الاتفاق الاسرائيلي- اللبناني.. هندسة البيئة الأمنية هل تنجح حيث فشل الحسم العسكري؟

تابعنا على:   14:44 2026-06-28

حسن لافي

أمد/ لا يبدو الاتفاق الإطاري الذي توصلت إليه إسرائيل ولبنان برعاية أمريكية مجرد تفاهم لتنظيم الانسحاب الإسرائيلي من أجزاء من جنوب لبنان أو إنشاء آلية لمراقبة تنفيذ ترتيبات أمنية جديدة. فقراءته في سياق ما بعد السابع من أكتوبر تكشف أنه قد يعكس تحولاً أعمق في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، وربما يمثل بداية الانتقال من عقيدة "الحسم العسكري" إلى استراتيجية تقوم على "إعادة هندسة البيئة الأمنية".
ويقصد بـ"هندسة البيئة الأمنية" في هذا السياق الانتقال من التركيز على هزيمة الخصم عسكرياً إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية والمؤسسية المحيطة به، بما يقلل من قدرته على إعادة إنتاج التهديد، عبر توزيع المسؤوليات بين الدولة، والضمانات الدولية، والردع العسكري.

هذا التحول، إن صح، لا يعني تخلي إسرائيل عن القوة العسكرية، بل إعادة تعريف دورها. فالقوة لم تعد تُطرح باعتبارها الوسيلة الوحيدة لإنهاء التهديدات، وإنما أصبحت أداة لتهيئة بيئة سياسية وأمنية جديدة، تشارك في إدارتها الدولة اللبنانية، والولايات المتحدة، والمجتمع الدولي، مع احتفاظ إسرائيل بحق التدخل إذا فشلت هذه المنظومة.

حدود عقيدة الحسم

بعد هجوم السابع من أكتوبر، أعلنت حكومة بنيامين نتنياهو نهاية مرحلة "إدارة الصراع". وارتفع سقف الخطاب السياسي والعسكري إلى الحديث عن القضاء على مصادر التهديد، سواء في غزة أو على الجبهة الشمالية "النصر الساحق".
وفي لبنان، لم يعد الهدف مجرد ردع حزب الله أو إبعاده عن الحدود، بل الحديث عن تفكيك قدراته العسكرية وإنهاء التهديد الذي يمثله بصورة نهائية. وعندما أُعلن اتفاق 29 نوفمبر 2024، قُدم داخل إسرائيل باعتباره دليلاً على نجاح هذه المقاربة، وأن الضغط العسكري فرض واقعاً جديداً على حزب الله والدولة اللبنانية.
لكن الأشهر التالية كشفت أن الحسم العسكري، حتى لو حقق نجاحات ميدانية كبيرة، لا يعني بالضرورة إنهاء التهديد. فقد أظهرت عودة حزب الله إلى الانخراط في المواجهة خلال مارس 2025، في سياق الحرب الإسرائيلية–الإيرانية، أن التنظيمات المقاومة المرتبطة بقواعد شعبية  ومحاور إقليمية يصعب إخراجها نهائياً من معادلة الصراع بالقوة العسكرية وحدها. فهي تمتلك القدرة على إعادة التموضع واستثمار التحولات الإقليمية، بما يجعل "الحسم الكامل" هدفاً أكثر تعقيداً مما افترضته الخطابات السياسية في بداية الحرب.ومن هنا، يمكن النظر إلى الاتفاق الجديد لا باعتباره تخلياً عن عقيدة الحسم العسكري بشكل مطلق، وإنما بوصفه مؤشراً على إدراك متزايد داخل إسرائيل أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق أهدافها السياسية بصورة مستدامة، وأن تحقيق الأمن طويل الأمد يتطلب إعادة تشكيل البيئة التي ينتج فيها التهديد، وليس فقط استهداف أدواته العسكرية.

من هزيمة الخصم إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية.

تكشف بنود الاتفاق عن هذا التحول بوضوح.
فالهدف لم يعد أن تتولى إسرائيل وحدها إزالة تهديد حزب الله، وإنما أن تتحمل الدولة اللبنانية المسؤولية القانونية والأمنية عن احتكار السلاح، وأن يتولى الجيش اللبناني فرض السيطرة على المناطق الحدودية، بينما تشرف الولايات المتحدة على تنفيذ الالتزامات، ويرتبط دعم إعادة الإعمار بالتقدم في هذا المسار.
وبذلك، تنتقل إسرائيل من محاولة القضاء المباشر على التهديد إلى محاولة إعادة تنظيم البيئة الأمنية التي يعمل داخلها هذا التهديد.
ولا يعني ذلك تراجعاً عن استخدام القوة. فالانسحاب الإسرائيلي ليس تلقائياً، وإنما يبقى مشروطاً بنتائج التحقق من تنفيذ الالتزامات. كما تحتفظ إسرائيل بوجود في مناطق أمنية انتقالية، وبحقها في استئناف العمل العسكري إذا رأت أن حزب الله يعيد بناء قدراته أو أن الدولة اللبنانية أخفقت في تنفيذ التزاماتها.
إنها صيغة تجمع بين الردع العسكري والاتفاق السياسي، بحيث تصبح القوة العسكرية أداة لضمان تنفيذ الاتفاق، لا بديلاً عنه.
ومن هذه الزاوية أيضاً، ترى إسرائيل أن الاتفاق يختلف عن القرار 1701، ليس بسبب الأهداف المعلنة، وإنما بسبب آليات التنفيذ. فبينما اعتمد القرار السابق على التزامات عامة ودور قوات اليونيفيل والدولة اللبنانية، يقوم الاتفاق الجديد على تنفيذ تدريجي مشروط، وإشراف أمريكي مباشر، وربط أي انسحاب إسرائيلي بنتائج التحقق من تنفيذ الالتزامات الأمنية.

تقاطع الرؤية الإسرائيلية مع الرؤية الأمريكية

يمنح الاتفاق الولايات المتحدة دوراً يتجاوز الوساطة التقليدية، فهي تصبح شريكاً في إعادة تصميم البيئة الأمنية في المنطقة خاصة في غزة و لبنان، من خلال صياغة الاتفاقيات و الإشراف على التنفيذ، والتحقق من نزع السلاح، وقيادة آلية التنسيق الأمني، وربط المساعدات وإعادة الإعمار بالالتزام بالترتيبات الجديدة.
وهذا يعكس تقاطعاً مهماً بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
فالولايات المتحدة لم تُخفِ، منذ بداية الحرب، شكوكها في قدرة القوة العسكرية  الاسرائيلية وحدها على إنهاء دور الفاعلين المسلحين غير الدولتيين، وكانت تدفع نحو مقاربة تجمع بين الضغط العسكري، وتقوية مؤسسات الدولة، والاتفاقات السياسية، والرقابة الدولية.
ويبدو أن إسرائيل، بعد اختبار حدود الحسم العسكري، أصبحت أكثر استعداداً لتبني هذه المقاربة، ولكن من دون التخلي عن قوتها العسكرية أو  استخدامها القوة عند الضرورة.

الاتفاق كمخرج لثلاث معضلات استراتيجية.

إذا وضع الاتفاق في سياقه السياسي، فإنه لا يقدم فقط إطاراً أمنياً جديداً، وإنما يمنح حكومة نتنياهو فرصة لمعالجة ثلاث معضلات كانت تتقاطع داخلياً وخارجياً.
المعضلة الأولى تتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة الامريكية.
فخلال الأشهر الأخيرة، واجه نتنياهو معادلة معقدة: إما الاصطدام بالإدارة الأمريكية التي كانت تدفع نحو ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، أو الظهور بمظهر الخاضع لضغوطها، وهو ما كان سيضعفه أمام شركائه في اليمين.
يمنحه الاتفاق مخرجاً ثالثاً، إذ يستطيع أن يقدم نفسه شريكاً في صياغة رؤية أمريكية–إسرائيلية مشتركة لإعادة هندسة البيئة الأمنية في لبنان، لا مجرد طرف استجاب للضغوط الأمريكية. كما يعيد ترميم صورته كرجل العلاقة الخاصة مع واشنطن، وهي صورة تعرضت للاهتزاز خلال المرحلة الماضية.
أما المعضلة الثانية فتتعلق بالمفاوضات الأمريكية–الإيرانية.
فقد سعت إيران إلى إبقاء الساحة اللبنانية جزءاً من معادلة التفاوض مع الولايات المتحدة (وحدة مصير طهران - بيروت) بما يجعل أي انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان مرتبطاً بمسار التفاهمات مع طهران.
لكن الاتفاق يمنح إسرائيل فرصة لفصل المسارين. فالانسحاب، إذا تم، سيُقدَّم بوصفه نتيجة اتفاق مباشر مع الدولة اللبنانية وبرعاية أمريكية، وليس استجابة لشروط إيرانية أو ثمناً لتفاهم أمريكي–إيراني. وبذلك تحاول إسرائيل قطع الطريق على تحويل لبنان إلى ورقة تفاوضية بيد طهران.
أما المعضلة الثالثة فتتمثل في الهدف الذي رفعته الحكومة منذ بداية الحرب، وهو تفكيك حزب الله ونزع سلاحه.
فهذا الهدف يتطلب زمناً طويلاً وكلفة بشرية واقتصادية مرتفعة، فضلاً عن أن نجاحه ليس مضموناً إذا بقيت إسرائيل تتحمل وحدها مسؤولية تنفيذه.
ويغير الاتفاق هذه المعادلة. فعملية نزع السلاح تصبح مسؤولية لبنانية في المقام الأول، وأمريكية ودولية في المقام الثاني، بينما تتحول إسرائيل إلى طرف يراقب التنفيذ ويحتفظ بحق التدخل إذا أخفق هذا المسار.
وبذلك، يعيد الاتفاق توزيع الأعباء السياسية والأمنية والاقتصادية لنزع سلاح حزب الله، بدلاً من أن تبقى مسؤولية إسرائيلية خالصة.
لكن نجاح هذه الهندسة الأمنية مرهون بقدرة الدولة اللبنانية فعلياً على انتزاع القرار العسكري من حزب الله، وهو أمر لا يتحقق بالنصوص والضمانات الأمريكية وحدها، بل بتحولات متزامنة؛ إقليمية تتعلق بمستقبل محور المقاومة بقيادة إيران، ومحلية تتعلق بإعادة بناء التوافق اللبناني الداخلي حول احتكار السلاح، وإلا ظل الاتفاق مجرد هدنة مؤقتة تمنح الطرفين فرصة لإعادة التموضع.

