بين نزع السلاح والبقاء السياسي: حماس أمام اختبار المصير!
د. منصور أبو كريّم
أمد/ تقف حركة حماس اليوم أمام واحدة من أكثر لحظاتها تعقيدًا منذ تأسيسها، في ظل تصاعد التهديدات الأمريكية بنزع سلاحها، وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية لإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني في قطاع غزة. وبينما يُطرح نزع السلاح كشرط مسبق لأي ترتيبات سياسية أو إنسانية مستقبلية، تصطدم هذه الطروحات بواقع فلسطيني شديد التعقيد، تتداخل فيه اعتبارات الصمود والمقاومة، مع استحقاقات الحكم، وإدارة المجتمع المنهك بالحرب والحصار. في هذا المفترق، تجد حماس نفسها مطالَبة بإعادة تعريف خياراتها، وحدود دورها، وعلاقتها بالنظام السياسي الفلسطيني، في معادلة لا تحتمل القرارات السهلة.
يأتي هذا التحدي بعد أن ربطت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدء عملية إعادة إعمار قطاع غزة بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية المسلحة، وفي مقدمتها حركة حماس، في خطوة تضع الحركة وحلفاءها أمام تحدٍ سياسي وأمني غير مسبوق. فبعد الدمار الهائل الذي لحق بالقطاع نتيجة حسابات سياسية وعسكرية خاسرة، تجد حماس نفسها مضطرة للتعامل مع واقع جديد يفرض عليها القبول بنزع سلاحها والتخلي عن السلطة، والانتقال إلى العمل السياسي بعد سنوات طويلة من تبني الكفاح المسلح كخيار استراتيجي.
ولم تكتفِ الإدارة الأميركية بربط الإعمار بنزع السلاح، بل منحت الحركة مهلة زمنية محددة تمتد لمئة يوم لتسليم سلاحها طواعية، مع التلويح بتداعيات قاسية في حال الرفض. هذا الشرط يعكس تحوّلًا جوهريًا في الموقف الأميركي، وتقاطعه مع الموقف الإسرائيلي، تجاه مستقبل حركة حماس ودورها في قطاع غزة.
في هذه المرحلة شديدة التعقيد، تبدو خيارات الحركة محدودة إلى حد كبير. فحماس باتت تدرك حجم الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه في السابع من أكتوبر، وما ترتب عليه من تغيّرات عميقة في البيئة الإقليمية والدولية، خصوصًا في النظرة الأميركية والإسرائيلية للحركة، التي لم تعد تُعامل كفاعل سياسي قابل للاحتواء، بل كعقبة أمام أي ترتيب مستقبلي في غزة.
انطلاقًا من ذلك، يُتوقع أن تتجه الحركة نحو التعاطي الإيجابي مع الطروحات الأميركية الأخيرة، سواء فيما يتعلق بالسلطة أو السلاح، في محاولة للتكيّف مع إكراهات الواقع الذي فُرض بالقوة بعد السابع من أكتوبر. ويبدو أن هذا التكيّف سيكون مرحليًا، يهدف إلى تجنّب الانهيار الكامل، والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك التنظيمي، بانتظار انتهاء ولاية ترامب وترقّب تحولات محتملة في المشهدين الإسرائيلي والدولي.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل حركة حماس وقطاع غزة. السيناريو الأول يتمثل في قبول الحركة بشروط نزع السلاح والخروج من السلطة، والدخول في مسار سياسي جديد تحت ضغط الإكراه الدولي، بما يفتح الباب أمام بدء عملية إعادة الإعمار وتشكيل ترتيبات إدارية وأمنية جديدة في القطاع. أما السيناريو الثاني، فيقوم على المماطلة وكسب الوقت، عبر تقديم تنازلات جزئية أو رمزية، بانتظار تغيّر في المشهد الأميركي أو الإسرائيلي، وهو خيار محفوف بالمخاطر وقد يطيل أمد المعاناة الإنسانية دون ضمانات حقيقية. بينما يتمثل السيناريو الثالث، وهو الأكثر كلفة، في رفض هذه الطروحات والدخول في مواجهة جديدة، وهو خيار يبدو مستبعدًا في ظل ميزان القوى الحالي وحجم الضغوط السياسية والإنسانية المفروضة على القطاع.
يبدو أن مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر قد أنهت فعليًا النموذج الذي حكم علاقة حماس بالسلطة والسلاح في غزة، وفتحت الباب أمام واقع سياسي جديد، تُفرض فيه الخيارات بالقوة لا بالمناورة. وبين منطق البقاء ومتطلبات التحول، ستجد الحركة نفسها أمام اختبار تاريخي قد يحدد مصيرها ودورها في القضية الفلسطينية لسنوات طويلة قادمة.
في المحصلة، تركّز حماس في هذه المرحلة على البقاء وتفادي العودة إلى مربع المواجهة المفتوحة، إدراكًا منها لخطورة الوضع الأمني والسياسي والإنساني في قطاع غزة، ولأن أي صدام جديد مع إسرائيل أو الإدارة الأميركية قد يحمل تداعيات يصعب احتواؤها، ليس على الحركة فحسب، بل على القطاع بأكمله.
