأي مساس بسيادة أية دولة، وأي تعرض لمصالح دولة عربية، ومن ثم وبطبيعة الحال وقد قمنا بذلك وأدنا مراراً ما نشهده من الحوثيين تجاه السعودية، هذا أول أمر ولا مجال للجدل فيه، أياً كانت المشكلة اليمنية فهذا لا يبرر على الإطلاق التعرض لدولة عربية"، على حد تعبيره.

وعدَّ فهمي أن "التطورات العسكرية الأخيرة أضافت أبعاداً خطرة للأزمة اليمنية"، مشيراً إلى أن استهداف الحوثيين السعودية أو أية دولة عربية، والاعتداء على المدنيين والمنشآت الحيوية، وتهديد أمن الملاحة الدولية "تبقى أمور مرفوضة، تمس الأمن القومي العربي، وتضاعف أخطار اتساع المواجهة الإقليمية، وأن العالم العربي يقف بقوة مع السعودية في مواجهة ما تتعرض له من اعتداءات".

وعن كيف تنظر الجامعة إلى مجمل تلك التفاعلات؟ يقول فهمي "ندرس (في الجامعة) جميع القضايا الإقليمية التي يكون فيها طرف عربي، للبحث عن حلول لها، من بين هذه القضايا اليمن، أول خطوة بطبيعة الحال (نسعى) إلى وقف الاقتتال، لكن ما زلنا في مرحلة تقييم ما هو مضمون أية مبادرة وتوقيت هذه المبادرة، وعليه فإن الإجابة الصريحة هل نفكر في شيء؟ نعم. هل قررنا اتخاذ خطوة معينة؟ حتى الآن لا، لأن الأمر يحتاج إلى دراسة جدية، إنما البداية في وقف ما نشهده من تجاوزات، وهي تجاوزات جزء منها من واقع اليمن، وجزء منها بدعم من إيران، وغير ذلك".

أشار فهمي إلى أن "توظيف الأراضي أو المياه اليمنية في صراعات إقليمية أوسع يزيد تعقيد الأزمة، ويفرض أعباء إضافية على الشعب اليمني وعلى أمن دول الجوار والممرات البحرية الدولية"، مضيفاً "كما أقول مراراً، أنا أرى أن العالم العربي عليه أن يأخذ زمام المبادرة وزمام المسؤولية بصورة متنامية في مختلف القضايا الإقليمية، وفي تحديد المستقبل.

وحول ما إذا كانت تمتلك الجامعة أدوات معينة قادرة على الانتظام، أجاب فهمي قائلاً "الأدوات كثيرة، إنما توقيت تفعيلها أمر آخر، حالياً ندرس كل البدائل، وكل الأدوات كانت دبلوماسية، أو ترتيبات اقتصادية، أو ترتيبات أمنية، كل هذا يدرس حالياً، إنما لن أطرح فكرة محددة إلا بعدما يكون لدي يقين أن الفكرة مجدية، وأن التوقيت ملائم".

وأعاد فهمي تأكيد أن "الموقف العربي من اليمن واضح من حيث الأهداف والمبادئ، وهو يقوم على دعم وحدة البلاد وسيادتها واستقلالها وسلامة أراضيها، ومساندة مؤسسات الدولة الشرعية، والعمل من أجل التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف معاناة الشعب اليمني"، مشيراً إلى أن هذا الموقف "يستند إلى المرجعيات المعتمدة، وفي مقدمها المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وعلى رأسها القرار 2216".

شدد على أن الجامعة "تدعم جهود المبعوث الأممي، ونتعامل بإيجابية مع المبادرات الإقليمية التي تساعد على استئناف العملية السياسية. ولا أرى أن التنسيق مع هذه الجهود ينتقص من استقلال الدور العربي، ما دمنا نحتفظ برؤية واضحة لأهدافنا، ونشارك في صياغة الحلول والدفاع عن المصالح العربية".

إيران بين خيارات المواجهة وضرورات الحوار

حول مدى الانتظام الإيراني في الملف اليمني، أوضح فهمي أنه "فيما يتعلق بطهران، فمن الواضح أن هناك ارتباطاً بين التطورات في اليمن والتوترات الإقليمية الأوسع. بصرف النظر عن أن هناك نزاعاً بين فصائل وتوجهات يمنية"، مشدداً على أن موقف الجامعة واضح "في مطالبة إيران باحترام سيادة الدول العربية، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، وعدم توظيف الجماعات المسلحة للضغط على الدول أو تهديد أمنها".

وذكر فهمي أنه "لا يرى تناقضاً بين إدانة الاعتداءات والدفاع عن الأمن العربي والدعوة إلى الحوار مع إيران"، عادَّاً أن "إيران دولة قائمة في هذه المنطقة، ولدينا معها مصالح وخلافات ينبغي التعامل معها، لكن الحوار الجاد يجب أن يكون من الجانبين، وفقاً لقواعد واضحة، في مقدمها حسن الجوار واحترام السيادة والالتزام بالقانون الدولي، وأن يفضي إلى التزامات قابلة للمتابعة وتغيير ملموس في السلوك"، عادَّاً أن الهدف من ذلك "هو منع اتساع المواجهة الإقليمية، وحماية الدول العربية ومصالحها، وتهيئة الظروف اللازمة لإحياء العملية السياسية في اليمن".

بحسب رؤية فهمي فإن "التسوية السياسية واستعادة مؤسسات الدولة، وأمن البحر الأحمر وباب المندب، وحماية الدول المجاورة، ليست ملفات منفصلة، إنما عناصر مترابطة ينبغي التعامل معها ضمن رؤية شاملة"، مضيفاً أن "التطورات الأخيرة أكدت بصورة لا تحتمل الشك أن التهديدات للأمن الوطني لكل دولة من دولنا أصبحت أكثر ترابطاً، وأن ما يحدث في أي جزء من المنطقة ينعكس بصورة مباشرة على مصالح الدول العربية الأخرى".

أشار أمين عام الجامعة إلى أن "ما يجري في الخليج ومضيق هرمز يؤثر في شمال أفريقيا وأسواق الطاقة والتجارة والاقتصادات العربية، وما يحدث في البحر الأحمر وباب المندب ينعكس على الملاحة الدولية وقناة السويس وسلاسل الإمداد، وكذلك في غرب آسيا"، معتبراً أن هذا الأمر "يجعلنا في حاجة إلى التعامل مع الأمن القومي العربي بعدِّه ساحةً متصلة في أخطارها، وليس مجموعة من التحديات المنفصلة التي تتعامل معها كل دولة بمفردها. وأعترف أن منظومة الأمن الجماعي العربي تحتاج إلى تطوير وتفعيل".

