تاريخ النشر: 2026-10-11 | 15:07
تاريخ النشر: 2026-10-11 | 15:07
مع عودة الحديث عن الانتخابات التشريعية الفلسطينية، بدأت تظهر أسماء وشخصيات تعلن رغبتها في خوض الانتخابات، وهو أمر طبيعي في أي مرحلة تسعى فيها الحياة السياسية إلى استعادة حيويتها وتجديد مؤسساتها. فحق الترشح والمشاركة السياسية جزء أساسي من أي عملية ديمقراطية، كما أن حضور الشباب في المجال العام يمثل حاجة حقيقية، وليس مجرد شعار.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق إعلان أي مرشح عن نفسه ليس: هل يحق لك أن تترشح؟ وإنما: ماذا ستقدم للناس إذا وصلت إلى البرلمان؟
هذه المسألة تستحق نقاشًا جديًا، خصوصًا في الحالة الفلسطينية التي تراكمت فيها أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، وأصبح المواطن بحاجة إلى ممثلين لا يكتفون بالحضور السياسي، وإنما يمتلكون رؤية واضحة وقدرة على تحويل احتياجات المجتمع إلى سياسات وتشريعات ورقابة فعلية.
البرلمان ليس موقعًا رمزيًا، وليس مجرد مقعد يمنح صاحبه حضورًا عامًا أو وجاهة سياسية. الوظيفة البرلمانية ترتبط بالتشريع، والرقابة على الحكومة، ومساءلة المسؤولين، ومناقشة السياسات العامة، والدفاع عن مصالح المواطنين وحقوقهم.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي أمام المرشحين، وخصوصًا الوجوه الشابة والجديدة، يجب أن يكون: ما الذي قدمتموه قبل أن تطلبوا من الناس تفويضكم؟
لا يعني ذلك أن المرشح يجب أن يكون صاحب تاريخ سياسي طويل، أو أن الشباب الجدد لا يملكون حق المنافسة. على العكس، تجديد النخب السياسية ضرورة، وفتح المجال أمام جيل جديد يمكن أن يكون فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية.
لكن التجديد لا يعني القفز فوق معايير الكفاءة والمسؤولية.
الشاب الذي يريد الوصول إلى البرلمان يحتاج إلى أن يقدم للناس أكثر من تعريف شخصي أو حضور على مواقع التواصل الاجتماعي. يحتاج إلى برنامج واضح، وأولويات محددة، وموقف من القضايا الأساسية التي تمس حياة الناس، ورؤية لكيفية معالجة الأزمات التي يعيشها المجتمع الفلسطيني.
وفي غزة تحديدًا، تبدو هذه المسألة أكثر إلحاحًا. فبعد سنوات الحرب والانقسام والحصار والدمار، لن تكون الأسئلة البرلمانية منفصلة عن واقع الناس: كيف ستتم عملية التعافي والإعمار؟ كيف ستُستعاد الخدمات الأساسية؟ كيف ستُحمى حقوق المواطنين؟ كيف ستتم مراقبة الأموال العامة والمساعدات؟ وما شكل العلاقة بين المؤسسات والمجتمع؟ وكيف يمكن إعادة بناء الثقة بالمؤسسات السياسية؟
هذه ليست أسئلة يمكن الإجابة عنها بالشعارات.
المرشح الجاد مطالب بأن يشرح للناس ماذا سيشرّع، وكيف سيراقب، وما الذي سيطالب بتغييره، وكيف سيحمل صوت دائرته الانتخابية إلى مؤسسة التشريع والرقابة.
كما أن الإنجاز المجتمعي يجب ألا يتحول إلى شرط إقصائي أمام المرشحين الجدد، لكنه يبقى مؤشرًا مهمًا على مدى ارتباط الشخص بقضايا مجتمعه. فمن الصعب إقناع الناس بأن شخصًا قادر على تمثيلهم في مؤسسة تشريعية ورقابية إذا لم يكن لديه أي تجربة سابقة في العمل العام أو خدمة المجتمع أو الدفاع عن قضاياه.
المشكلة ليست في أن يترشح الشباب؛ المشكلة في أن تتحول الانتخابات إلى مساحة لتجربة الحضور الشخصي بدل أن تكون منافسة على البرامج والرؤى.
نحن بحاجة إلى انتخابات تعيد الاعتبار للسياسة بوصفها مسؤولية، لا بوصفها فرصة للظهور. ونحتاج إلى مرشحين يعرفون أن الوصول إلى البرلمان ليس نهاية الطريق، وإنما بداية مرحلة أصعب من المساءلة أمام الناس.
وفي المقابل، تقع على الناخب مسؤولية لا تقل أهمية. فالمواطن لا ينبغي أن يسأل فقط: من أعرف؟ ومن يمثل منطقتي؟ ومن يمتلك حضورًا أكبر؟ بل عليه أن يسأل: ما البرنامج؟ ما الخبرة؟ ما الموقف من القضايا العامة؟ وما الذي يستطيع هذا المرشح أن يقدمه فعليًا؟
إن تجديد الحياة السياسية الفلسطينية لا يتحقق بمجرد تغيير الوجوه، وإنما بتغيير قواعد العلاقة بين المرشح والناخب. المرشح يقدم رؤية وبرنامجًا وسجلًا عامًا، والناخب يمنح صوته على أساس القدرة على التمثيل والمسؤولية.
الانتخابات ليست شهادة تقدير لأحد، وليست مكافأة على الحضور الاجتماعي، وإنما تفويض سياسي مؤقت من المواطنين لممارسة التشريع والرقابة باسمهم.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس إغلاق الباب أمام الشباب، بل فتحه على مصراعيه أمام الشباب الذين يمتلكون الرؤية والكفاءة والقدرة على العمل العام.
فالبرلمان القادم، أيًا كانت تركيبته، لن يكون بحاجة إلى مزيد من الأسماء بقدر حاجته إلى أشخاص يدركون حجم اللحظة الفلسطينية، ويحملون هموم الناس إلى داخل المؤسسة، ويعرفون أن ثقة الناخب ليست امتيازًا دائمًا، بل مسؤولية تبدأ يوم إعلان النتائج ولا تنتهي إلا بانتهاء التفويض.
نريد انتخابات تُنتج ممثلين للمجتمع، لا مجرد مرشحين للبرلمان.