تاريخ النشر: 2026-10-11 | 15:11
تاريخ النشر: 2026-10-11 | 15:11
لم يكن تأجيل الانتخابات الفلسطينية إلى الحادي عشر من سبتمبر 2027 مجرد تعديل في موعد استحقاق انتخابي، بل هو قرار يعكس أزمة أعمق تتصل بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، ووحدة التمثيل الوطني، وتجديد الشرعيات، وقدرة الشعب الفلسطيني على استعادة زمام قراره في مرحلة هي من أخطر مراحل القضية الفلسطينية منذ نكبة عام 1948.
وبعد أن كان مقررًا إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في عام 2026، جاء التأجيل في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب والدمار في قطاع غزة، واستمرار الاحتلال وقيوده في الضفة الغربية والقدس، وتعثر الترتيبات الانتقالية الخاصة بغزة، وعدم توافر البيئة التي تتيح إجراء انتخابات حرة وشاملة.
وهذه أسباب لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الذي سيتغير بين الآن والحادي عشر من سبتمبر 2027 حتى تصبح الانتخابات ممكنة، إذا بقيت الأسباب التي حالت دون إجرائها قائمة؟
هنا تكمن جوهر المشكلة؛ إذ لا يكفي تحديد موعد جديد، بل ينبغي أن يتحول العام الفاصل إلى عام عمل وطني وسياسي ومؤسسي، لا إلى فترة انتظار جديدة تنتهي بتأجيل آخر.
التأجيل بين الضرورة والمخاطرة
لا يمكن إجراء انتخابات فلسطينية حقيقية في ظل ظروف تمنع مشاركة قطاع غزة، أو تحول دون مشاركة القدس الشرقية، أو تقيد حرية الناخبين والمرشحين في الضفة الغربية. فالاحتلال الإسرائيلي يتحمل مسؤولية مباشرة عن جانب أساسي من هذه القيود، وعن البيئة السياسية والميدانية التي تقوض ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية والديمقراطية.
لكن الاعتراف بمسؤولية الاحتلال لا يعني إعفاء القيادة والقوى الفلسطينية من مسؤولياتها. فالانتخابات ليست ترفًا يمكن تأجيله كلما اشتدت الأزمات، بل وسيلة أساسية لتجديد الشرعية وإعادة بناء الثقة والمساءلة وتصحيح العلاقة بين الشعب ومؤسساته.
وقد مضى نحو عقدين على آخر انتخابات تشريعية عامة، التي جرت عام 2006، وعلى آخر انتخابات رئاسية، التي جرت عام 2005. وخلال هذه السنوات تغير المجتمع الفلسطيني سياسيًا واجتماعيًا وديموغرافيًا بصورة عميقة، ونشأت أجيال واسعة لم تتح لها فرصة المشاركة في اختيار قياداتها.
ومن هنا، فإن استمرار غياب الانتخابات لا يجمّد الحياة السياسية فحسب، بل يوسع الفجوة بين المؤسسات القائمة وبين قطاعات متزايدة من الشعب، ولا سيما الشباب الذين أصبحوا يمثلون الجزء الأكبر من الجسم الانتخابي.
لماذا توافق معظم الفصائل على التأجيل؟
يثير توافق الفصائل على التأجيل سؤالًا مشروعًا، خصوصًا أن قوى فلسطينية عديدة كانت قد انتقدت تأجيل انتخابات عام 2021، واعتبرت الانتخابات مدخلًا لإنهاء الانقسام وتجديد الشرعية.
ومن الطبيعي أن تكون هناك أسباب موضوعية تتعلق بالحرب والاحتلال والواقع الخاص بقطاع غزة، لكن ذلك لا يمنع التساؤل عن الحسابات السياسية والتنظيمية الداخلية، وعن مدى استعداد القوى القائمة للاحتكام إلى صندوق الاقتراع وقبول نتائج الانتخابات مهما كانت.
ولا يجوز الجزم بأن الخوف من نتائج الانتخابات هو سبب التأجيل من دون أدلة، لكن من المشروع سياسيًا أن يُطرح السؤال: هل أصبحت بعض القوى أكثر حرصًا على استمرار مواقعها في النظام السياسي من حرصها على تجديد هذا النظام عبر الإرادة الشعبية؟
إن الشعب الفلسطيني ليس مجرد جمهور تتحدث القوى السياسية باسمه، بل هو مصدر الشرعية وأصحاب الحق في تقرير شكل مؤسساتهم وقياداتهم. ولذلك فإن أي حوار وطني لا يوسع المشاركة الشعبية، ولا يعطي الأجيال الجديدة مكانها الطبيعي في صناعة القرار، سيظل معرضًا لإعادة إنتاج الأزمة نفسها.
الانقسام: الجرح الذي لا يمكن تجاوزه
لا يمكن فهم أزمة الانتخابات من دون معالجة الانقسام الفلسطيني الذي بدأ بعد انتخابات 2006 وبلغ ذروته بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام 2007، وما ترتب على ذلك من انقسام جغرافي ومؤسسي وسياسي بين غزة والضفة الغربية.
