تاريخ النشر: 2026-09-29 | 15:53
تاريخ النشر: 2026-09-29 | 15:53
في خمسينيات القرن الماضي لم يكن المثقف الفلسطيني ينتظر دعوة من أحد كي يؤدي دوره، ولم تكن الثقافة نشاطاً هامشياً على هامش السياسة. كان الكاتب والشاعر والصحفي والمؤرخ والفنان جزءاً من معركة الحفاظ على الوجود والهوية والذاكرة، وكان القلم في كثير من الأحيان إحدى أدوات المقاومة الوطنية.
أما اليوم، وبعد عقود من النضال السياسي والثقافي، يفرض السؤال نفسه بقوة: أين ذهب المثقفون؟ أين صوت الفكر؟ ولماذا تراجع حضورهم من الصفوف الأولى إلى الصفوف الخلفية في المشهد السياسي والمجتمعي؟؟؟؟
المقارنة بين الماضي والحاضر لا تعني أن الماضي كان مثالياً أو أن الحاضر خلا من المثقفين الفاعلين؛ لكنها تكشف تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقة بين الثقافة والسياسة والمجتمع.
من الخمسينيات بدأت الحكاية ؟؟؟
بعد النكبة، كانت مهمة المثقف الفلسطيني تتجاوز الإبداع إلى الدفاع عن الوجود والهوية. كتاب وشعراء ومفكرون مثل إميل حبيبي وحنّا أبو حنّا وتوفيق طوبي وصليبا خميس وجبرا نقولا استخدموا الأدب والعمل السياسي والإعلامي في مواجهة محاولات محو الهوية الفلسطينية. وفي أواخر الخمسينيات برز راشد حسين وسميح القاسم وتوفيق زياد، ثم محمود درويش، وأصبحت القصيدة وسيلة لتثبيت الهوية وإعادة بناء الوعي الجمعي.؟؟؟؟
كان المثقف آنذاك قريباً من الناس، يخاطبهم في الساحات والمنابر والصحف، ويحوّل الكلمة إلى جزء من الحراك الوطني.
الستينيات: الثقافة تتحول إلى مشروع وطني
مع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، بدأت تتبلور مظلة وطنية جامعة أسهمت في ربط الجغرافيا الفلسطينية المتشظية ثقافياً ونفسياً. وتأسست مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 1963، في إطار الاهتمام بحفظ الذاكرة والرواية الفلسطينية. وبعد هزيمة 1967 وصعود حركة المقاومة، ازدادت العلاقة بين الثقافة والفعل الوطني وضوحاً، وأصبحت القصيدة والرواية والفن أدوات لتشكيل الوعي العام.
لم يكن المثقف مجرد مراقب للحدث؛ كان في كثير من الحالات جزءاً من صناعة الرواية الوطنية نفسها.
السبعينيات: الجامعة والنقابة والفن في قلب الحراك
شهد عقد السبعينيات تأسيس أبرز الجامعات الفلسطينية، وتحولت المنظمات الطلابية والجماهيرية والنقابية إلى ساحات نشطة للعمل الوطني والثقافي. كما استُخدم الفن والمسرح والفنون الشعبية في تثبيت الهوية وتعزيز الصمود، ومن الأمثلة تأسيس فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية عام 1979. ، نعم كان المثقف حاضراً في الجامعة، والنقابة، والصحيفة، والمسرح، والشارع؛ ولذلك لم تكن الثقافة منفصلة عن المجتمع.
