تاريخ النشر: 2026-10-11 | 06:26
تاريخ النشر: 2026-10-11 | 06:26
باع كتبه المدرسية واشترى «هارمونيكا» وراح يعزف عليها فوق تل «بوستلينبيرج» المطل على الضفاف الشمالية لنهر الدانوب راسما لوحة سماوية ساحرة على مدينة «لينز» أو «لينس» النمساوية التى ولد فيها يوم 3 مايو 1929.
لكن «إبراهام مندلر» لم يستمتع كثيرا بموسيقاه المعبرة عن نار القلب بعد أن دفن صفيرها تحت دوى دانات مدفعية «أودلف هتلر» الذى بدأ يلتهم أوروبا وكأنها قطعة «جاتو» شهية.
هاجر الفتى المراهق الخجول من شواطئه الأولى المفروشة بالعشب والطفولة وقواقع البحر إلى فلسطين، حيث نامت اسرته اليهودية فى أمان لم تشعر به طوال رحلة الهروب من النمسا عبر رومانيا قبل ان ترسو السفينة فى حيفا بعد أن رفضتها الموانى التى مرت عليها.
اتخذت الأسرة قرارها بالفرار فور أن ضمت ألمانيا النازية، النمسا إليها فى 12 مارس 1938 دون مقاومة وأصبح اسمها «أوستمارك» وفرضت على اليهود وضع نجمة داود على ملابسهم وبيوتهم وشركاتهم للتفرقة بينهم وبين البشر.
عاش «مندلر» على برتقال يافا وأكل من خبز الخليل، ونام على كتف الله فى القدس لكنه تنكر للرحابة والحماية والرعاية الفلسطينية وأعلن الحرب على أهلها.
بدأ «مندلر» خدمته الميدانية مبكرا فى منظمة «الهاجاناه» مقاتلا فى صفوفها وشارك فى العمليات العسكرية ضد القوات العربية فى حرب 1948 داخل أسوار القدس والمناطق المحيطة بها.
ما إن دمجت الفصائل اليهودية المسلحة بعد الحرب لتؤسس الجيش الإسرائيلي رسميا حتى أصبح «مندلر» ضابطا نظاميا فى سلاح المدرعات، لكن لم تكن له سيرة تذكر فى حرب 1956 إلا أنه فى حرب 1967 كان قد أصبح عميدا وتولى قيادة اللواء الثامن وساهمت تحركاته فى تطويق وحدات اللواء «سعد الدين الشاذلي» والفرقة الرابعة.
فى حرب الاستنزاف أشرف على تحصينات خط بارليف وتجهيز التشكيلات المدرعة فى سيناء وفى عام 1972 رقى إلى لواء وتولى قيادة الفرقة 252 مدرعة المعروفة بفرقة «سيناري» أو التشكيل المدرع الرئيسى للمنطقة الجنوبية.
عندما هبت عواصف النار فى حرب أكتوبر 1973 كان «مندلر» المسئول المباشر عند دفاعات خط القناة ضد عمليات العبور، لكن فرقته تلقت ضربات قاسية من الصواريخ المضادة للدبابات التى فى أيدى جنود المشاة المصريين. لكن المفاجأة المذهلة جاءت فيما بعد.
فى عدد شهر سبتمبر 1974 من «المجلة العسكرية للقوات المسلحة» رصدا لبطولات الرجال منهم المقاتل «مصطفى البحيري» الذى «تجلت فيه أبرز صفات رجل المدرعات مثل الجرأة والحسم لذا فقد كان دائما فى المقدمة، وكانت فصيلته أول فصيلة دبابات تعبر القناة مساء 6 أكتوبر إلى سيناء، وكان هو فى أول دبابة تعبر واندفع بجرأة إلى المواقع الأمامية ليساند لواء مشاة كان يتعرض لهجوم مضاد من دبابات العدو».
تكمل المجلة التى صدرت منذ 52 عاما: «كان العدو فى هذا القطاع يهاجم بقوة متفوقة وبكثافة عالية ورغم ان قوات المشاة استطاعت أن تدمر الكثير من دباباته بالأسلحة الفردية إلا أن العدو استطاع أن يخترق الخطوط بثلاث دبابات كانت هى أول ما اصطدم بها المقاتل «مصطفى البحيري» عند تبة السبعات (النقطة الاستراتيجية التى تقع على بعد 1.6 كيلومتر شرق القناة فى قطاع الجيش الثانى بالقرب من منطقة الإسماعيلية).
استطاع المقاتل ثابت الأعصاب “أن يدمرها وأن يعيد التوازن للموقع، وأجبر دبابات العدو على الانسحاب بعد أن تكبد خسائر» لم يتوقعها.
كانت فصيلة الدبابات المصرية «تعد نقطة فى مقدمة القوات التى استطاعت طوال يوم 7 أكتوبر صد جميع الهجمات المضادة لدبابات العدو وأن تدفع عناصرها المدرعة إلى احتلال نقطة قوية للعدو يوم 8 أكتوبر عند تبة الشجرة» التى كانت أحد أشهر مراكز القيادة الإسرائيلية الحصينة فى سيناء.
استطاع قائد الفصيلة الجريء «ان يحدد مركبة قيادة ــ ضمن عدد من دبابات العدو وعربات الصواريخ طراز «ٍس.س.11» ــ وبدأ يوحه ضربات ناحيتها بعد ان أحس بالغريزة أنها فى الأسبقية المطلقة ونجح فى تدميرها من الدانة الأولي». و«كان لتدميرها السحر فقد ارتبك العدو وبدأت دباباته وعربات صواريخه تتقهقر، ولكنها لم تفلت من جحيم الغضب الذى صبته عليها الدبابات المصرية التى دمرت 4 دبابات وعربة صواريخ وسقط الموقع بأسرع مما تصورته قيادة الفصيلة». لم يعرف أبطال الموقعة التى حدثت يوم 13 أكتوبر إلا مؤخرا أن مركبة القيادة التى دمروها كان بها الجنرال «إبراهام مندلر» الحصان الأسود فى سلاح المدرعات الإسرائيلية.
كان مفترضا أن يتقاعد من الخدمة قبل الحرب بأيام قليلة وعمره 44 عاما ليسافر هو زوجته «شولاميت جاكوبسون» وابنته «عيريت» وابنه «أهود» إلى مسقط رأسه فى «لينز» ليعزف على الـ «هارمونيكا» التى كان لا يزل يحتفظ بها بعد أن يسلم قيادة الفرقة إلى خلفه اللواء «كالمان ماجن» إلا أن اندلاع القتال ألغى إجراءات التسليم والتسلم وكان ما كان. هكذا سقطت أعلى رتبة عسكرية إسرائيلية فى حرب أكتوبر على الجبهة المصرية.
المؤكد أن أمة مثل مصر لو وضعت شيئا فى رأسها نفذته، لكن كثيرا من أهلها لا يعرفون ولا يثقون ولا يتحركون.
عن الأهرام