2026 نهاية البداية أم بداية النهاية؟

تابعنا على:   08:58 2026-01-19

نبيل فهمي

أمد/ تعددت وتشعبت التوترات والاضطرابات الدولية طوال 2025 ومع بداية 2026، ووصلت إلى مستويات فريدة وغير مسبوقة عدداً وتنوعاً، في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا وأميركا اللاتينية. روسيا تحارب وفي توتر مع أوكرانيا وبولندا وغيرهما من الحلفاء السابقين، والولايات المتحدة تعلن نيتها الاستيلاء على غرينلاند من حليفها الدنمارك، فيقوم عدد من أعضاء حلف الشمال الأطلنطي بإيفاد متخصصين عسكريين للتنويه بأنها ستقف ضد هذه الخطوة الأميركية، أوضاع لها انعكاسات على شكل النظام والاستقرار الدولي، والملفت في كثير من هذه الاضطرابات التوسع في اللجوء إلى القوة من دون مهادنة، والاستهتار التام والتجاهل لكل معايير وأسس النظام والقانون الدولي.

وأمام الاضطرابات الأخيرة، نشطت النقاشات حول أساس النظام العالمي ومدى استمراره، بين من يدفع أنه مبني فقط على القوة، إذ تسود مصالح الدول الكبرى والأقوياء، التي تفرض إرادتها بالقوة السياسية والعسكرية والاقتصادية، وآخرين يتمسكون بأن الممارسات تحكمها المعايير الدولية والقانون انطلاقاً من ميثاق الأمم المتحدة، وشمل ذلك الدول الكبرى والمؤسسة للنظام الدولي المعاصر، بخاصة مع بدء بوتين "العمليات العسكرية الخاصة" في أوكرانيا واختطاف ترمب مادورو من العاصمة الفنزويلية وقيام الولايات المتحدة بالانسحاب من أو وقف الدعم لكثير من المؤسسات والبرامج المتعددة الأطراف.

أصبحنا الآن في مفترق طرق، بين خيار غير مثالي إنما يحقق قدراً من الأمان، يشهد تعاوناً أو المنافسة غير السوية ونزاعات بين الدول في إطار قوانين وضوابط، أم نترنح على مشارف مرحلة غير منضبطة واستخدام مفرط للقوة لتحقيق أهداف آنية، تؤدي إلى تآكل القواعد والضوابط.

سعى العالم بعد الحرب العالمية الثانية إلى بناء نظام دولي يرتكز على المعايير والقوانين لتجنب تكرار الكوارث الكبرى والحروب العالمية، وأسست الأمم المتحدة عام 1945 لتعزيز السلام والتعاون، وصدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 كأساس للعدالة الدولية، كذلك شكلت اتفاقات جنيف قواعد الحروب، وأنشئت منظمات اقتصادية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتعزيز الاستقرار.

وكان الهدف خلق عالم يحكمه القانون لا القوة، إنما أظهرت الممارسات تعدد التجاوزات وأن مفاهيم فرض الأمور بالقوة ظلت سائدة، إذ قسمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي العالم إلى كتل، وتدخلا في شؤون الدول الأخرى للحفاظ على نفوذهما.

وعلى سبيل المثال وليس الحصر، دعمت الولايات المتحدة انقلابات في أميركا اللاتينية وغيرها متجاهلة مبادئ الديمقراطية، وأخيراً تبنى ترمب سياسة "أميركا أولاً"، وانسحبت الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ عام 2017، ومن الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، معتبرة أنها تضر بمصالحها الاقتصادية، كذلك نقلت السفارة الأميركية إلى القدس عام 2018، متجاهلاً قرارات الأمم المتحدة.

كذلك غزا الاتحاد السوفياتي أفغانستان عام 1979 لفرض هيمنته، وضم فلاديمير بوتين عام 2014 القرم إلى روسيا بعد استفتاء مثير للجدل، متجاهلاً معاهدة بودابست لعام 1994، ثم هاجمت روسيا أوكرانيا في حرب ممتدة حتى الآن.

