قراءة سوسيولوجية في مشروعية التحرك الشعبي "نماذج التاريخ وجدلية الحالة الغزية"

تابعنا على:   17:40 2026-06-26

د. سلامه أبو زعيتر

أمد/ في فقه الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع المعاصر، لا تُعتبر المجتمعات كائنات ساكنة أو أدوات ميكانيكية تُدار بالتحكم عن بُعد. إن العلاقة البنيوية بين أي مجتمع وقيادته تقوم في الأصل على "العقد الاجتماعي"؛ وهو عهد وضعي غير مكتوب، يمنح بموجبه الأفرادُ السلطةَ والنفوذ لنخبة سياسية مقابل شرط واحد لا تنازل عنه: تأمين الحياة، صون الكرامة، وتقديم الحلول الإستراتيجية للمجتمع. وعندما تعجز هذه القيادات عن إيجاد مخرجات للأزمات، أو تتخذ قرارات مصيرية متهورة على حساب الفرد والمجموع، فإن "مكمن الشرعية" يعود تلقائياً إلى مصدره الأصلي والوحيد وهو (حكم الشعب)، فعندما تعجز السياسة وتتحدث الشعوب...
أولاً: المشروعية الفلسفية والقانونية للحراك الشعبي: إن تحرك الجماهير عند انسداد الأفق السياسي ليس مجرد "رد فعل غاضب" أو انفعال عابر، بل هو ممارسة واعية لحق إنساني وقانوني أصيل. يرى مفكر العقد الاجتماعي "جون لوك" أنه إذا أخلّت السلطة بواجبها في حماية ناسها وحفظ هيبتهم، فإن التزام الشعب بالطاعة يسقط فوراً، ويصبح من حق المجتمع التدخل لإصلاح العقد أو إعادة صياغته بالكامل. فالسلطة في المنظور السوسيولوجي هي "وكيل" والشعب هو "الأصيل"، وهذا التأصيل الفلسفي تُرجم قانونياً في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) ليؤطر هذا الحق عبر ضمان "الحق في حرية التعبير" (المادة 19) و"الحق في التجمع السلمي" (المادة 21)، باعتبارهما أدوات شرعية تملكها المجتمعات لحماية ذاتها من عجز النخب أو استبدادها. وهو ذات الحق الذي كفله القانون الأساسي الفلسطيني (الدستور)، الذي منح الجماهير الحق في التحرك السلمي والتعبير الحر عن الرأي دون قيد.
ثانياً: شواهد من التاريخ الحديث فقد فرضت "السلمية الواعية" واقعاً جديداً وحافلاً بمحطات مفصلية أثبتت فيها الشعوب أن حراكها المنظم قادر على تفكيك الانسداد السياسي وتغيير البنى الهيكلية العميقة دون إراقة دماء. ومن أبرز هذه النماذج الحية حركة الحقوق المدنية في أمريكا (الستينيات)، فعندما عجز النظام السياسي عن تقديم حلول بنيوية للتمييز العنصري الممنهج، تحرك المجتمع الأسود بقيادة مارتن لوثر كينغ الابن عبر أدوات سلمية عبقرية كالمقاطعة الاقتصادية والمسيرات المليونية، مما أجبر الدولة على الانصياع وإصدار قانون الحقوق المدنية التاريخي عام 1964، كما أسقطت ثورة "قوة الشعب" في الفلبين (1986 (بعد عقدين من دكتاتورية "ماركوس" والفساد المستشري، نزل ملايين المواطنين إلى الشوارع، وواجهوا الدبابات بالزهور والأناشيد، مما دفع الجيش لرفض إطلاق النار، وأدى لفرار الطاغية واستعادة المسار الديمقراطي، وكانت الثورة المخملية في تشيكوسلوفاكيا (1989) عند انسداد أفق الحكم الشمولي للحزب الواحد، تحرك ملايين المواطنين من طلاب ومثقفين وعمال في احتجاجات سلمية وإضرابات شاملة، مما أدى إلى انهيار النظام بسلاسة وخلال 11 يوماً فقط دون قطرة دم واحدة...
ثالثاً: الحالة الفلسطينية في قطاع غزة بمنظور سوسيولوجيا الصمود وجدلية القمع والتخوين، فعند إسقاط هذه القواعد والتجارب التاريخية على "الحالة الغزية"، نجد أنفسنا أمام واقع استثنائي معقد يتحدى القوالب الكلاسيكية لعلم الاجتماع السياسي. لقد مرّ المجتمع الغزي، والفرد فيه، بقرارات مصيرية كبرى اتُّخذت بالوكالة عنه وعلى حسابه، ودفع — ولا يزال يدفع — أثماناً باهظة لسياسات وتوازنات فرضت عليه قسراً وسط عدوان وحصار وإبادة غير مسبوقة، وفي ظل الدعوات الراهنة التي يشهدها الشارع الغزي اليوم للخروج والتظاهر تعبيراً عن مطالب التغيير والحق البديهي في الحياة، نرى في المقابل محاولات حثيثة لشيطنة هذه التحركات عبر ماكينات "التخوين، والتعهير، والتكفير" لكل صوت مختلف أو منادٍ بالإصلاح، وهنا تتجلى أزمة الهيمنة الفوقية؛ فالناس في الخيام، وفي الشوارع المدمرة، والأزقة الضيقة، وعلى قارعة الطريق، باتوا يقولون في نقد الواقع وفي تشخيص أوجاعهم أكثر مما قال مالك في الخمر!
هذه الحقيقة المُرّة والحادة يدركها ويعرفها الجميع جيداً؛ لا يدركها المواطن العادي المنهك فحسب، بل يعلمها السياسيون، وتقرّ بها كل الفصائل بتنوعها وخلفياتها. من هنا، يجب أن يفهم الجميع أن الصمت ليس حلاً، وأن القمع لم يكن يوماً علاجاً من حق الناس التلقائي أن تعبّر عن رأيها وتصرخ بألمها وتطلعاتها، فإذا كان الله عز وجل قد رسّخ حرية الإرادة الإنسانية في أعمق المسائل العقائدية بقوله تعالى: "وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ"، فكيف تملك أي سلطة أرضية أو نخبة سياسية الحق في مصادرة صرخة جائع أو متألم، أو قمع حاجة الناس وتطلعاتها المشروعة نحو الأمان والتعافي؟ الواجب الأخلاقي والوطني اليوم يفرض تفهّم هذه التطلعات واحتضانها، لا قمعها وتخوينها.
رابعاً: أدوات التغيير البديلة.. "اللا حركات الاجتماعية" في واقع غزة رغم غياب الميادين الآمنة للاحتجاج، والتكلفة الدموية والسياسية العالية، إلا أن المجتمع الغزي لم يستسلم لحالة العجز، بل ابتكر أدوات تغيير صامتة، تحتية، وغير تقليدية؛ وهو ما يسميه علم الاجتماع الحديث بـ "اللا حركات الاجتماعية" ، وتتجلى في ثلاثة مسارات:
1. سوسيولوجيا التكافل وإدارة الذات: إن المبادرات الشعبية، والروابط العائلية، واللجان الشبابية التي تحركت ذاتياً لإيواء النازحين، وتأمين التكايا، وإدارة شؤون الحياة اليومية، تمثل في عمقها السوسيولوجي "سحباً عملياً وغير مباشر للشرعية" من القيادات والنخب العاجزة. فعندما يدير الناس حياتهم بأنفسهم بعيداً عن أجهزة السلطة، فإنهم يعلنون مجتمعياً استغناءهم عن هذه النخب الفوقية.
2. المفاصلة الفكرية وتشكّل الوعي النقدي: يعيش الشارع الغزي اليوم حالة غير مسبوقة من النقد العلني الصريح لكل الشعارات الأيديولوجية الكبرى التي دُفعت أثمانها من دماء الناس وأعمار أطفالهم. هذا التبدل الجذري في القناعات هو النواة الحقيقية لجيل جديد يرفض عقلية "القطيع"، وسيقاوم مستقبلاً أي وصاية أو تلاعب بمصيره.
3. حتمية خطاب "الإنسان أولاً" (الأنسنة): لقد تحولت بوصلة الخطاب الشعبي من الشعارات الأيديولوجية المعزولة عن الواقع إلى "أنسنة القضية"؛ والمطالبة بالحق التلقائي والبديهي في الحياة الكريمة، التعليم، الأمان، والتعافي النفسي والجسدي، الاعمار، هذا الضغط الفكري يفرض معادلة مستقبلية حتمية: لا مشروعية لأي مشروع سياسي لا يضع الإنسان الغزي كأولوية قصوى وفوق كل اعتبار.
أخيرا: إن مجرد بقاء المجتمع الغزي متماسكاً بأرضه، وحفاظه على نواته الأخلاقية وإنسانيته وسط ركام البيوت والخيام، هو في حد ذاته أقصى درجات "الفعل الاجتماعي" المقاوم والتغييري. المواطن في غزة الذي يصر على تعليم طفله داخل خيمة، ويتقاسم رغيف الخبز الشحيح مع جاره، ويتمسك بحقه في الحياة ويجهر بمطالبه، لا ينتظر التغيير بل يصنعه يومياً بلبنات صامتة وأحياناً بصرخات معلنة.
لقد انتهى في وعي الشارع الغزي زمن "القرارات بالوكالة" والشيكات السياسية على بياض. وما يبدو الآن صمتاً أو إنهاكاً، أو محاولات قمع وتخوين، هو في الحقيقة مرحلة انفجار الوعي الحاد الذي تجاوز فزاعات الترهيب الفكري. هذا الوعي الإنساني والاجتماعي الصلب الذي تشكّل في أتون المعاناة، لن يقبل بالعودة إلى الوراء، وسيترجم نفسه حتماً إلى واقع سياسي وهيكلي جديد، يقود فيه المجتمع بتنوعه، ويمارس حقه الأصيل في تقرير مصيره، والانتقال بسفينة غزة نحو بر الأمان والاستدامة البنيوية.
فلسطين تستحق الأفضل دائماً، وتستحق قيادة بمستوى تضحيات ناسها.. ومعاً لنرفع الراية، راية الكرامة والإنسان والحرية.

اخر الأخبار