الثمانينيات والانتفاضة: المثقف في قلب المواجهة المجتمعية
وفي الثمانينيات، ومع تصاعد العمل الشعبي الذي مهّد للانتفاضة الأولى، بقيت الثقافة جزءاً من النسيج الوطني والاجتماعي. وعندما اندلعت الانتفاضة الأولى، أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام العربي والدولي بقوة، وأسهمت الثقافة في التعبير عن المجتمع وصموده وهويته. ؟؟ ثم ماذا حدث؟ هنا تبدأ المقارنة الصعبة. ، لماذا أصبح المثقف اليوم أقل حضوراً في النقاش السياسي العام؟ أو الاصح لماذا اصبح مهمشا ومغيبا
هناك عوامل متعددة يمكن مناقشتها: تغير بنية المجتمع السياسي، صعود الحسابات التنظيمية والفئوية، تحول الإعلام من المنابر الفكرية إلى فضاء سريع تهيمن عليه اللحظة والانفعال، تراجع المؤسسات الثقافية المستقلة، وتراجع مساحة النقاش الفكري العميق لصالح الخطاب السياسي والإعلامي السريع.
كما أن بعض المثقفين والأكاديميين أصبحوا أكثر ارتباطاً بالوظيفة والموقع والمؤسسة، بينما ابتعد آخرون عن المجال العام خشية الاصطدام أو التهميش. ولا يعني ذلك أن الجميع خضع لهذا المسار، لكنه يفسر جزءاً من ظاهرة الانحسار التي تستحق البحث والنقاش.
المشكلة إذن ليست في اختفاء المثقف تماماً، بل في تراجع تأثيره في صناعة النقاش العام وصناعة القرار.
لقد كانت الأجيال السابقة تدرك أن الاحتلال يستهدف الأرض والإنسان والذاكرة معاً، ولذلك حمل المثقف مسؤولية الدفاع عن الرواية والهوية. أما اليوم، فإن فلسطين تواجه تحديات الاحتلال والانقسام والاستقطاب والفقر وتراجع الثقة بالمؤسسات، وهي تحديات تحتاج إلى المثقف أكثر مما تحتاج إلى صمته.
إننا بحاجة إلى استعادة المثقف إلى موقعه الطبيعي: ليس موظفاً لدى السلطة، ولا ناطقاً باسم المعارضة، ولا تابعاً لتنظيم، بل صاحب موقف مستقل، وضمير نقدي، وشريك في بناء الوعي الوطني.
فالمطلوب ليس إعادة إنتاج مثقفي الماضي، وإنما استعادة روح الدور الذي أدوه. ؟؟؟ والمطلوب من الجامعات والمراكز البحثية والنقابات والمؤسسات الثقافية أن تفتح المجال أمام الفكر الحر والحوار المسؤول، وأن يصبح الاختصاص والخبرة جزءاً من صناعة القرار الوطني.
ونختم بالقول : من أخرج المثقف من المشهد؟؟؟؟ السؤال لم يعد: أين المثقف الفلسطيني؟
بل: من أخرج المثقف من دائرة التأثير؟ وهل قبل المثقف نفسه بأن ينتقل من الصفوف الأولى إلى الصفوف الخلفية؟ حين كان الوطن مهدداً بالمحو، كان المثقف في المقدمة. وحين كانت الهوية مهددة، كان القلم حاضراً. وحين كان الشعب يبحث عن صوته، كانت القصيدة والرواية والصحيفة والمسرح والجامعة منابر لذلك الصوت. ؟؟ أما اليوم، فلا يجوز أن يتحول المثقف إلى متفرج على المشهد.
فالوطن الذي يفقد مثقفيه لا يفقد أصواتاً فقط؛ بل يفقد جزءاً من قدرته على التفكير في مستقبله. ؟؟؟ لقد آن الأوان لاستعادة الثقافة الفلسطينية من الهامش إلى المركز، وإعادة المثقف إلى موقعه الطبيعي في الصف الوطني الأول؛ ناقداً بلا تشهير، مستقلاً بلا عزلة، وطنياً بلا فئوية، وشجاعاً في قول الحقيقة دون تملق أو خوف.
فإذا كان الاحتلال يحاول السيطرة على الأرض، فإن معركة الوعي لا تقل خطورة عن معركة الأرض. وفي هذه المعركة تحديداً، لا يجوز للمثقف أن يكون في الصفوف الخلفية.