وقد استفاد الاحتلال من هذا الانقسام في تكريس الفصل بين أجزاء الأرض الفلسطينية، وفي تقديمه ذريعة لتعطيل الاستحقاقات السياسية والتنصل من الالتزامات، بينما دفع الشعب الفلسطيني الثمن الأكبر من الانقسام والحصار والحروب والدمار.
وتتحمل حركة حماس مسؤولية سياسية وتاريخية عن قراراتها التي أسهمت في تكريس الانقسام واستمرار ازدواجية السلطة والقرار، وهي مطالبة بمراجعة تجربتها مراجعة صريحة، بما في ذلك جدوى السياسات التي اتبعتها، وكلفة قراراتها على الشعب الفلسطيني، والعلاقة بين العمل المقاوم والمصلحة الوطنية الشاملة.
ولا تعني هذه المراجعة إنكار حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وفق قواعد القانون الدولي، وإنما تعني أن أي عمل وطني، مهما كان عنوانه، لا ينبغي أن يتحول إلى قرار منفرد خارج إطار التمثيل الوطني، ولا أن يعفي أصحابه من المساءلة عن النتائج.
وفي الوقت نفسه، فإن معالجة الأزمة لا تكون بإدانة حماس وحدها أو إعفاء بقية القوى من مسؤولياتها. فاستمرار الانقسام مسؤولية تراكمية، وإن كانت المسؤوليات ليست متساوية في طبيعتها وحجمها.
المطلوب إذن مراجعة وطنية شاملة تحدد مسؤولية كل طرف، وتنهي ازدواجية السلطة، وتعيد توحيد المؤسسات والقرار الوطني.
غزة ومستقبل القرار الفلسطيني
تجري هذه التطورات فيما يعيش قطاع غزة واقعًا استثنائيًا خلفته الحرب والدمار الواسع، حيث تعرضت المساكن والمنشآت الصحية والتعليمية والبنية التحتية والاقتصاد لخراب هائل، وتعرض المجتمع لنزوح وفقدان ومآسٍ إنسانية واجتماعية عميقة.
وفي ظل الترتيبات الدولية الانتقالية الخاصة بغزة، وما ارتبط بها من تشكيل أطر إدارية والتحضير لقوة استقرار دولية، يظل السؤال الأساسي: هل تكون هذه الترتيبات جسرًا يعيد غزة إلى إطارها الوطني الفلسطيني، أم تتحول بفعل التعثر وطول المدة إلى واقع سياسي وإداري منفصل؟
إن بقاء غزة خارج إدارة وطنية فلسطينية موحدة، أو استمرار الفصل بينها وبين الضفة والقدس، يمثل خطرًا على وحدة الأرض الفلسطينية ووحدة النظام السياسي.
ولذلك يجب أن تكون إعادة إعمار غزة جزءًا من مشروع وطني فلسطيني، لا بديلًا عنه، وأن تكون أي ترتيبات دولية مؤقتة وسيلة لحماية المدنيين ودعم إعادة الإعمار وتهيئة الظروف لعودة الإدارة الفلسطينية الموحدة، لا مدخلًا إلى وصاية دائمة أو فصل سياسي.
الاحتلال لا يعفي الفلسطينيين من مسؤوليتهم
من الناحية القانونية، يظل الاحتلال الإسرائيلي مسؤولًا عن القيود التي يفرضها على الشعب الفلسطيني، وعن انتهاكاته للقانون الدولي وعرقلته ممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير.
لكن هذه المسؤولية لا تلغي المسؤولية الفلسطينية عن بناء مؤسسات شرعية وديمقراطية قادرة على تمثيل الشعب وإدارة شؤونه.
ومن هنا ينبغي السير في مسارين متلازمين: الأول، تحرك سياسي وقانوني ودبلوماسي دولي لإزالة القيود الإسرائيلية وضمان مشاركة القدس وغزة والضفة في العملية الانتخابية؛ والثاني، إصلاح داخلي يعيد بناء النظام السياسي ويوحد المؤسسات ويجدد الشرعيات.
فلا ينبغي أن يتحول الاحتلال إلى ذريعة لتعطيل الإصلاح، كما لا ينبغي أن يتحول الإصلاح الداخلي إلى ذريعة لتجاهل الاحتلال.
الكلفة الاجتماعية والاقتصادية
ولا تنحصر آثار الأزمة في السياسة والشرعية. فالفلسطينيون في غزة يحتاجون إلى إعادة بناء المساكن والمستشفيات والمدارس والجامعات وشبكات المياه والكهرباء والاقتصاد، بينما تواجه الضفة الغربية ضغوط الاستيطان والقيود على الحركة والأزمة المالية وتراجع فرص العمل.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح استمرار الانقسام وغياب المؤسسات المنتخبة عبئًا إضافيًا على المجتمع؛ لأن المواطن يحتاج إلى مؤسسات موحدة وخاضعة للمساءلة، لا إلى ترتيبات سياسية مؤقتة تتغير مع كل أزمة.
فالانتخابات لن تحل وحدها مشكلات الاقتصاد والدمار والاحتلال، لكنها تستطيع أن تمنح النظام السياسي تفويضًا متجددًا، وتوفر إطارًا للمساءلة وتحديد الأولويات الوطنية والاجتماعية.
منظمة التحرير أساس الوحدة الوطنية
ومن هنا، لا ينبغي اختزال أزمة الشرعية في الانتخابات التشريعية والرئاسية وحدها. فالمطلوب أيضًا إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل مؤسساتها وتوسيع المشاركة فيها باعتبارها الإطار الوطني الجامع والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
إن تجديد شرعية السلطة لا ينبغي أن يكون بديلًا عن تجديد مؤسسات منظمة التحرير، كما أن إعادة بناء منظمة التحرير لا ينبغي أن تؤجل الانتخابات.
المطلوب مسار متكامل يجمع بين تجديد الشرعيات، وإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وإعادة بناء منظمة التحرير، وتوسيع المشاركة الشعبية، وإشراك الأجيال الجديدة، ووضع برنامج وطني موحد.
فلا معنى لانتخابات في نظام منقسم، ولا جدوى من حوار لا ينتهي إلى مؤسسات موحدة، ولا قيمة لتجديد الشرعية إذا ظل القرار الوطني موزعًا بين سلطات وأطر متنافسة.
ماذا ينبغي أن يحدث قبل سبتمبر 2027؟
إذا كان الموعد الجديد جادًا، فينبغي ألا ينتظر الفلسطينيون حتى سبتمبر 2027 لمعرفة ما إذا كانت الظروف قد تحسنت. يجب أن يبدأ العمل من الآن.
أولًا، إجراء مراجعة وطنية صريحة للتجربة منذ انتخابات 2006، بما فيها أسباب الانقسام ونتائجه والسياسات التي أوصلت النظام السياسي إلى وضعه الراهن.
ثانيًا، الاتفاق على خطوات ملزمة لإنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات والقرار الوطني، وإنهاء أي سلطة منفردة خارج الإطار الوطني الموحد.
ثالثًا، وضع خطة سياسية وقانونية ودبلوماسية لضمان إجراء الانتخابات في غزة والضفة والقدس، وتوفير حرية الترشح والتصويت والمراقبة.
رابعًا، إطلاق عملية حقيقية لإعادة بناء منظمة التحرير وتفعيل مؤسساتها، وتوسيع المشاركة لتشمل الشباب والقوى الاجتماعية والسياسية وأبناء الشعب الفلسطيني في الشتات.
خامسًا، العمل على استعادة الإدارة الفلسطينية الموحدة لقطاع غزة، وربط إعادة الإعمار بالمشروع الوطني، ومنع تحول الترتيبات الانتقالية إلى واقع دائم للفصل أو الوصاية.
وسادسًا، وضع جدول زمني معلن للتحضير للانتخابات، مع آليات رقابة ومساءلة تجعل التأجيل مرة أخرى أمرًا استثنائيًا لا خيارًا سياسيًا سهلًا.
الخلاصة: المطلوب تغيير المسار لا تغيير التاريخ
إن تأجيل الانتخابات إلى الحادي عشر من سبتمبر 2027 لا يحل أزمة الشرعية، ولا ينهي الانقسام، ولا يعيد إعمار غزة، ولا يوقف الاستيطان، ولا ينهي الاحتلال. ولذلك فإن قيمة الموعد الجديد تتوقف بالكامل على ما سيحدث خلال الفترة الفاصلة.
إذا تحولت هذه الفترة إلى زمن للمراجعة والإصلاح وتوحيد المؤسسات وإعادة بناء منظمة التحرير والتحضير الجاد للانتخابات، فقد يصبح التأجيل فرصة أخيرة لتصحيح المسار.
أما إذا تحولت إلى عام إضافي من الانتظار وتبادل الاتهامات وإدارة الأزمة، فإن الموعد الجديد لن يكون إلا حلقة أخرى في مسلسل التأجيل، وستزداد الفجوة بين الشعب ومؤسساته، بينما يواصل الاحتلال استغلال الانقسام لتكريس الاستيطان وفرض الوقائع على الأرض.
إن الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى موعد جديد بقدر حاجته إلى مسار وطني جديد.
مسار يعيد القرار إلى الشعب، ويجدد الشرعيات، وينهي الانقسام، ويوحد المؤسسات، ويعيد بناء منظمة التحرير، ويحمي وحدة غزة والضفة والقدس، ويضع المقاومة والعمل السياسي والدبلوماسي والقانوني في إطار استراتيجية وطنية واحدة.
فالمشكلة ليست في الحادي عشر من سبتمبر 2027، وإنما في أن يأتي هذا اليوم والأسباب التي أدت إلى التأجيل لا تزال قائمة.
وعندها لن يكون قد جرى حل الأزمة، بل سيكون قد مُنح عام آخر للأزمة على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه ومستقبله.
د. عبد الرحيم جاموس
رئيس المجلس الإداري للاتحاد العام للحقوقيين الفلسطينيين
11 أكتوبر 2026 م
الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب:
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي: