تاريخ النشر: 2026-09-25 | 17:22
تاريخ النشر: 2026-09-25 | 17:22
في الرابع والعشرين من سبتمبر 2026، وقف بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، محاولاً أن يقدم روايته للحرب على غزة، وللصراع مع إيران، ولما يسميه الدفاع عن أمن «إسرائيل». لكن المشهد الذي أحاط بخطابه كان أكثر دلالة من الخطاب نفسه؛ فقد غادرت عشرات الوفود قاعة الجمعية العامة مع بدء كلمته، وبقيت مقاعد كثيرة خالية، وسط صيحات استهجان وهتافات متبادلة واضطرار رئيس الجمعية العامة إلى الدعوة المتكررة إلى النظام.
وتشير تقارير متعددة إلى أن عدد الدول التي غاب ممثلوها أو غادروا القاعة بلغ نحو 77 دولة. وهنا تقتضي الدقة التمييز بين من غادر احتجاجاً بصورة مباشرة، وبين وفود لم تكن قد أخذت مقاعدها أصلاً في الجلسة؛ فليس صحيحاً، وفق المعطيات المتاحة، أن جميع الدول السبع والسبعين نفذت انسحاباً منظماً بالطريقة نفسها. كما أن دولاً أخرى بقيت في القاعة، بينها الإمارات والبحرين والمغرب، بينما عبّرت دول أوروبية، بينها فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، عن مواقف شديدة الانتقاد للسياسات الإسرائيلية من على منبر الأمم المتحدة، وهو ما ينبغي عدم الخلط بينه وبين الانسحاب من قاعة خطاب نتنياهو.
لكن، بعيداً عن تفاصيل من خرج ومن بقي، فإن الصورة السياسية العامة لا يمكن تجاهل دلالتها. فالأمم المتحدة، التي أنشئت لتكون إطاراً للحوار بين الدول، تحولت في تلك اللحظة إلى مرآة تعكس حجم التباعد الدولي عن الخطاب الذي حاول نتنياهو الدفاع من خلاله عن استمرار الحرب والسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية.
ولم يكن المشهد مجرد اعتراض على شخص نتنياهو، ولا مجرد احتجاج بروتوكولي على خطاب سياسي. فقد جاء في سياق دولي متراكم من الانتقادات للحرب في غزة، وللاستيطان، وللأوضاع الإنسانية الكارثية، وللاعتداءات المتواصلة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد سبقت خطاب نتنياهو مواقف دولية متعددة داخل الجمعية العامة انتقدت السياسات الإسرائيلية ودعت إلى وقف الحرب والتمسك بحل الدولتين.
واللافت أن نتنياهو نفسه بدا مدركاً لقوة المشهد الرمزي، فخاطب من بقي في القاعة بعبارات حادة، بل وصف من غادروا ومن كانوا يستعدون للمغادرة بأنهم «جبناء أخلاقياً»، قبل أن يواصل الدفاع عن سياساته والتأكيد أن «إسرائيل» ستواصل الدفاع عن نفسها.
غير أن السياسة الدولية لا تُقاس فقط بحدة الكلمات، وإنما أيضاً بمقدار القدرة على إقناع المجتمع الدولي بسلامة الموقف ومشروعيته. وهنا تبرز المفارقة: كلما حاول نتنياهو تقديم الحرب باعتبارها دفاعاً عن النفس، ازداد حضور القضية الفلسطينية في الخطاب الدولي باعتبارها قضية حقوق وطنية وسياسية وإنسانية لا يمكن تجاوزها.
لقد كان مؤتمر مدريد، ثم اتفاق أوسلو، ثم معاهدة وادي عربة، محطات في مسار كان يفترض أن يقود المنطقة نحو تسوية تاريخية تقوم على الاعتراف المتبادل والسلام. غير أن استمرار الاحتلال والاستيطان، وتوسيع السيطرة على الأرض الفلسطينية، والحرب المدمرة في قطاع غزة، كلها أعادت الصراع إلى نقطة أكثر تعقيداً، ودفعت قطاعات واسعة من المجتمع الدولي إلى إعادة التأكيد على أن السلام لا يمكن أن يقوم على إدارة الصراع إلى ما لا نهاية، بل على معالجة جذوره.
ومن هنا، فإن المشهد في الجمعية العامة ينبغي ألا يُقرأ باعتباره انتصاراً لطرف أو هزيمة لطرف آخر؛ فالقضية أعمق من ذلك. إنه مؤشر سياسي على اتساع الفجوة بين السياسات التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية الحالية وبين قطاعات واسعة من المجتمع الدولي، وعلى أن استمرار الوضع القائم لم يعد مقبولاً باعتباره بديلاً عن الحل السياسي.
كما أن الموقف الأوروبي المتقدم، ولا سيما من دول ذات وزن سياسي وتاريخي مثل فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، يستحق التوقف عنده؛ إذ إن اختلاف هذه الدول في الأسلوب والتوقيت والتفاصيل لا يلغي حقيقة أن القضية الفلسطينية عادت بقوة إلى مركز النقاش الدولي، وأن حل الدولتين بات يحظى بمساحة متزايدة من التأييد الدولي، مع التأكيد على ضرورة قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، ومعالجة قضية اللاجئين وفق القرارات الدولية ذات الصلة.
لقد أراد نتنياهو أن يخاطب العالم من منصة الأمم المتحدة، فإذا بالقاعة نفسها تحمل رسالة موازية: لم يعد ممكناً أن يستمر الاحتلال والحرب، ثم يُطلب من العالم أن يتعامل مع نتائجهما باعتبارها أمراً واقعاً دائماً.
إن المشهد الأهم ليس في عدد المقاعد التي خلت، ولا في عدد الوفود التي غادرت، وإنما في السؤال الذي بات أكثر إلحاحاً: إلى متى يمكن أن يستمر الصراع من دون حل سياسي عادل؟
فالطريق إلى الأمن والسلام في الشرق الأوسط لا يمر عبر المزيد من الحروب، ولا عبر تكريس الاحتلال والاستيطان، وإنما عبر إنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية المشروعة، وإقامة دولته المستقلة، وفتح الطريق أمام تسوية إقليمية شاملة تضمن الأمن والكرامة والسلام لجميع شعوب المنطقة.
وفي ذلك، كانت قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الرابع والعشرين من سبتمبر، أبلغ من كثير من الخطب.