تاريخ النشر: 2026-10-08 | 23:00
تاريخ النشر: 2026-10-08 | 23:00
واشنطن: ثار التقرير الذي نشره موقع «Drop Site News» في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026 اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما كشف عن تقييم استخباري سري أعدته وحدة «الخلية الحمراء» (Red Cell) التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، تحت عنوان «الانكسار من الداخل» (Fracture From Within). وبحسب مصدرين أمريكيين نقل عنهما الموقع، يبحث التقييم احتمال تحول الانقسامات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في إسرائيل إلى «صراع مدني» أو أزمة قد تصل إلى تفكك الدولة.
وسرعان ما جرى تداول الخبر إعلامياً بصيغ حاسمة وجازمة من قبيل: «CIA تحذر من حرب أهلية في إسرائيل» أو «الاستخبارات الأمريكية تتوقع انهيار إسرائيل». إلا أن قراءة هادئة وموضوعية للمستندات والأدبيات الاستخبارية المتاحة تُظهر أن هذه الصياغات تنطوي على خلط منهجي وتضليل جزئي؛ إذ توجد فجوة جوهرية في العمل الاستخباري بين «التنبؤ والتقدير الرسمي» وبين «محاكاة السيناريوهات القصوى واستكشاف المخاطر».
تستند الرواية المنشورة حتى اللحظة إلى مصدرين أمريكيين قالا إنهما اطلعت على محتوى التقييم دون نشر نسخة أصلية من الوثيقة السرية، أو كشف رقمها الأرشيفي، أو إيراد نصوص مباشرة يمكن فحصها وتحليلها برمجياً أو وثائقياً. كما لم تُصدر وكالة الاستخبارات المركزية أي تأكيد أو نفي علني لوجود التقرير أو مضمونه، حيث تشير التغطيات الصحفية إلى أن الوكالة امتنعت عن التعليق.
لكن بمعزل عن صحة تسريب التقرير من عدمه، فإن الفهم الدقيق لطبيعة وحدة «Red Cell» وآلية عملها يحسم المسألة: وجود سيناريو «الصراع المدني» داخل وثيقة للخلية لا يعني إطلاقاً أن الـ CIA خلصت إلى تقييم حتمي بأن إسرائيل تتجه نحو الحرب الأهلية.
«الخلية الحمراء» ليست مسمى صحفياً أو مجازياً، بل هي وحدة تحليلية حقيقية وموثقة تنظيميًا داخل الـ CIA. أنشأها مدير الاستخبارات المركزية الأسبق جورج تينيت في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، بهدف معالجة معضلة استخبارية هامة: هيمنة الافتراضات السائدة (Dominant Assumptions) ووقوع مؤسسات التحليل في أسر «التفكير الجماعي» (Groupthink).
تُعرّف الوكالة في أدبياتها الرسمية وموادها التعليمية وظيفة محللي «Red Cell» بأنها تقتضي «التفكير خارج الأطر التقليدية» (Out-of-the-box thinking)، وتكليفهم بتحدي الافتراضات المستقرة وتقديم وجهات نظر بديلة. وبحسب دراسة تاريخية نشرها مركز الدراسات الاستخبارية التابع للوكالة، بدأت الخلية كفريق صغير يركز على التهديدات الإرهابية، قبل أن يتوسع نطاق عملها ليشمل مختلف القضايا الإقليمية والوظيفية.
وقد حسمت الوثائق الأصلية المفرج عنها أرشيفياً طبيعة المخرجات الصادرة عن هذه الخلية؛ ففي مذكرة استخبارية مؤرخة في 22 يناير/كانون الثاني 2003 بعنوان «Saddam's Eleventh Hour Options»، وأخرى صادرة في أبريل/نيسان 2003، نصت الوكالة بوضوح على أن تقارير ومذكرات «Red Cell» تُنتج أساساً بهدف إثارة التفكير وتحفيز النقاش، وليس لتقديم «تقدير سلطوي نهائي» (Authoritative Assessment)، خلافاً للتقارير الرسمية المعتمدة التي تبني توقعاتها على الترجيحات الرئيسية والفرضيات المستقرة.