مصر والسعودية جناحا الأمة العربية

وفي تعليقه على تنامي التنسيق بين الرياض والقاهرة، مما تجلى أخيراً في إعلان مصر الشهر الماضي تقديم "كل الدعم الممكن حال طلب السعودية" للدفاع في مواجهة الحوثيين، وإمكانات يتطور التعاون بين البلدين إلى بناء إطار دائم لتنسيق المواقف في شأن الأمن العربي يتجاوز شكله الثنائي إلى مشروع إقليمي أوسع، قال فهمي إن "مصر والسعودية تمتلكان ثقلاً سياسياً واقتصادياً وإستراتيجياً كبيراً، ولهما مكانة متميزة في العالم العربي وتجمعهما مصالح واسعة وروابط وثيقة، ويمكن لتعزيز التنسيق بينهما أن يسهم بصورة مهمة في بناء توافق عربي أوسع".

أضاف، "هناك بالفعل ملفات تتقاطع فيها مصالح البلدين مع مصالح دول عربية عديدة، مثل أمن البحر الأحمر والملاحة البحرية، وحماية الدولة الوطنية، وتسوية الأزمات الإقليمية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثمار والتنمية"، مشدداً على أن "أهمية هذا التنسيق لا تتحدد بمجرد انتظام اللقاءات أو تطابق المواقف، إنما بقدرته على تحقيق أهداف محددة، وطرح مبادرات قابلة للتنفيذ والمتابعة"، عادَّاً "أن التعاون الثنائي العربي – العربي يدعم التعاون الجماعي العربي – العربي"، قائلاً إن أي "تعاون بين السعودية ومصر بما في ذلك الجانب الأمني، هو شيء مفيد، بل هو ضروري".

وأكد فهمي أنه "لا يمكن تقبل تعرض السعودية لمثل تلك التهديدات من دون أن يكون هناك دعم عربي، ومن ثم أرحب باستعداد مصر لتحركها في هذا الاتجاه، وهذا سيكون مثالاً جيداً لوقوف الدول العربية مع بعضها".

ومن هنا، تابع فهمي قائلاً إن "الدور الذي يمكن أن تؤديه مصر والسعودية في تقريب المواقف وإطلاق المبادرات ينبغي أن يكون منفتحاً على مشاركة الدول العربية الأخرى وإسهاماتها، بما يعزز الطابع الجماعي للعمل العربي"، مشيراً إلى أن "الجامعة العربية تستطيع أن توفر الإطار الجامع الذي يربط المبادرات الثنائية أو جهود مجموعات من الدول بالأولويات العربية الأوسع، ويساعد على التنسيق وتجنب التداخل أو التنافس غير الضروري بين المبادرات"، لافتاً إلى أن "المعيار في النهاية هو النتائج: هل اقتربت المواقف؟ وهل أسهم التعاون في تسوية أزمة أو حماية مصلحة مشتركة؟ وهل أصبحت الدول العربية أكثر استعداداً للتعامل مع الأخطار والفرص؟"، موضحاً أن "بهذه المعايير يمكن للتنسيق المصري - السعودي أن يقدم إضافة مهمة للعمل العربي المشترك".

وفي الوقت يشدد فهمي على أنه "علينا أن نتذكر دوماً أننا في حاجة إلى التصدي للأزمات، وبناء مناخ أمني عربي إيجابي يعكس دائماً أن الخط الأحمر للجميع هو المساس بالأمن القومي لأي طرف عربي، والمساس بسيادته، والمساس بمصالحه، وأنه علينا التعامل مع بعضنا بهذا الشكل، أولاً بتنمية قدراتنا الوطنية الذاتية، هذا أول شيء، ثانياً بتنمية التعاون فيما بيننا وبين دول عربية أخرى، وفي هذا السياق تنمية أيضاً التعاون في إطار الجامعة العربية ككل. مسألة أن نعتمد على الآخرين قبل أن ننمي إمكاناتنا مسألة غير منطقية، الآخرون بمعنى أنهم غير عرب".

وذكر: "افتراض أن الدعم من خارج الحدود حتى لو كان عربياً هو بديل للقدرات الوطنية، هذا أيضاً غير منطقي، العملية في مجملها مكملة لبعضها، نبني أنفسنا، ننمي تعاوننا الإقليمي العربي، وننمي تعاملنا الجماعي"، مكرراً تأكيده أن "الأمن القومي لا يعني فقط الجانب العسكري والأمني، الأمن القومي للدولة والمواطن به شق سياسي، نفوذك السياسي، وبه شق أمني محدد، بمعنى قدرات عسكرية وقدرات أمنية. وله شق اقتصادي بمعنى قدرتك على تحمل الضغوط وقدرتك على التجاوب مع التحديات. أنا أتحرك على أساس مفهوم أمن قومي متكامل".

الحاجة إلى منظومة ردع عربية متكاملة

ولمواجهة كل هذه التحديات والواقع العربي "المتأزم" في كثير من تفاصيله، أكد فهمي خلال حديثه معنا على "أهمية تطوير منظومة عربية متكاملة للردع، لا تقتصر على امتلاك القدرات العسكرية والدفاعية، إنما تجمع بينها وبين التحرك السياسي والدبلوماسي والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي وتبادل المعلومات"، عادَّاً أن "الردع لا يتحقق بالسلاح وحده، إنما بالقدرة على إقناع الأطراف الأخرى بأن الاعتداء على المصالح العربية ستكون له كلفة، وأن الدول العربية تمتلك الإرادة والإمكانات اللازمة لحماية أمنها".

يشرح فهمي أن "بناء هذه المنظومة يجب أن يبدأ بالتوافق السياسي على المصالح والأخطار المشتركة عربياً"، قائلاً "علينا أولاً أن نحدد ما الذي نريد حمايته، وما التهديدات التي تستدعي تحركاً جماعياً، وكيفية التعامل مع الاعتداء على دولة عربية، وما الأدوات التي يمكن توظيفها في كل حالة"، ثم تابع "بعد ذلك يمكن الانتقال إلى تحديد المهام والمسؤوليات والآليات اللازمة للتنفيذ".