وسبق كل ذلك طوفان الاستعمار الأوروبي عبر القارات والمحيطات، طامعاً في موارد وخيرات الغير، مستغلاً قدراتها وقواها. وتبني الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي على رغم قرار محكمة التحكيم الدائمة عام 2016 على أساس أنها تحمي حقوقها التاريخية، وتقف الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية تهدد بالتصدي للصين إذا فرضت سيطرتها على تايوان، على رغم أنهم يسعون إلى امتداد نفوذهم إلى آسيا، في حين يعارضون تنامي نفوذ الصين في الأميركتين وفقاً لنظرية مونرو، ويرفضون توغلها في صناعات حساسة في أوروبا.

في الشرق الأوسط، تعتمد إسرائيل على قوتها العسكرية للحفاظ على أراضٍ احتلتها، على رغم أن قرارات الأمم المتحدة، مثل القرار 242، تدعو إلى الانسحاب وتقرير مصير الفلسطينيين، وتستخدم الاعتقال والعنف والقتل والتهجير والتجويع على رغم مخالفة كل ذلك القوانين والشرعية، وتتمادى في عجرفتها عبر حدود وساحات عدة.

والنقاش حول القوة أم القانون ليس جديداً، ويعود إلى التاريخ السياسي الحديث، ولا أعتقد أنه سيحسم لصالح رأي على حساب الآخر في المستقبل القريب، كذلك لا أجدها خيارات حصرية أو متعارضة بصورة مطلقة، لأن القوة تشكل الواقع الجيوسياسي، وباعتبار أن المعايير والقواعد الدولية ضرورية وحتمية أيضاً، لتعدد المصالح والرؤى بين الدول والشعوب، من أجل توسيع الاتفاقات الدولية وتعددها وفي ضبط النزاعات والحد من الخسائر حتى بين الأطراف المتصارعة.

وتعكس محصلة تجارب التاريخ مع اختفاء الإمبراطوريات وظهور قوة جديدة والممارسات أن توازنات القوة غير ثابتة وتتغير على الدوام، والنظام العالمي ليس قائماً على الاختيار الحصري بين القوة والمبادئ، وعلى الكل التصرف بحكمة ورشد، ولا يختلف أحد على أن الأوضاع الحالية ليست مثالية بل تحتاج إلى مراجعة شاملة وجهد حقيقي للتقويم، بخاصة مع تجاوزات ومخالفات الأقوياء، التي طرحت تساؤلات جادة حول صدقية النظام القائم واحتمالات استمراره من عدمه.

ولا أنشغل بالجدل حول "ترجح القوة أو القانون" في تفسير آليات النظام الدولي، وإنما يقلقني أن ممارسات العالمية للدول القوية، وما نشهده في الشرق الأوسط، بخاصة وتوسعها في استخدام القوة، مؤشراً إلى أننا نندفع وبعنف نحو ترجيح المعادلات الصفرية(zero sum gaming) ، بتوجه متزايد نحو "الانفرادية الأحادية المصلحة"(unilateralism) ، على حساب" الجماعية والمصالح المتبادلة "(collective common good)، التي كانت تشكل نقطة ارتكاز النظام الدولي حتى الآونة الأخيرة، ونكون قد وصلنا إلى نهاية منظومة دولية غير مثالية إنما مستقرة إلى درجة كبيرة، خشية أن نقضي كلياً على ما أنجز، ونسقط في فخ بدء مرحلة فوضى اللانظام والهمجية، مع تآكل مفهوم التعددية والمصلحة الجماعية، وتحملنا جميعاً ثمناً غالياً لأخطاء جسيمة أعواماً طويلة.

وأذكّر الدول عامة والقوية بصورة خاصة بمقولة الفيلسوف الفرنسي فولتير "بأهمية تجنب جعل الحلول المثالية عدو الحلول والخيارات الجيدة"، وبتعبير عربي دارج "الطمع قل ما جمع".

عن اندبندنت عربية

اخر الأخبار