مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

غزة عالقة وسط الركام ووهم خطة السلام

غزة عالقة وسط الركام ووهم خطة السلام

تاريخ النشر: 2026-09-26 | 10:15

مصطفى إبراهيم
مصطفى إبراهيم

خطة إعادة إعمار غزة عالقة بين كارثة إنسانية تتفاقم وشروط إسرائيلية تتجاوز مسألة نزع سلاح حماس. وبينما تريد إدارة ترامب الانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب، تسعى إسرائيل إلى فرض شكل هذه المرحلة بما يحقق أهدافاً سياسية وأمنية وديموغرافية تتجاوز مجرد وقف الحرب.

على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أعلن "مجلس السلام"، الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خطة لتمويل 66 مشروعاً في غزة، بإجمالي 2.45 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى. غير أن هذه الأرقام تبدو معزولة تماماً عن واقع القطاع الذي يستعد لشتائه الرابع وسط دمار شامل، حيث يعيش مئات آلاف الفلسطينيين في خيام ممزقة ومتهالكة أو مبان آيلة للسقوط، ويواجهون البرد والأمطار والقوارض في ظل نقص حاد في المأوى والمساعدات. ولا تقف الأزمة عند حدود السكن، بل تتعداها إلى قفزات كبيرة في أسعار الإيجارات، وتآكل المساحات المتاحة للعيش مع توسيع مناطق السيطرة الإسرائيلية داخل القطاع.

ورغم تعهد الدول المشاركة بتقديم 17 مليار دولار، منها 10 مليارات تعهد بها ترامب، فإن ما حُوّل فعلياً لم يتجاوز 300 مليون دولار. وفي المقابل، تشير تقديرات البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى حاجة القطاع لنحو 71.4 مليار دولار لإعادة الإعمار خلال عقد، منها 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الـ18 الأولى فقط.

وهكذا، لا يتوقف المأزق عند حجم التمويل المعلن، بل يتعداه إلى مواعيد وصوله، وآليات إدارته، والقدرة على صرفه ميدانياً. حتى الآلية المالية تثير علامات استفهام، مع بقاء صندوق البنك الدولي المخصص للتبرعات فارغاً، مقابل فتح "مجلس السلام" حساباً خاصاً في بنك "جي بي مورغان".

لكن المال ليس العقبة الوحيدة؛ فقوة الاستقرار الدولية لم تتشكل بعد، فيما تواجه قوة الشرطة الفلسطينية المفترض أن تعمل معها معضلة أكثر مباشرة. وبحسب المعطيات، اجتاز نحو 5 آلاف شرطي فلسطيني المرحلة الأولى من التدقيق، وكان يفترض تدريبهم في مصر، غير أن إسرائيل تمنع خروجهم من القطاع.

ولا ينفصل هذا التعطيل عن الترتيبات السياسية الأوسع التي يحاول ترامب إنجازها في المنطقة والقضية الفلسطينية. فإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية وإدارة القطاع تجري وسط تقاطعات معقدة مع الخلافات الفلسطينية الداخلية حول شكل النظام السياسي، ودور السلطة، وإعادة بناء مؤسساتها، والاستعداد للانتخابات. ومن ثم، يتجاوز التأخير في تشكيل القوة الأمنية البعد اللوجستي ليصبح جزءاً من عملية سياسية مفتوحة لم تُحسم بعد.

في الوقت نفسه، تشترط إسرائيل نزع سلاح حماس قبل بدء إعادة الإعمار، وهنا تتكشف إحدى حلقات التعطيل: فالإعمار يتطلب رفع عشرات ملايين الأطنان من الأنقاض، والتعامل مع الذخائر غير المنفجرة، وإدخال مواد البناء، وإعادة تشغيل البنية التحتية، وإنشاء جهاز شرطة وإدارة مدنية. وكلها خطوات مرهونة بترتيبات سياسية وأمنية تصر إسرائيل على الاحتفاظ باليد العليا فيها.