أشار فهمي إلى أن الدول الأعضاء في الجامعة العربية لديها بالفعل "معاهدة الدفاع العربي المشترك، إضافة إلى مؤسسات وتجارب سابقة يمكن البناء عليها والاستفادة من دروسها. وأشير هنا إلى مشروع القوة العربية المشتركة الذي طرح عام 2015، ووصل إلى إعداد مشروع بروتوكول قبل إرجاء مناقشته لمزيد من الدراسة".

وشدد فهمي على أنه من المهم "فهم أسباب تعثر هذه المحاولات، وعدم تكرار المشكلات نفسها إذا أردنا تطوير ترتيبات أكثر فاعلية"، عادَّاً في الوقت ذاته أن "من حق كل دولة عربية أن تقيم ما تراه مناسباً من علاقات وشراكات دولية لحماية أمنها، ولا أرى تعارضاً بالضرورة إلا في حالات استثنائية بين هذه العلاقات وبين تعزيز القدرات العربية الجماعية". ويطمح فهمي على حد وصفه أن تصبح للدول العربية "خيارات ذاتية أوسع"، مكرراً حديثه بضرورة "ألا تكون قدرتنا على حماية مصالحنا مرهونة بالكامل بترتيبات يحددها الآخرون".

انطلاقاً من معطيات الواقع، عاد فهمي وقال "لا يتوقع أن نصل إلى منظومة متكاملة دفعة واحدة، إنما يمكن البناء بصورة تدريجية على المجالات التي تتوافر في شأنها مصالح وتوافقات واضحة، مع توسيع نطاق التعاون كلما تحققت نتائج وعززت الثقة بين الدول الأعضاء".

إسرائيل... أخطر المشاريع التي يواجها العرب

عن حديثه حول أخطر المشاريع الإقليمية التي تشهدها المنطقة العربية، من بين المشاريع العديدة المتنافسة سواء على المستوي الإقليمي أو الدولي، أوضح فهمي أن الأهم من ذلك هو "ضرورة وجود مشروع عربي"، عادَّاً أن "أخطر مشروع يواجه العرب أن نكون في موقع رد الفعل لا الفعل. هذا أخطر مشروع، لأن هذا يعرضنا لمشاريع كثيرة من دول عديدة في الوقت ذاته، ويضعفنا ذاتياً".

ودلل فهمي في حديثه قائلاً "انظر للقضايا السياسية الآنية في المنطقة حالياً، وأحدثها الموضوع الإيراني في الخليج. من الوسيط بين أميركا وإيران؟ عرب، إذاً لدينا القدرة على أن نلعب دوراً، لدينا القدرة أن نؤثر، ليس لدينا القدرة أن نحسم الأمور، وليست مطلوباً الحقيقة، إنما أثق تماماً أن العرب إذا بادروا سنشهد تنامياً في الوزن السياسي، تنامياً في أخذ اعتبار المواقف العربية قبل أن تكون رد فعل لآخرين. مرة أخرى، أخطر شيء بالنسبة إلى أن نكون في مواقف رد الفعل لا الفعل".

ثم عاد فهمي وتحدث في شأن مشاريع بعض الدول الإقليمية ومدى خطورتها على المصالح العربية، قائلاً "هناك مشروعات تنافسية بها كلفة، وهو تنافس مشروع، بين الحين والآخر قد يكون هناك تجاوز، لكنَّ لدينا حالاً واضحة وهي مشروع هيمنة واحتلال، ومشروعات تستهدف عدم الاستقرار، وهذه مشروعات أخطر بكثير جداً وأعمق"، على العالم العربي.

تابع، "من بين تلك المشروعات الاحتلال الإسرائيلي فلسطين، إنما المشروع المعلن بصورة متكررة، وأستخدم هذا التعبير عن قصد، لأنه سبق أن استمعنا إليه وقرأنا عنه. المشروع المعلن الآن إسرائيل الكبرى (الذي يتضمن) جزءاً من سبع دول عربية، إذن هنا نتحدث عن احتلال الأرض، فضلاً عن الهيمنة الاقتصادية والسياسية، ووجدنا انتشاراً إسرائيلياً حتى لغاية الصومال"، واصفاً المشروع التوسعي الإسرائيلي بأنه "مشروع جد خطر، ويخالف في جميع أصوله القانون الدولي، وممتد لـ80 سنة، وطموحاتهم زادت ولم تقل على رغم اتفاقات السلام، التي عقدت مع بعض الدول العربية، التي في سياقها جرى أصلاً طرح مشروع أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين".

وعن المشروع الإيراني، أضاف فهمي، "هناك من دون شك طموحات إيرانية أيضاً موجودة، وكانت موجودة من وقت الشاه، أي ليست حديثة، إنما الطموحات في الأساس إلا ببعض الحالات الاستثنائية كانت طموحات النفوذ أكثر منها طموحات اتساع الأراضي والاحتلال، توجد بعض الخلافات على الجزر (الإماراتية)، وهذا موجود. مع تغيير النظام في إيران (عام 1979) تطور الموضوع من طموحات فارسية إلى تصدير الثورات، ثم حصل الانكماش مرة أخرى، ومع هذا توجد تدخلات إيرانية في عدد من الدول العربية بصورة ممتدة، إذاً هذا تحدٍّ أيضاً".

وذكر فهمي أن "الدول الكبرى تنظر إلى الحسابات بصورة مختلفة تماماً، أين وضع هذه المنطقة في معادلات الحساب الأكبر في التنافس بين الدول الكبرى في مرحلة ما يسمى الاعتماد على البترول الشرق أوسطي، كان هناك منظور محدد ما يسمى نظرية كارتر، Carter Doctrine، تأمين مصادر الطاقة. الآن، حاجات الولايات المتحدة بالتحديد للبترول قلت كثيراً، نتيجة الاكتشافات لديهم، وكي أكون واضحاً أيضاً، حتى قبل ذلك كان المؤثر، المستعمر لم تكن الولايات المتحدة كانت أوروبا القديمة. إذاً هذه المسألة مستمرة، وسنواجهها مستقبلاً، ونحن قادرون على هذه المواجهة إذا انتقلنا من موقف رد الفعل إلى موقف الفعل. وهذا يعني بناء أنفسنا، بالتصدي للقضايا، بالتطوير المستدام والمستمر، والتنمية المستدامة".