حق الفيتو الإسرائيلي

ورغم نقل جزء كبير من المسؤولية إلى الدولة اللبنانية والولايات المتحدة، فإن إسرائيل لم تتخل عن أدواتها الأساسية.
فالانسحاب يبقى مشروطاً، والمناطق الأمنية الانتقالية تمنحها قدرة على مراقبة التطورات ميدانياً، كما أن حقها في استئناف العمليات العسكرية إذا رأت أن التهديد عاد إلى الظهور يمنحها، عملياً، حق الفيتو على تنفيذ الاتفاق.
وبذلك، لا تنتقل إسرائيل من موقع الفاعل إلى موقع المتلقي، وإنما تبقى صاحبة الكلمة الأخيرة في تقييم نجاح المسار الأمني الجديد.

الانتخابات... إعادة تعريف "النصر الساحق"

لا يمكن فصل توقيت الاتفاق عن السياق السياسي الداخلي الاسرائيلي.
فمع اقتراب انتتخابات الكنيست الاسرائيلية، يحتاج نتنياهو إلى إعادة تعريف مفهوم "النصر الساحق" في الحرب. فبعد أن رفع سقف التوقعات من خلال ربط "النصر الساحق" بالحسم العسكري، أصبح أكثر واقعية أن يقدم للناخب الإسرائيلي إنجازاً مختلفاً: ليس القضاء النهائي على حزب الله، وإنما إنشاء منظومة أمنية جديدة، ومن المرجح أن يقدم نتنياهو هذا الاتفاق للناخب الإسرائيلي ليس باعتباره تسوية سياسية، وإنما بوصفه ثمرة مباشرة للنجاح العسكري. فوفق هذه الرواية، لم تنسحب إسرائيل تحت الضغط، بل فرضت نموذجاً أمنياً جديداً يمنحها حرية العمل العسكري، ويُلزم الدولة اللبنانية بتحمل مسؤولية منع عودة حزب الله، ويجعل الولايات المتحدة شريكاً في ضمان تنفيذ هذه الالتزامات.
وبذلك، يمكن للاتفاق أن يمنحه رواية سياسية أكثر قابلية للدفاع عنها في الداخل، لأنها تنقل النقاش من سؤال: "هل انتهى حزب الله؟" إلى سؤال آخر: "هل أصبحت البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل أكثر أمناً؟"

خاتمة.

  إذا كان هذا الاتفاق يمثل بالفعل بداية مرحلة ما بعد الحسم العسكري، فإن التحدي الحقيقي لن يكون في صياغة الترتيبات الأمنية، بل في القدرة على تنفيذها. وسيظل نجاح هذا النموذج رهناً بقدرة الدولة اللبنانية على فرض احتكارها للسلاح، واستمرار الالتزام الأمريكي برعاية الاتفاق، وباستعداد إسرائيل نفسها للالتزام باستراتيجية طويلة الأمد تقوم على إدارة البيئة الأمنية، بدلاً من العودة إلى منطق الحسم العسكري كلما عاد التهديد إلى الظهور. ولذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل يؤسس هذا الاتفاق لعقيدة أمنية إسرائيلية جديدة، أم أنه مجرد استراحة مؤقتة تفرضها حدود القوة العسكرية قبل جولة أخرى من الصراع؟

اخر الأخبار