وتظهر معضلة أخرى في موقف "مجلس السلام" والشكوك حول دور المنظمات الدولية، وخاصة الأونروا. فبينما لا تدرج الخطة الوكالة ضمن ترتيباتها المعلنة لغزة، وتقول قيادة المجلس إنه "لا مكان للأونروا في غزة الجديدة"، تكشف معلومات حديثة عن اجتماعات جرت خلف الكواليس بين المجلس والوكالة، وعن حاجة اللجنة الفلسطينية المفترضة لإدارة غزة إلى خبرتها وبرامجها. ويكشف هذا التناقض أن الصراع لا يدور فقط حول إعادة الإعمار، بل أيضاً حول المؤسسات التي ستدير الحياة اليومية في غزة ومن يحدد دورها بعد الحرب. وهذا الاستبعاد ليس إدارياً فقط، بل يحمل دلالة سياسية تمس قضية اللاجئين وحقوقهم، وتفتح الباب أمام محاولة إعادة تعريف مكانتهم في غزة ومستقبل قضيتهم.

المشكلة الأساسية أن إعادة الإعمار تتم داخل شروط الحرب وأهدافها الإسرائيلية؛ إذ تسعى إسرائيل إلى القضاء على حماس كقوة عسكرية وحاكمة، ومنع عودتها إلى إدارة القطاع، وفرض معادلة تضمن لها حرية التدخل، مع استمرار مسؤولين إسرائيليين في طرح أفكار "الهجرة" وتفريغ القطاع.

وترتبط هذه الأهداف مباشرة بصورة غزة المقبلة: من يحكمها، ومن يسيطر على أمنها، وما علاقتها بالضفة الغربية، وما حدود الوجود والتدخل الإسرائيلي فيها. ومن هنا يتجاوز السؤال كيفية الإعمار إلى: أي غزة ستُبنى؟ وتحت أي سلطة؟ وبأي شروط أمنية وسياسية؟

لا تفتقر واشنطن إلى أدوات الضغط على نتنياهو، بل يكمن السؤال في مدى رغبتها في استخدامها، وما إذا كانت تسعى بالفعل إلى تغيير شروط المرحلة، أم تكتفي بإدارة نتائج الحرب وتثبيتها. فإذا ظل الإعمار رهيناً بنزع السلاح، وإعادة تشكيل النظام السياسي والأمني، وتأمين حرية أمنية لإسرائيل، فإن إعادة البناء قد تتحول من مدخل للخروج من الحرب إلى أداة لإدارة نتائجها وتثبيتها.

وهنا يتبدى التناقض الأكبر: رغبة إسرائيل في الاحتفاظ بالسيطرة الأمنية وحرية التدخل، مع تجنب تحمل التبعات السياسية والقانونية والإدارية المترتبة على الاحتلال؛ أي سيطرة أمنية بلا مسؤولية مدنية.

وفي هذا السياق، قد تصبح إعادة الإعمار أداة لإعادة تشكيل غزة سياسياً وديموغرافياً: إضعاف حماس، وتغيير نظام الحكم، وفصل القطاع عملياً عن الضفة الغربية، وخلق واقع أمني جديد يظل مفتوحاً أمام التدخل الإسرائيلي.

غير أن الأزمة لا تقف عند الشروط الإسرائيلية؛ فمصداقية "مجلس السلام" نفسه على المحك، في ظل هياكله غير المكتملة، وبطء التمويل، وغياب الخطوات الحازمة للضغط على تل أبيب. والأهم أن واشنطن لا تبدو، حتى الآن، في مواجهة حقيقية مع الأهداف الإسرائيلية، بل يظهر قدر واسع من التقاطع بين الطرفين حول مستقبل غزة وحماس والترتيبات القادمة.

من هنا، لا يكمن مأزق غزة في شح الأموال أو ضعف الخطط، ولا في عجز "مجلس السلام" فحسب، بل في كون الإعمار يُدار داخل صراع محتدم على شكل القطاع السياسي والأمني والديموغرافي، وضمن خطة تفتقر إلى مقومات التنفيذ المستقل عن شروط الاحتلال.