تل أبيب وترتيبات الأمن في المنطقة

بالعودة للمشروع الإسرائيلي، لا سيما الجانب الإقليمي منه، والذي بات أكثر عدوانية واتساعاً منذ أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، مع محاولات إعادة تشكيل موازين القوي في الشرق الأوسط وفق منظومة تكون في مركزه إسرائيل، قال فهمي "من الواضح أن إسرائيل تسعى إلى توظيف تفوقها العسكري لتغيير موازين القوى الإقليمية، وتوسيع حرية حركتها، وفرض تصوراتها الأمنية على المنطقة".

أضاف، "ما نشهده في فلسطين ولبنان وسوريا يعكس محاولات لفرض وقائع جديدة على الأرض، وفي بعض الحالات تغيير الأوضاع القانونية والجغرافية والديموغرافية القائمة، وهو ما يفرض تحديات خطرة على الأمن العرب"، داعياً إلى التفرقة بين "القدرة على إحداث تغيير عسكري في موازين القوى، والقدرة على بناء نظام إقليمي مستقر وقابل للاستمرار، وهو فارق جوهري"، على حد وصفه، مشدداً على أن "الاستقرار لا يتحقق بمجرد تغيير موازين القوى، إنما بإقامة علاقات تستند إلى قواعد مشتركة وتحترم حقوق جميع الأطراف".

ذكر فهمي أن "العمليات العسكرية قد تنجح في إضعاف قدرات طرف أو تغيير وضع ميداني، لكنها لا تعالج بالضرورة الأسباب السياسية للصراع، بل قد تؤدي إلى تعميق العداء وانعدام الثقة وخلق مصادر جديدة لعدم الاستقرار"، مشيراً إلى أن "أي نظام أمني إقليمي مستدام يجب أن يقوم على قواعد واضحة والتزامات متبادلة، في مقدمها احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، وعدم الاستيلاء على الأراضي بالقوة، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وضمان الأمن على أسس متكافئة".

تابع، "هذه القواعد يجب أن تنطبق على إسرائيل كما تنطبق على جميع دول المنطقة، فلا يمكن الحديث عن نظام أمني مستقر يقوم على فرض إرادة طرف على بقية الأطراف"، عادَّاً أن "الرؤية العربية للسلام الشامل، التي عبرت عنها مبادرة السلام العربية عام 2002، قدمت تصوراً واضحاً لإمكان إقامة علاقات طبيعية وتعاون إقليمي أوسع، لكن ذلك يرتبط بإنهاء الاحتلال واحترام الحقوق الفلسطينية والعربية".

وحذر فهمي من "محاولة استبدال التسويات السياسية بترتيبات أمنية تكرس الأمر الواقع، أو تمنح شرعية لأوضاع فرضت بالقوة"، واصفاً الأمر بأنه "خطر حقيقي". معيداً تأكيد أن "من مصلحة الدول العربية أن تطور رؤيتها وقدراتها الجماعية، وأن تشارك بفاعلية في أي نقاش يتعلق بمستقبل الترتيبات الإقليمية، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع ما يفرضه الآخرون"، قائلاً "لعل إسرائيل تدرك أيضاً أن ممارساتها الخارجية والداخلية على المدى الطويل تشكل أكبر خطر على أمنها واستقرارها لأن الظلم والاحتلال يولد الغضب وعدم الاستقرار والأمان".

القضية الفلسطينية أم القضايا

منذ يومه الأول في منصبه، كان لافتاً حرص الأمين العام للجامعة العربية تأكيد القضية الفلسطينية ستظل القضية المركزية للعرب، معلناً في الوقت ذاته، أن أولى زياراته الخارجية ستكون إلى رام الله، وذلك قبل أن تعرقلها السلطات الإسرائيلية.

وفي ضوء تداعيات حرب غزة والتطورات الجارية في المنطقة، سألنا فهمي حول فرص إقامة الدولة الفلسطينية وفق حل الدولتين ما إذا كان هدفاً قابلاً للتحقق؟ فضلاً عن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام في غزة؟

وخلال حديثه أعاد تأكيد أن "القضية الفلسطينية ستظل في مقدمة أولويات الجامعة العربية، بعدِّها القضية المركزية للعرب بعد معاناة شعب بطل تحت الاحتلال على مدى 80 عاماً"، مؤكداً أن "حل هذه القضية تمثل أحد المفاتيح الرئيسة لتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط".

ذكر فهمي أن "الخروق الإسرائيلية واستمرار ممارساتها من دون محاسبة دولية وبحماية سياسية من الولايات المتحدة"، هو ما يعقد المسألة، عادَّاً أن إعلان زيارته الأولي إلى رام الله فور توليه المنصب، كانت "تعبيراً واضحاً عن هذه الأولوية (للقضية).

تابع، "عندما عرقلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي الزيارة، حرصت على لقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في العاصمة الأردنية عمان، للتشاور في شأن التطورات الجارية وسبل تعزيز التحرك العربي والدولي لدعم الحقوق الفلسطينية"، مقراً في الوقت ذاته أن "ما من شك في أن إقامة الدولة الفلسطينية أصبحت أكثر صعوبة نتيجة التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي ومحاولات الضم وفرض وقائع جديدة على الأرض"، لكنه عاد وقال إن "صعوبة تحقيق الهدف لا تلغي مشروعيته، ولا يمكن أن تكون مبرراً للقبول باستمرار الاحتلال".

وأعاد فهمي تأكيد أن "معالم التسوية العادلة معلومة للجميع، وتستند إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبدأ حل الدولتين"، عادَّاً أن "حرب غزة خلفت آثاراً إنسانية وسياسية بالغة الخطورة، وكشفت مجدداً عن العواقب المترتبة على الاكتفاء بإدارة الصراع وتأجيل معالجة أسبابه، وأظهرت أن استمرار الاحتلال وغياب الأفق السياسي لا يمكن أن يشكلا أساساً لاستقرار دائم".

وفيما يتعلق بخطة السلام الأميركية في غزة وأوقفت الحرب العام الماضي، قال فهمي "أعلنت صراحة تأييدي لاتفاق غزة ذات الـ20 نقطة، وأعلنت صراحة حتى قبل أن أتولى الأمانة العامة بصفتي الشخصية، أن هذا الاتفاق هو اتفاق الضرورة وهو اتفاق جيد، لكن ما يحتاج إليه هو متابعة عربية مستمرة، فلسطينية وعربية، لماذا؟ لأن الطرف الآخر غير جاد، أقصد إسرائيل، والدليل على ذلك، أن عدد القتلى ليس في غزة، وإنما من الفلسطينيين في الضفة الغربية منذ وقف إطلاق النار أكثر مما قبله، التوسع الاستيطاني أكثر مما قبله".

ذكر فهمي أن "وقف إطلاق النار غير قائم فعلياً داخل غزة. كل يوم، أطفال قُتلوا، ناهيكم عن الصحافيين، والمساعدات الإنسانية تدخل بحدود قليلة جداً. اتفاق غزة اتفاق ضرورة، وصفته مجازاً مع تأييدي له، أنه مكتوب بالقلم الرصاص، وأتوقع أن تحاول إسرائيل التراجع عن بعض بنوده، وعلينا كعرب التمسك ببنوده، والإصرار عليه، صراحة الطرف الوحيد الذي تحدث سياسة في مناسبة شرم الشيخ كان الرئيس المصري (عبدالفتاح السيسي) عندما فسر الاتفاق من أول نقطة إلى آخر نقطة، أقصد تقرير مصير الشعب الفلسطيني وإقامة دولته".

وعدَّ فهمي أن علينا أن "نتعامل مع أي جهد سياسي وفقاً لمضمونه وما يمكن أن يحققه على الأرض. والأولوية العاجلة هي تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، والبدء في جهود التعافي وإعادة الإعمار، مع الرفض القاطع لتهجير الفلسطينيين أو تكريس الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية"، مشدداً في الوقت ذاته على أن "هذه الإجراءات، على أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن مسار سياسي واضح ومحدد الأهداف يفضي إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، وهو جزء أساس من التفسير السليم والأمين لاتفاق غزة".

وذكر فهمي أن "السلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد وقف العمليات العسكرية، وإنما بمعالجة جذور الصراع، وفي مقدمها إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره.

وفي حديثه في شأن الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، والتحولات التي شهدها المجتمع الإسرائيلي وتأثيرها في مستقبل حل القضية الفلسطينية، قال فهمي، "بالنسبة إلى الانتخابات الإسرائيلية، تبقى القراءة الأهم أن الساحة السياسية في الدولة العبرية اتجهت إلى أقصى اليمين"، موضحاً أن "كل الفائزين في الانتخابات أو القيادات الرئيسة الفائزة هي ضد إقامة الدولة الفلسطينية، إذن الساحة الإسرائيلية (برئيس الوزراء الحالي بنيامين) نتنياهو أو بغيره ساحة غير منفتحة على السلام. وهذا موضوع خطر".

تابع فهمي، "الفكرة ليست من منهم (المرشحون المحتملون لتشكيل الحكومة) أفضل، الفكرة من منهم أسوأ"، ومضى في حديثه قائلاً "في الحقيقة أنا متشائم بالنسبة إلى احتمالات إيجاد حل للقضية الفلسطينية، لكن وعلى رغم ذلك أنا ملتزم. ولن أتراجع عن موقفي بضرورة تحقيق المطلب الفلسطيني المشروع في تقرير مصيره في دولته، وعاصمتها القدس الشرقية، لكن هذه (عركة) ستستمر".

وانتهت الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في الـ27 من أكتوبر الماضي بحالة من الجمود، إذ لم يتمكن نتنياهو ولا غادي آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق ومنافسه الأبرز، من حشد غالبية برلمانية واضحة، لكن الطرفين يتبنيان موقفاً مناهضاً لإقامة الدولة الفلسطينية.

هل تغير تموضع واشنطن في الحسابات العربية؟

وعلى وقع الحرب الإيرانية، وتنامي الحديث لدى كثر في شأن إعادة التفكير في العلاقات العربية - الأميركية في ضوء ما كشفت عنه التطورات الأخيرة، مع ضرورة تنويع الخيارات الإستراتيجية بالنسبة إلى العرب، واستخدام أوراق قوتهم وقدراتهم لحماية مصالحهم، سألنا الأمين العام للجامعة العربية حول رؤيته لشكل النفوذ الأميركي في المنطقة في الوقت الراهن؟ وما الذي تريده الدول العربية اليوم من العلاقة مع الولايات المتحدة؟

أجاب فهمي قائلاً "يمتلك العالم العربي يمتلك بالفعل إمكانات وعلاقات تمثل أهمية إستراتيجية كبيرة للولايات المتحدة، سواء من حيث الموقع الجغرافي، أو موارد الطاقة، أو الأسواق والاستثمارات، أو الشراكات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، لكن وجود هذه الإمكانات لا يعني تلقائياً امتلاك نفوذ سياسي يمكن توظيفه لتحقيق أهداف محددة"، على حد تعبيره.

وذكر فهمي أن "التأثير يتطلب أولاً وضوح المصالح والأهداف، وفهماً جيداً لأولويات الطرف الآخر، واختيار الأدوات والتوقيت المناسبين، ثم القدرة على متابعة ما نتفق عليه"، عادَّاً أن عند الحديث عن "الكلفة والمصلحة، فإنني أقصد أن نوضح للقوى الكبرى أن تجاهل المصالح العربية واستمرار التصعيد وعدم الاستقرار تترتب عليهما تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية، بينما يؤدي احترام هذه المصالح والعمل على تسوية النزاعات إلى توفير فرص أوسع للتعاون والاستقرار".

ومضى فهمي في حديثه قائلاً، "لا أقصد بذلك بالضرورة اللجوء إلى إجراءات تصعيدية أو استخدام كل عناصر القوة بصورة منفردة، إنما حسن توظيف العلاقات والمصالح المتبادلة في إطار رؤية واضحة ومدروسة"، مرجعاً عدم استخدام الدول العربية لهذه الإمكانات بالقدر المطلوب إلى "وجود اختلافات في أولويات الدول العربية وتقديراتها ودرجات اعتمادها المتبادل مع القوى الكبرى، وأحياناً لا يكون الهدف الذي نريد تحقيقه محدداً بصورة كافية"، وعليه يدعو فهمي إلى "التشاور المنتظم وتحديد المصالح المشتركة وبناء مواقف يمكن الاستمرار فيها يمثل عناصر أساسية لتعزيز قدرتنا على التأثير".