وفقاً للرواية المنشورة، أُعد التقييم المنسوب للخلية في أغسطس/آب 2026 تحت عنوان «الانكسار من الداخل»، متناولاً كيفية تفاعل واجتماع ستة عوامل ضاغطة ومؤثرة داخل البيئة الإسرائيلية:
الضغط الاقتصادي: ارتفاع النفقات العسكرية المتزايدة، وتداعيات حرب الاستنزاف الطويلة، وتفاقم غلاء المعيشة.
أزمة التجنيد: الانقسام الحاد حول إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية في ظل إرهاق قوات الاحتياط.
التأثير المجتمعي للقتال: الآثار النفسية والاجتماعية الناجمة عن عودة أعداد كبيرة من الجنود والاحتياط للحياة المدنية بعد فترات قتال طويلة.
الاستقطاب السياسي والدستوري: الصراع على السلطة ومستقبل حكومة بنيامين نتنياهو، والانقسام المحيط بانتخابات 27 أكتوبر 2026.
العنف الميداني بالضفة الغربية: تصاعد العنف المرتبط بالمستوطنين وتأثيره الداخلي والإقليمي.
تراجع البيئة الدولية: احتمال تراجع الدعم الدولي وما يترتب عليه من عزلة وضغوط مضاعفة.
تكمن المحاكاة التحليلية للتقرير في اختبار «النقطة الحرجة»؛ فالأهم ليس الرصد المنفصل للأزمات – إذ إنها معطيات معروفة في المصادر المفتوحة – وإنما محاكاة كيفية تفاعلها مجتمعة عند نقطة زمنية واحدة. فحسب التسريبات، اختبر التقرير سيناريو تتحول فيه الأزمات المتراكمة إلى صراع مدني واسع (Civil Conflict) إثر وقوع «شرارة» أو حدث مفاجئ ينتقل بالأزمة من الأطر السياسية والمؤسسية إلى التصادم المباشر في الشارع. وهنا مجدداً: البحث عن آلية الانهيار المحتملة لا يعني بالضرورة صدور نبوءة بوقوعها.
في أدبيات العمل الاستخباري، يُقاس نجاح تحليل السيناريوهات بوضع مؤشرات إنذار مبكر (Signposts) تُتيح للمحلل وصانع القرار مراقبة الميدان وتحديد ما إذا كان أحد السيناريوهات البديلة قد بدأ يتحقق فعلياً. ولتحويل هذا الملف من السجال الصحفي إلى أداة قياس استخبارية، يتطلب التحليل مراقبة المؤشرات العملية التالية:
المؤشرات الأمنية والعسكرية: ظهور انشقاقات أو حالات عصيان ورفض أوامر داخل الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية، وتراجع ولاء قطاعات منها للقيادة السياسية، أو نشوء تشكيلات مسلحة تعمل خارج التسلسل الهرمي للدولة.
المؤشرات المجتمعية والميدانية: تحول الخلاف حول التجنيد إلى مواجهات واسعة ومنظمة، وتكرار حوادث العنف بين مجموعات أيديولوجية أو اجتماعية، وانتقال أعمال العنف من أحداث متفرقة إلى نمط متكرر ومنظم.
المؤشرات السياسية والدستورية: شلل قدرة الحكومة على فرض القرارات والمناطق السيادية، مع تحول الخلافات إلى أزمة دستورية غير قابلة للاحتواء المؤسسي.
المؤشرات الاقتصادية: تسارع هروب رؤوس الأموال والشركات والكوادر التكنولوجية والعلمية العالية المهارة، إلى جانب تدهور بنيوي متواصل في مؤشرات الاستثمار والائتمان.