نظام الملالي وفلول الشاهنشاهية.. واستراتيجيات الاحتواء وتحدي البديل
د. مصطفى عبدالقادر
أمد/ قراءة في الأبعاد الأمنية لتجمعات المقاومة الإيرانية في أوروبا
تصدير الأزمة.. والبعد الجيوسياسي للتهديدات الأمنية
تُشكل التحركات الدولية للمعارضة الإيرانية ولاسيما التجمعات السنوية في العاصمة الفرنسية باريس مؤشراً دقيقاً لقياس مدى الاستقرار السياسي داخل طهران.
إن ما شهدته الأوساط الأمنية مؤخراً من استنفار إزاء التجمعات التي دعا إليها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية لا يندرج تحت بند الصراعات التقليدية بل يعكس تحولاً نوعياً في العقيدة الأمنية للنظام الإيراني.. فالنظام الذي بات يتبنى استراتيجية "نقل التهديد إلى الخارج" يرى في أي حشد جماهيري يتجاوز الحدود الجغرافية لإيران تهديداً مباشراً لـ الاستقرار القسري الذي يحاول فرضه في الداخل.
الاستبداد القائم وفلول النظام السابق
تشير تقارير الرصد الميداني إلى ظاهرة لافتة تستوجب التوقف البحثي التقاطع غير المباشر في الأهداف بين الأجهزة الأمنية الحالية في طهران والقوى المحسوبة على بقايا نظام الشاه.. إن هذا التلاقي رغم التباين الأيديولوجي يجد أرضية مشتركة في محاولة منهما لتقويض البديل الديمقراطي المنظم، وتكشف التحليلات أن كلا الطرفين يدركان أن هذا البديل لم يعد منذ عقود مجرد حركة احتجاجية تقليدية بل تحول إلى مشروع سياسي متكامل يمتلك هيكلية تنظيمية قادرة على اختراق العزلة التي يفرضها النظام، وإن هذا "التحالف المضاد بين ملالي إيران وفلول الشاهنشاهية" ليعكس إدراكاً عميقاً بأن المقاومة المنظمة باتت تمثل قوة جذب لا تقتصر على الداخل الإيراني بل تمتد لتشكل محوراً سياسياً يحظى باعتراف دولي متزايد.
معضلة "الطريق الثالث" وتفكيك سردية التغيير
في قلب الصراع الحالي تبرز خطة المواد العشر التي تطرحها مريم رجوي بصفتها الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.. هذه الرؤية السياسية تتجاوز النقد المباشر لسياسات طهران لتقدم برنامجاً انتقالياً يتضمن فصل الدين عن السلطة، والمساواة الجندرية وإلغاء عقوبة الإعدام.
إن القلق الاستراتيجي الذي تبديه طهران تجاه هذه الخطة نابع من كونها تقدم طريقاً ثالثاً؛ طريقاً بديلاً عن استمرارية النظام الحالي وعن احتمالات الفوضى الناجمة عن التدخل الخارجي.. هذا الطرح يفكك شرعية النظام من الداخل ويجعل من مطالب الشعب الإيراني واقعاً سياسياً ملموساً وليس مجرد شعارات مرحلية.
إعادة النظر في سياسات المهادنة الدولية
لقد أثبتت الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها السلطات الفرنسية بطلب أمني أن النظام الإيراني قد وضع نفسه في مواجهة مباشرة مع الأمن الجماعي الأوروبي، وإن محاولة استهداف تجمعات مدنية في قلب أوروبا لا تُعد مجرد خرق أمني بل هي إعلان عن تصدير للإرهاب الموجه العابر للحدود؛ هذا السلوك يضع الحكومات الغربية أمام استحقاق سياسي وأخلاقي حاسم.. فهل يمكن الاستمرار في سياسة المهادنة مع نظام يُثبت يوماً بعد يوم أنه يرى في التعبير السياسي السلمي خارج حدوده تهديداً وجودياً؟ إن البيانات الصادرة عن دوائر الرصد الدولية تشير إلى أن التهديدات الأمنية الموجهة للمقاومة ليست سوى انعكاس لـ حالة الذعر التي تصيب دوائر صنع القرار في طهران كلما اقترب البديل الديمقراطي من جسر الهوة بين الشارع الإيراني والمجتمع الدولي.
المواجهة الحتمية بين الإرادة والجمود
إن ما تشهده الساحة الإيرانية اليوم يتجاوز أزمة الأجنحة السياسية أو النزاعات الحدودية؛ إنها مواجهة بنيوية بين ديناميكية التغيير التي يمثلها البديل الديمقراطي وحالة الجمود التي يحاول النظام التمسك بها عبر القمع وتصدير التهديدات.
إن قدرة المقاومة على الحفاظ على حضورها في المحافل الدولية رغم الضغوط الأمنية تؤكد أن مشروع التغيير بات يمتلك زخماً تراكمياً لا يمكن احتواؤه بالتهديد أو التشويه الإعلامي، وبناءً عليه فإن أي تحليل جيوسياسي جاد لمستقبل المنطقة يجب أن يضع هذا "البديل المنظم" كمتغير فاعل في أي معادلة سياسية قادمة بعيداً عن حسابات الربح والخسارة اللحظية.