وهكذا يتجلى "وهم خطة السلام": ليس لغياب الأموال أو المشاريع، بل لافتقار الخطة إلى المصداقية السياسية والقدرة على تغيير الواقع. والسؤال الجوهري الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن مليارات الإعمار: هل ستُستخدم هذه الأموال لإخراج غزة من الحرب، أم لإدارة نتائجها وتطويعها بما يخدم الأهداف الإسرائيلية؟ إذا كانت الإجابة الثانية هي ما يرتسم على الأرض، فإن غزة قد تُبنى من جديد، لكن ضمن واقع سياسي وأمني لم يختره الفلسطينيون.

×
أخبار
"عقدة ماكبث".. دعوى رئيس الشاباك السابق تكشف أزمة ارتياب نتنياهو وانهيار التواصل مع قادة الجيش حرب نتنياهو ضد أوباما تقصف قبر رابين..وتحيي واي ريفر! خريطة العقوبات المفروضة على إسرائيل: 121 إجراءً تقييديا في 62 دولة الفيتو يصدم مرشحي منصب الأمين العام للأمم المتحدة..وغرينسبان في المقدمة الحرس الثوري: ناقلة انفجرت بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز- فيديو ترامب يرفع بعض العقوبات والقيود والرسوم المفروضة على روسيا: قانون غراهام سوريا.. سماع دوي انفجارات في غرب دمشق اليونيسف: قوات الاحتلال قتلت أكثر من 340 طفلا في غزة منذ أكتوبر الماضي التحول الهيكلي في الحزب الديمقراطي يتجاوز نتنياهو ليطال العلاقة مع إسرائيل صحفية “واشنطن بوست” تروي تفاصيل اعتداء المستوطنين عليها في رام الله محافظ سلطة النقد: إعادة إعمار غزة يجب أن تقودها المؤسسات الفلسطينية بوتين يؤكد ضرورة استمرار الضربات ضد المجمع الصناعي العسكري الأوكراني الشاباك يصادق على 3 آلاف عامل من غزة لبناء "رفح الخضراء" حملة ضد سارة هيلم زوجة مستشار الأمن القومي البريطاني بسبب فلسطين نتنياهو يرد على تصريحات أوباما": لسنا مستعمرين كما الهولنديين استطلاع: اتساع ظاهرة الرقابة الذاتية حول حرب غزة والانتقادات لإسرائيل في الخطاب العام الأمريكي تحقيق جنائي في روما يطال كبار القادة الإسرائيليين بتهم "الاختطاف والتعذيب" "نيويورك تايمز": الصراع بين العلمانية والثيوقراطية يضع مستقبل الهوية الإسرائيلية أمام خيار حاسم تحذير أمريكي رفيع من "أخطر تحالف منذ 1945".. صواريخ الحوثيين المتقدمة تضع الشرق الأوسط بمرمى النيران مصر تستدعي القائم بالأعمال الكولومبي في القاهرة للاحتجاج على افتتاح بلاده سفارتها في القدس المحتلة تقرير: «مفارقة الثروة» تحدّ من الفاعلية العسكرية للجيوش الخليجية أمام إيران وثيقة مكتب نتنياهو تكشف مسؤولية الحكومة عن كارثة 7 أكتوبر وتفند روايته الرسمية استشهاد مواطن برصاص جيش الاحتلال شمال قطاع غزة ليبرمان يهاجم آيزنكوت ويفكك مساعيه للتحالف مع نتنياهو.. ودعم أميركي ودولي لحكومة إسرائيلية موسعة غزة: معدلات سوء التغذية والتجويع بلغت مستويات كارثية والأطفال وكبار السن الأشد تأثرا رئيس وزراء قطر في لبنان: اتفقنا على وضع إطار شامل للتعاون في مجال الطاقة تقرير: رسائل مسرّبة تكشف صلات رئيس الاستخبارات الألمانية الأسبق بالرئيس الأسبق للموساد إعادة التفكير في العلاقات الدفاعية.. إسرائيل تتطلع للتحول من التبعية إلى الشراكة مع أمريكا بعد حديثه عن الحق التاريخي الفلسطيني..ج.بوست تصف أوباما بـ "مُفرّخ معاداة السامية" وزراء خارجية 19 دولة يدينون افتتاح سفارة كولومبيا في القدس: باطل

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط