مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

عبث المراسيم.. عندما تُدار الدولة بمزاجية (العزبة)

عبث المراسيم.. عندما تُدار الدولة بمزاجية (العزبة)

تاريخ النشر: 2026-10-16 | 15:01

نسرين موسى
نسرين موسى

في الوقت الذي يخوض فيه الشعب الفلسطيني مرحلة هي الأخطر في تاريخه الحديث، وتتحدد فيها ملامح مستقبله الوطني والسياسي، تبرز تساؤلات جدية حول طريقة إدارة السلطة الوطنية الفلسطينية لمؤسساتها، ومدى التزامها بمبادئ سيادة القانون والعمل المؤسسي.

فالمراسيم الرئاسية، التي يُفترض أن تصدر لخدمة المصلحة العامة وتنظيم شؤون الدولة، لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية والشخصية، أو أن تحل إرادة الأفراد فيها محل الإجراءات القانونية والضوابط الإدارية، في ظل استمرار حرمان الشعب من حقه في اختيار قيادته عبر صندوق الاقتراع.

وتتجلى هذه الإشكالية في قضية القيادي والإعلامي منير جاغوب، الذي صدر بشأنه، وفق المعلومات المتداولة في القضية، مرسوم رئاسي بتاريخ 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026، يقضي بنقله من كادر وزارة الخارجية والمغتربين إلى مرتبات المديرية العامة للشرطة برتبة مقدم.

وتبع ذلك، بحسب ما ورد، تبليغه بمذكرة شفهية رسمية من الإدارة العامة للشؤون الإدارية والمالية والأفراد في وزارة الخارجية، بتاريخ 15 تشرين الأول/أكتوبر، ببدء تنفيذ القرار.

وقد نشر جاغوب صورة القرار على صفحته في موقع فيسبوك، قبل أن يحذف المنشور لاحقًا، موضحًا، بحسب ما نُقل عنه، أن ذلك جاء بناءً على نصيحة شخص مقرّب منه.

ولا تكمن الإشكالية في النقل الوظيفي بحد ذاته، إذ تخضع عمليات النقل بين المؤسسات والجهات الرسمية للقوانين والأنظمة ذات الصلة، وإنما في مدى استيفاء القرار للإجراءات القانونية والإدارية الواجبة، ووضوح أسبابه ومبرراته.

فإذا صح أن القرار صدر دون إبلاغ المعني بأسبابه، ودون إجراء مراجعة إدارية أو تحقيق في الوقائع التي استدعت اتخاذه، فإن ذلك يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى احترام الضمانات الوظيفية ومبدأ الشفافية، ويستدعي توضيحًا رسميًا يضع حدًا للتأويلات المتداولة.

وتزداد هذه التساؤلات أهمية في ضوء ما يُقال عن تعرض جاغوب سابقًا للاحتجاز مدة 22 يومًا، على خلفية خلافات مع أطراف نافذة، قبل أن تنتهي تلك المرحلة بانتقاله من الشرطة إلى وزارة الخارجية. واليوم، يعود اسمه إلى الواجهة بقرار ينقله مجددًا إلى مرتبات الشرطة، في مشهد يثير تساؤلًا جوهريًا: هل تُدار شؤون الكوادر العامة وفق قواعد مؤسسية مستقرة، أم تتأثر بتبدل العلاقات والخلافات داخل دوائر النفوذ؟

متى يرضون عن الفرد يرفعونه إلى عنان السماء، ومتى تتعارض الآراء وتتبدل المصالح يهوون به إلى سابع أرض؟

وتزداد الصورة تعقيدًا إذا ما قورنت هذه الإجراءات بما نُقل عن إشادات سابقة بأداء جاغوب الإعلامي والمهني، قيل إنها صدرت عن الرئيس محمود عباس، ووصلت إليه عبر اتصالات من قيادات، من بينهم اللواء ماجد فرج وحسين الشيخ وحسين حسين، فضلًا عن إشادة نُسبت إلى رئيس الوزراء الدكتور محمد مصطفى.

وإذا صحت هذه الروايات، فإنها تفتح باب التساؤل عن المعايير التي تحكم تقييم الكوادر العامة، وعن أسباب التباين بين الإشادة بالأداء من جهة، والقرارات الوظيفية اللاحقة من جهة أخرى.

كما تتضمن القضية روايات عن استبعاده من عضوية المؤتمر الثامن لحركة فتح، وتلقيه تهديدات عبر تطبيق واتساب منسوبة إلى وكيل وزارة، قيل إنها رُفعت إلى رئاسة الاستخبارات العسكرية للاطلاع عليها.

وهي وقائع تستدعي التحقق منها، والنظر فيها من خلال الجهات المختصة، بدل تركها مادة للتجاذب السياسي أو الاكتفاء بتبادل الاتهامات. فالمطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة على النيات، بل ضمان أن تخضع القرارات والإجراءات للمساءلة، وأن يتمكن المعني من عرض ما لديه من أدلة ودفوع ضمن مسار قانوني واضح.

إن جوهر المشكلة يتجاوز حالة جاغوب إلى سؤال أوسع يتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة والمؤسسات، وبين المسؤول وصلاحياته. فحين تتداخل الاعتبارات الشخصية مع القرارات الإدارية، وحين يشعر الموظف بأن موقعه الوظيفي قد يتأثر بمواقفه أو علاقاته، تتراجع الثقة بالمؤسسة ويصبح الولاء للأشخاص، بدل الالتزام بالقانون، عاملًا مؤثرًا في الحياة العامة.

وهنا تبرز خطورة ما يمكن وصفه بـ«العزبة السياسية»، حيث تبدو مؤسسات الدولة وكأنها مجال خاص لإدارة النفوذ وتبديل المواقع والإقصاء، بدل أن تكون مرافق عامة تقوم على قواعد واضحة، وتكافؤ في المعاملة، وفصل بين الصلاحيات والمسؤوليات. وقد أسهم هذا النمط من الإدارة، في نظر منتقديه، في تعميق الخلافات الداخلية داخل حركة فتح، وتوسيع الفجوة بين أبنائها، وترسيخ تصنيفات من قبيل «شرعيين» و«غير شرعيين»، بدل الاحتكام إلى الأطر التنظيمية والآليات الديمقراطية.

إن أسلوب الإقطاع السياسي لا يُقاس فقط بقرار نقل موظف أو استبعاده، بل بما يكشفه من خلل محتمل في العلاقة بين السلطة والمساءلة.

 فالمراسيم الرئاسية، مهما كانت صلاحيات إصدارها، لا ينبغي أن تُعفي القرارات من الرقابة القانونية والإدارية، ولا أن تجعل الموقع الوظيفي رهينة التقديرات الفردية.

وكان من الأجدى، إذا كانت هناك ملاحظات مهنية أو إدارية على أداء جاغوب، أن تُعرض وفق الإجراءات المعتمدة، وأن تُعالَج داخل المؤسسات المختصة، بعيدًا عن أي تأويلات تتعلق بتصفية الحسابات.

ولا يمكن فصل أزمة الثقة في إدارة المؤسسات عن السياق السياسي الأوسع، وفي مقدمته استمرار تعطيل الانتخابات الفلسطينية منذ إلغاء انتخابات عام 2021.

فقد أدى غياب التجديد الديمقراطي إلى استمرار الأسئلة المتعلقة بشرعية التمثيل السياسي، وآليات المحاسبة، وحدود السلطة. وبينما تُطرح مبررات سياسية وأمنية لتأجيل الانتخابات، يبقى حق المواطنين في اختيار ممثليهم وتجديد التفويض الشعبي استحقاقًا لا يمكن تجاوزه إلى أجل غير معلوم.

وفي هذا السياق، لا يكفي الاكتفاء بالحديث عن الموانع السياسية أو الإقليمية لتفسير استمرار غياب الانتخابات، بل ينبغي تقديم موقف واضح بشأن الضمانات المطلوبة لإجرائها، والجدول الزمني الممكن، والآليات التي تكفل احترام إرادة الناخبين. فالديمقراطية ليست إجراءً شكليًا يُستدعى عند الحاجة، ولا امتيازًا تمنحه السلطة أو تحجبه، بل أساس للعلاقة بين الشعب ومؤسساته، ووسيلة سلمية لتجديد الشرعية ومحاسبة المسؤولين.

أما قطاع غزة، الذي يواجه آثار الحرب والدمار والنزوح وانهيار مقومات الحياة، فلا يحتمل مزيدًا من الانشغال بالصراعات الداخلية والمعارك الجانبية. ففي الوقت الذي يحتاج فيه الفلسطينيون إلى قيادة توحّد الجهود، وتضع الإغاثة وإعادة الإعمار وحماية المجتمع في مقدمة أولوياتها، تبدو الخلافات السياسية والإدارية عبئًا إضافيًا على مشهد وطني بالغ القسوة. وكان الأجدر بالقيادة الفلسطينية أن تجعل من حجم الكارثة مدخلًا لتجاوز الانقسامات، والعمل على استعادة الوحدة الوطنية، وتعزيز فاعلية المؤسسات، وتحمّل المسؤوليات تجاه المواطنين في جميع أماكن وجودهم.

إن هيبة المراسيم الرئاسية ومكانة الدولة لا تُصانان بإقصاء الكوادر أو ترك القرارات عرضة للشبهات، بل باحترام القانون، والشفافية في اتخاذ القرار، وضمان حق المعنيين في معرفة أسباب الإجراءات المتخذة بحقهم والطعن فيها وفق الأصول. فالمؤسسات القوية لا تخشى المساءلة، والقيادة الواثقة لا ترى في الرقابة القانونية انتقاصًا من صلاحياتها، بل ضمانة لسلامة ممارستها.

إن الدولة أسمى وأكبر من الأشخاص، ومؤسساتها ليست ملكًا لأحد، ولا يجوز أن تتحول إلى ساحة لتصفية الخلافات أو توزيع المواقع وفق موازين النفوذ. والاستمرار في إدارة الشأن العام بمنطق الإقصاء، في ظل غياب الانتخابات وضعف المساءلة، لن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة وتآكل ما تبقى من هيبة المؤسسات.

آن الأوان لوضع حد لأي ممارسة تجعل مستقبل الموظف مرهونًا بالخلافات الشخصية، وإعادة الاعتبار إلى قواعد العمل المؤسسي والمساءلة.

فالدولة لا تُدار بالمزاج، ولا تُصان المراسيم بمجرد صدورها، ولا تُستعاد الثقة بالشعارات. إنما تُبنى الدولة حين يكون القانون فوق الجميع، وتكون المؤسسات أقوى من الأفراد، ويصبح المواطن وحقه في الاختيار والمحاسبة أساس الشرعية، لا تفصيلًا يمكن تأجيله كلما تعارض مع مصالح المتنفذين.

×
أخبار
أمريكا تستغل الهجمات الحوثية لفرض التطبيع على السعودية من خلال أسلحة إسرائيلية الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,469 شهيدا "عقدة ماكبث".. دعوى رئيس الشاباك السابق تكشف أزمة ارتياب نتنياهو وانهيار التواصل مع قادة الجيش حرب نتنياهو ضد أوباما تقصف قبر رابين..وتحيي واي ريفر! خريطة العقوبات المفروضة على إسرائيل: 121 إجراءً تقييديا في 62 دولة الفيتو يصدم مرشحي منصب الأمين العام للأمم المتحدة..وغرينسبان في المقدمة الحرس الثوري: ناقلة انفجرت بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز- فيديو ترامب يرفع بعض العقوبات والقيود والرسوم المفروضة على روسيا: قانون غراهام سوريا.. سماع دوي انفجارات في غرب دمشق اليونيسف: قوات الاحتلال قتلت أكثر من 340 طفلا في غزة منذ أكتوبر الماضي التحول الهيكلي في الحزب الديمقراطي يتجاوز نتنياهو ليطال العلاقة مع إسرائيل صحفية “واشنطن بوست” تروي تفاصيل اعتداء المستوطنين عليها في رام الله محافظ سلطة النقد: إعادة إعمار غزة يجب أن تقودها المؤسسات الفلسطينية بوتين يؤكد ضرورة استمرار الضربات ضد المجمع الصناعي العسكري الأوكراني الشاباك يصادق على 3 آلاف عامل من غزة لبناء "رفح الخضراء" حملة ضد سارة هيلم زوجة مستشار الأمن القومي البريطاني بسبب فلسطين نتنياهو يرد على تصريحات أوباما": لسنا مستعمرين كما الهولنديين استطلاع: اتساع ظاهرة الرقابة الذاتية حول حرب غزة والانتقادات لإسرائيل في الخطاب العام الأمريكي تحقيق جنائي في روما يطال كبار القادة الإسرائيليين بتهم "الاختطاف والتعذيب" "نيويورك تايمز": الصراع بين العلمانية والثيوقراطية يضع مستقبل الهوية الإسرائيلية أمام خيار حاسم تحذير أمريكي رفيع من "أخطر تحالف منذ 1945".. صواريخ الحوثيين المتقدمة تضع الشرق الأوسط بمرمى النيران مصر تستدعي القائم بالأعمال الكولومبي في القاهرة للاحتجاج على افتتاح بلاده سفارتها في القدس المحتلة تقرير: «مفارقة الثروة» تحدّ من الفاعلية العسكرية للجيوش الخليجية أمام إيران وثيقة مكتب نتنياهو تكشف مسؤولية الحكومة عن كارثة 7 أكتوبر وتفند روايته الرسمية استشهاد مواطن برصاص جيش الاحتلال شمال قطاع غزة ليبرمان يهاجم آيزنكوت ويفكك مساعيه للتحالف مع نتنياهو.. ودعم أميركي ودولي لحكومة إسرائيلية موسعة غزة: معدلات سوء التغذية والتجويع بلغت مستويات كارثية والأطفال وكبار السن الأشد تأثرا رئيس وزراء قطر في لبنان: اتفقنا على وضع إطار شامل للتعاون في مجال الطاقة تقرير: رسائل مسرّبة تكشف صلات رئيس الاستخبارات الألمانية الأسبق بالرئيس الأسبق للموساد إعادة التفكير في العلاقات الدفاعية.. إسرائيل تتطلع للتحول من التبعية إلى الشراكة مع أمريكا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط