تاريخ النشر: 2026-10-16 | 15:08
تاريخ النشر: 2026-10-16 | 15:08
لا يمكن عزل قرار رئيس السلطة الفلسطينية بتأجيل الانتخابات الفلسطينية إلى سبتمبر/ أيلول 2027 عن تعقيدات المشهدين الإقليمي والدولي، فالانتخابات ليست شأناً داخلياً محضاً، بل هي نقطة ارتكاز تتقاطع فيها حسابات القوى الكبرى، والمانحين الدوليين، والاحتلال، وهي عوامل لعبت دوراً مزدوجاً كعقبة ميدانية وذريعة سياسية في آن واحد.
جاءت الردود الدولية الفورية لتعكس حجم الفجوة بين تطلعات المجتمع الدولي والخطوات الفعلية للسلطة الفلسطينية. ففي أكتوبر 2026، أصدر وزراء خارجية أربع دول غربية (فرنسا، وبريطانيا، وكندا، وأستراليا) بياناً مشتركاً أعربوا فيه عن أسفهم الشديد لقرار التأجيل، محذرين من أن حرمان جيل كامل من الاقتراع يقوض جهود التجديد الديمقراطي والحكم الخاضع للمساءلة. مع تأكيد الوزراء مجدداً على موقفهم الراسخ بأنه لا يمكن أن يكون لحركة حماس أي دور في إدارة الشؤون المستقبلية أو الحوكمة في فلسطين.
مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي "كايا كالاس"، وإلى جانبها وزير الخارجية الفرنسي "جان نويل بارو"، انتقدا بوضوح مرسوم التأجيل ووصفاهُ أنه: "أسوأ ما يمكن تقديمه للشعب الفلسطيني". مع التلويح بربط المساعدات ودعم المؤسسات بمدى الوفاء بالتعهدات الديمقراطية.
كما أبدت وزيرة الخارجية الأسترالية "بيني وونغ" خيبة أمل عميقة، وصرّحت إلى أن بلادها قد تُجمّد أي خطوات عملية إضافية نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، كون الالتزام بالانتخابات كان شرطاً أساسياً بنى عليه المجتمع الدولي مواقفه الأخيرة.
على الجانب الآخر، يمثل الاحتلال الركيزة الأساسية في معادلة التعطيل. تذرعت السلطة الفلسطينية مراراً بالإجراءات والقيود التي تحول دون ضمان شمولية العملية الانتخابية ونزاهتها، لا سيما في القدس المحتلة وقطاع غزة. وفي المقابل، سارعت حكومة كيان الإبادة إلى نفي مسؤوليتها عن التعطيل، حيث صرّح وزير خارجيتها "جدعون ساعر" متهماً القيادة الفلسطينية بالمراوغة والتملص من استحقاق الصناديق المستحق منذ عقدين، معتبراً التحديات الميدانية مجرد غطاء سياسي محلي. هذا التجاذب يخدم الاحتلال استراتيجياً، كونه يكرّس ضعف الشرعية الدستورية للسلطة.
وليس بعيداً تتنقل الحوارات الفلسطينية بين عواصم عربية ودولية مختلفة منذ سنوات، لكنها للأسف لم تفلح في ترجمة مخرجاتها حواراتها بما يضمن الخروج من شرنقة الانقسام المستعصي. وتجاوز العقدة الدولية والإقليمية التي تراقب وتتابع عن كثب تلك الحوارات ومخرجاتها، والعمل على إجهاضها: -
• واشنطن وبعض الأطراف الإقليمية تضغط باتجاه "سلطة فلسطينية متجددة" قادرة على تولّي المهام الإدارية والأمنية في قطاع غزة والضفة الغربية كجزء من ترتيبات سياسية أوسع، وبما يؤمن مصالح الكيان الأمنية.
• يخشى المجتمع الدولي والولايات المتحدة بشكل خاص من أن تؤدي أي انتخابات حرة ومباشرة إلى تثبيت نفوذ حركة حماس أو قوى ترفض شروط اللجنة الرباعية الدولية، مما يُعقّد أي خطط لإعادة الإعمار أو إحياء "حل الدولتين"- الذي أصبح في خبر كان-، وهو ما يجعل بعض الأطراف الدولية تبدي "تفهماً ضمنياً" للتأجيل خلف الكواليس، رغم بيانات الإدانة العلنية.
يُظهر البعد الدولي والإقليمي أنّ الانتخابات الفلسطينية ليست مجرد إجراء ديمقراطي داخلي، بل هي رهينة توازنات دولية مُعقدة وضغوط مانحين يبحثون عن إصلاحات شكلية تضمن الاستقرار، دون المغامرة بنتائج قد تُغيّر الخارطة السياسية. وعليه تصبح "الحوارات" أداة لامتصاص غضب العواصم الخارجية وشراء الوقت، بدلاً من كونها خطة حقيقية لمواجهة التحديات المصيرية.