وبالعودة للتموضع الولايات المتحدة في المنطقة يقول فهمي، "لا أعتقد أن نفوذ واشنطن انتهي، أو أن أهميتها في الشرق الأوسط تراجعت بالصورة التي يصورها البعض"، موضحاً أن "الولايات المتحدة لا تزال قوة دولية رئيسة، ولها حضور سياسي وعسكري واقتصادي وتكنولوجي واسع، وإن كانت أولوياتها تغيرت، وأصبحت تعمل في بيئة دولية تتسم بتزايد المنافسة وتعدد مراكز القوة".

لكن وفق رؤية فهمي يقول إن "الأمانة تقتضي مني أيضاً التنويه إلى أن ثقة المجتمع الدولي بأكمله قد انكمشت فيما يسمى الغطاء الأمني الأميركي، كان ذلك في أوروبا إزاء حرب أوكرانيا أو بالعالم العربي والشرق الأوسط نتيجة لازدواجية المعايير في التعامل مع أحداث غزة والممارسات الإسرائيلية الدموية أو عدم مراعاة أو تأمين مصالح العالم العربي في ظل النزاع المرتبط بإيران"، واصفاً الأمر بأن واشنطن "لم يعد لديها الصدقية السياسية، التي كانت تجعل الدول تعتمد عليها كما كان في الماضي". وعليه يضيف فهمي، "من الضروري أن نتعامل مع هذه التحولات بواقعية، وأن نحتفظ بعلاقات وشراكات دولية متنوعة تعزز قدرتنا الذاتية واستقلال قرارنا".

بحسب فهمي فما "نريده من واشنطن هو علاقة أكثر توازناً، تقوم على احترام سيادة الدول العربية وأمنها ومصالحها، والتعامل الجاد مع القضية الفلسطينية وضرورة إنهاء الاحتلال، إضافة إلى شراكات تدعم التنمية وبناء القدرات والاستقرار الإقليمي"، مضيفاً "في المقابل علينا نحن أيضاً أن نكون أكثر وضوحاً وتنظيماً في تحديد أولوياتنا وعرض مصالحنا والدفاع عنها".

ذكر فهمي أن "العلاقة الناجحة لا تقوم على المناشدات وحدها، وإنما على إدراك متبادل للمصالح والالتزامات، وعلى قدرة كل طرف على توضيح ما يحتاج إليه وما يستطيع أن يقدمه"، على حد تعبيره.

التدخل الخارجي والضعف المؤسسي يعمقان أزمات المنطقة

بسؤاله عن أسباب تعقد الأزمات العربية في دول مثل ليبيا والصومال على رغم تعدد المبادرات والوساطات السياسية، وفي ظل تزايد تدخل القوى الإقليمية والدولية، وما إذا كانت الأزمة تكمن في تدخل الأطراف الخارجية، أم أن الانقسامات العربية أوجدت فراغاً ملأته هذه القوى؟ وكيف يمكن للجامعة استعادة دور أكثر فاعلية في هذه الملفات؟ عدَّ فهمي أن "الأمرين يتفاعلان مع بعضهما بعضاً"، موضحاً "هناك ­قوى إقليمية ودولية تتدخل لتحقيق مصالحها، وتتحمل مسؤولية ما تقوم به من اعتداءات أو انتهاكات للسيادة، وفي الوقت ذاته توجد انقسامات داخلية وضعف في مؤسسات بعض الدول العربية أتاحا مساحة أوسع لهذه التدخلات".

ذكر فهمي، "عندما تضعف مؤسسات الدولة، تتداخل المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتتعدد مراكز النفوذ، ثم تصبح التسوية أكثر تعقيداً، بخاصة عندما ترتبط بعض الأطراف الداخلية بحسابات ومصالح خارجية"، وعليه، على حد وصفه يقول "انطلاقاً من ذلك عدَّ الحفاظ على الدولة الوطنية ووحدتها وسيادتها وتعزيز مؤسساتها من المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تحكم تعاملنا مع الأزمات العربية".

أوضح فهمي أن في التعامل مع الأزمات العربية "من المهم أيضاً احترام خصوصية كل أزمة، فلا توجد وصفة واحدة يمكن تطبيقها على ليبيا والصومال واليمن والسودان وغيرها من الدول التي تواجه تحديات مختلفة مع ضرورة احترام كل هذه الوصفات القانون الدولي العام والإنساني"، مشيراً إلى أنه في ليبيا، على سبيل المثال، هناك أزمة ممتدة تتعلق بالانقسام السياسي والمؤسسي، والتحديات الأمنية، وضرورة توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات، وأن الجامعة تعمل في إطار تكاملي مع الأمم المتحدة لدعم الحوار والمصالحة، ومساندة الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية، بما في ذلك مسار اللجنة العسكرية المشتركة 5+5.

أما في الصومال، فيضيف فهمي، "الأولوية تتمثل في دعم وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها، وتعزيز مؤسسات الدولة وقدرتها على أداء مهامها، ومواجهة الإرهاب، والتعامل مع التحديات الأمنية والتنموية التي تؤثر في استقرار البلاد والمنطقة"، مشيراً إلى أن النشاط الإسرائيلي في هذه المنطقة والبحر الأحمر "خطر للغاية ويولد عدم الاستقرار".

بحسب فهمي فإن "أحد أسباب تعثر التسويات هو أن تعدد المبادرات لا يعني بالضرورة توافر شروط النجاح. ففي بعض الأحيان تتنافس مسارات الوساطة، أو يجري التوصل إلى تفاهمات لا تتوافر لها آليات تنفيذ كافية، بينما تظل الأسباب السياسية والاقتصادية والأمنية للأزمة قائمة"، عادَّاً أن انطلاقاً من ذلك فإن "الدور العربي لا ينبغي أن ينحصر في إطلاق مبادرات جديدة، إنما في تحديد ما يمكن أن تضيفه الجامعة بصورة عملية، سواء من خلال تقريب المواقف، أو دعم المسارات الوطنية، أو تنسيق الجهود الإقليمية والدولية، أو المساعدة في إزالة العقبات أمام تنفيذ التفاهمات".

السودان وفرص الحل

في شأن حديثه عن الأزمة السودانية، لا سيما بعد إجرائه زيارة أخيراً إلى السودان، دعا خلالها جميع الأطراف "إلى رفع أيديهم عنها"، وما إذا كان بإمكان الجامعة العربية أن تؤدي دوراً لوقف الحرب ودعم التسوية السياسية، بخاصة في ظل تعدد المبادرات والتدخلات الخارجية؟ وما إذا الظروف باتت مهيأة لإنهاء القتال؟

قال فهمي إن "السودان يحتل مكانة خاصة في العالم العربي، بحكم تاريخه وموقعه وروابطه ومقدراته، وما يمر به شعبه من مأساة إنسانية يفرض علينا مسؤولية سياسية وأخلاقية كبيرة"، مشيراً إلى أنه انطلاقاً من هذه القناعات "حرص على زيارة السودان في هذه المرحلة الدقيقة، ليس فقط للتعبير عن التضامن مع شعبه، وإنما للاطلاع المباشر على الأوضاع، والاستماع إلى المسؤولين والقوى الوطنية السودانية، والتشاور في شأن ما يمكن للجامعة أن تقدمه لدعم جهود إنهاء الحرب".

وعدَّ فهمي الذي كان وصف ما يحدث في السودان في بداية ولايته بأنه "قضية مؤلمة وغير مقبولة"، أنه التقى خلال زيارته الأخيرة للسودان القيادات السودانية وأعضاء لجنة تهيئة الحوار، وبحثنا سبل تهيئة الظروف لإطلاق حوار وطني جامع بقيادة وملكية سودانية، يستوعب مختلف القوى الوطنية ويساعد على التوصل إلى تسوية سياسية تحفظ وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية.

وذكر فهمي أن "الموضوعات المهمة التي تناولناها خلال الزيارة كيفية الحفاظ على الدولة الوطنية السودانية الموحدة ذات السيادة بمنظومة سياسية يقرها جميع السودانيين المنتميين بهذه الأهداف ومن خلال حوارات سودانية، على أن يدعم المجتمع الدولي كل ذلك، إنما لا يقوده أو يقرره"، مشدداً على أن "أهمية هذا التنسيق تكمن في مساعدة المسارات الوطنية والإقليمية والدولية على العمل في اتجاه متقارب، وتجنب تنافس المبادرات أو تشتت الجهود، على أن تظل العملية السياسية سودانية القيادة والملكية، ومرة أخرى وأن يكون الدور الخارجي مسانداً لها".

ومضى فهمي في حديثه "بعد عودتي، أطلقت نداء بوقف التدخلات الخارجية التي تغذي الصراع يمثل شرطاً أساساً لتهيئة الظروف اللازمة لإنهاء الحرب. فلا يمكن أن نطالب السودانيين بالتوافق، بينما تستمر أطراف خارجية في تغذية الانقسام وإطالة أمد القتال". وتابع "أريد أن أكون واضحاً في أن موقف الجامعة يقوم على الحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته الوطنية، ورفض تكريس الانقسام أو إنشاء هياكل موازية للدولة، مع إعطاء الأولوية لوقف الحرب وحماية المدنيين وتخفيف المعاناة الإنسانية"، وأضاف، "دور الجامعة هو أن تسهم في تهيئة هذه الظروف، وتقريب المواقف، وتنسيق الجهود، ومساندة السودانيين في التوصل إلى حل يحفظ دولتهم ويتيح لهم استعادة الأمن والاستقرار وبدء عملية التعافي وإعادة البناء".

لبنان وضرورات الدعم العربي

في شأن الأزمة اللبنانية، عدَّ نبيل فهمي أن زيارته الأخيرة لبيروت جاءت "انطلاقاً من موقف عربي وشخصي واضح برفض الاعتداءات الإسرائيلية ومما يعكس دعم للدولة اللبنانية وسيادتها ووحدة أراضيها ومؤسساتها الوطنية، ومن مسؤولية العالم العربي والأمانة العامة متابعة تنفيذ ما يصدر عن مجلس الجامعة من قرارات".

وقال فهمي "كان من المهم بالنسبة لي أن أتشاور مباشرة مع القيادة اللبنانية في شأن أولويات المرحلة الحالية، وكيفية ترجمة الموقف العربي إلى دعم يتصل بالحاجات الفعلية للبنان، وليس مجرد الاكتفاء بتأكيد المواقف المعروفة"، مشيراً في ذلك إلى أن محادثاته مع القادة اللبنانيين تناولنا التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تواجه لبنان، وسبل دعم مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها، بتلاحم لبناني وبغية وقف الاعتداءات الإسرائيلية وإنهاء الاحتلال، والتعافي وإعادة الإعمار وعودة النازحين، هذا ما أيدته ودعمته".

فيما يتعلق بالالتزامات العربية تجاه لبنان، أكد فهمي "من المهم أن نكون دقيقين. هناك قرار وموقف سياسي عربيان، وهناك مساهمات مالية وفنية وغيرها تقررها الدول الأعضاء وفقاً لآلياتها وإمكاناتها. ومسؤولية الجامعة هي العمل على حشد هذا الدعم وتنسيقه ومتابعته"، موضحاً أن "الدعم العربي يمكن أن يعزز الموقف اللبناني سياسياً ودبلوماسياً، وأن يسهم في حشد التأييد الدولي لحقوق لبنان وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمها قرار مجلس الأمن رقم 1701".

ذكر فهمي أن "أي دور إضافي للجامعة يتحدد بالتشاور مع لبنان والدول الأعضاء والأطراف المعنية، أما الحديث عن دور الضامن فيتطلب تحديداً واضحاً لطبيعة الالتزامات والضمانات وآليات التنفيذ"، مشدداً على أن "ما يحرص عليه هو أن يجد لبنان سنداً عربياً فاعلاً، يدعم سيادته ومؤسساته، ويعزز قدرته على اتخاذ قراراته الوطنية، وأن تكون هناك متابعة لما نتفق عليه، حتى تتحول المواقف السياسية إلى دعم عملي يتناسب مع حجم التحديات التي يواجهها".

أي مستقبل ينتظر المنطقة العربية؟

في شأن رؤيته المستقبلية للمنطقة، وما إذا كنا نتجه إلى منعطفات أكثر تفككاً أم نحو مزيد من التكامل في ضوء التحديات الراهنة، ومدى قدرة النظام العربي على الصمود أمام محاولات إعادة رسم موازين القوى والنفوذ، أعرب فهمي عن عدم اعتقاده أن "مستقبل المنطقة قد حُسم"، قائلاً "لا أرى أن علينا التعامل مع الأوضاع الحالية بعدِّها قدراً لا يمكن تغييره".

عدَّ فهمي أن "أخطر سيناريو يمكن أن نواجهه في المستقبل هو استمرار تآكل الدولة الوطنية، بحيث تبقى الحدود قائمة على الخرائط، بينما تتراجع قدرة الدولة على إدارة أراضيها ومواردها واتخاذ قراراتها، وتتوزع السلطة بين مراكز متنافسة ترتبط أحياناً بمصالح وحسابات خارجية"، مشيراً إلى أن "هذا الوضع قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراعات، وتعطيل التنمية، وتراجع ثقة الأجيال الجديدة في المستقبل، حتى من دون حدوث تغيير رسمي في الحدود".

وأعاد فهمي تأكيد أنه "وبلا شك هناك تنافس متزايد على النفوذ والممرات والمواقع الإستراتيجية، وعلينا أن نكون يقظين لما يجري من حولنا، لكنني لا أتعامل مع التفكك أو التقسيم بعدِّهما نتيجة حتمية"، عادَّاً أن "للدول العربية القدرة على حماية وحدتها وسيادتها وتعزيز حضورها، إذا توافرت الرؤية والإرادة السياسية والعمل المؤسسي المتواصل".

في شأن ما يطمح في رؤيته في نهاية ولايته أميناً عام للجامعة العربية، قال فهمي "السيناريو الذي أتطلع إليه، وأعتقد أنه لا يزال ممكناً، هو أن ننجح خلال السنوات المقبلة في وقف الحروب تدريجاً، واستعادة مؤسسات الدول التي تعرضت لأزمات، وتعزيز التكامل الاقتصادي، والاستثمار بصورة أكبر في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا، وتوفير فرص أوسع للشباب للمشاركة في بناء مستقبل مجتمعاتهم"، مضيفاً "أتطلع أيضاً إلى أن نرى منظومة عربية أكثر قدرة على حماية الأمن الجماعي، واستشراف الأخطار، والمبادرة السياسية، والتأثير في القرارات والترتيبات التي تحدد مستقبل المنطقة".

وعدَّ فهمي أن "هذه ليست أهدافاً بعيدة المنال، ولكنها تتطلب أن نربط الأولويات ببرامج واضحة، وموارد ومسؤوليات محددة، وآليات جادة للتنفيذ والمتابعة"، ثم اختتم حديثه إلينا قائلاً "أنا غير متشائم بإمكانات العالم العربي إذا استهدفنا الإعداد والعمل، وليس التمنيات"، مشيراً إلى أن "ما نفعله اليوم سيحدد مساحة الخيارات المتاحة لأبنائنا خلال السنوات المقبلة، ومسؤوليتنا أن نترك لهم دولاً أقوى، ومؤسسات أكثر قدرة، وفرصاً أوسع للمشاركة في صناعة مستقبلهم، وأعتقد أن هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجهنا جميعاً، وهو أيضاً ما ينبغي أن يكون في صدارة أولويات العمل العربي المشترك".

×
أخبار
"الخارجية الفلسطينية" تطلق نداءً عاجلاً إلى المجتمع الدولي ومؤسساته لإنقاذ غزة من كارثة إنسانية تحذيرات من تقليص الدور العالمي لواشنطن وطهران كقوة مهيمنة بالخليج ثلاثة مسارات أمام واشنطن بعد الانتخابات النصفية: تقييمات أوروبية لخيارات ترامب في حرب إيران "هآرتس": زيني يعزل نفسه مؤسسياً.. ونتنياهو يصارع البقاء وسط أزمات ائتلافيّة وضغوط أمريكية سنتكوم تُطلق قوة مهام لتعطيل مسارات النقل البري الإيرانية المستخدمة في عمليات الشحن غير القانونية السيسى يوجه رئيس الهيئة القومية للأزمات والطوارئ بدراسة تدبير مخزون استراتيجي للدولة من كافة الاحتياجات ستة عقود من سياسة "الغموض" النووي الإسرائيلي تلامس مرحلة التصدع ثلاثة أعضاء يهود في الكونغرس يطالبون إسرائيل بالإفراج الفوري عن أبو شحادة فانس يقود جهود دبلوماسية أمريكية سرية لتجنب التصعيد والتوصل إلى اتفاق مع إيران نبيل فهمي: الشرق الأوسط يمر بمرحلة خطيرة بلا مشروع عربي معاريف: عرض استثنائي لنتنياهو مقابل اعتزاله السياسة: 125 مليون دولار الأمطار تغرق خيام النازحين في قطاع غزة.. والدفاع المدني يعلن تلقيه 1500 نداء استغاثة - فيديو وزير الصحة الفلسطيني يحذر من كارثة صحية متفاقمة في قطاع غزة مع بداية فصل الشتاء قراصنة يهددون وزير خارجية إيطاليا وعائلته منظمة "كير" الإسلامية تعلق أنشطته في فلوريدا بعد سريان قانون تصنيف المنظمات الإرهابية ترامب يكشف تفاصيل "ضربة الجمعة" على إيران: دقائق معدودة بوتين ومحاولة "إنقاذية" لـ "الصديق" ترامب! الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,640 شهيدا د. مجدلاني: امام التحولات الدولية علينا ا لانتقال من سياسة الانتظار الى المبادرة والفعل السياسي اللواء رجب: التحقيقات في قضية استيلاء مستوطنين على منازل في منطقة الديوك بأريحا مستمرة قطر تنفي تصريحات منسوبة لرئيس وزرائها بشأن فشل الاتفاق بين أمريكا وإيران المتابعة العليا تستنكر حملة الملاحقة والتحريض التي يقودها نتنياهو اعتقال مسلح بالقرب من البيت الأبيض هدد بـ"قتل ترامب" ترامب: منعت إيران من السلاح النووي لإنقاذ إسرائيل والشرق الأوسط الجدار والاستيطان: سلطات الاحتلال تقتطع 15.8 ألف دونم صافية من أراضي بيتللو والمزرعة القبلية - تفاصيل قرار مفاجئ.. ترامب يعلن تعيين ستيفن ميلر فى منصب كبير موظفى البيت الأبيض جيش الاحتلال يقرر ابعاد 12 متضامن دولي مع مزارعي الزيتون يوم السبت الجيش اللبناني: عدم انسحاب إسرائيل الخطر الأول..سنتصدى لأي "إشكال" داخلي بلومبيرغ: أمريكا وإيران تقتربان من تحقيق اختراق محتمل نحو اتفاق لإنهاء الحرب رئيس وزراء قطر: أميركا وإيران لن تتمكنا من التوصل لاتفاق "مثالي"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط