اللاجئون الفلسطينيون في سورية بين ذاكرة اللجوء ومسؤولية المستقبل
وليد محمد محمد
أمد/ في ظل التحديات الوجودية الكبرى على مختلف المستويات الوطنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي يواجهها مجتمع الللاجئين عموما وفلسطينيي سوريا على وجه الخصوص تصبح الأسئلة مشروعة عن مستقبلهم ووضعهم القانوني وموقعهم في معادلات الصراع القائمة في المنطقة والسؤال الأهم عن الحدود والأدوات التي تسمح لهم بمواصلة ممارسة دورهم الوطني التحرري والمساهمة في تحقيق حلم العودة مما يستدعي وبحكم الضرورة مراجعة كل ما سبق من تجارب والعمل على إعادة انتاج أشكال جديدة من الفعل الوطني والاجتماعي والثقافي والإعلامي والانتقال من ثقافة الشكوى ونقد الواقع ولعنه والاكتفاء بتشخيص مشكلاته والتي باتت معروفة ومكررة في الخطابات والتقارير والندوات والدراسات الى ثقافة المبادرة والفعل وصناعة الحلول وترجمتها الى واقع والانتقال الى التعاطي الخلاق مع الظروف القائمة مهما بلغت درجة صعوبتها.
عانى اللاجئون الفلسطينيون وما زالوا ومنذ ثمانية عقود تقريبا من ثقل وتداعيات اللجوء في دول الشتات والمغتربات حيث ولدت أجيال كاملة في مخيمات البؤس والفقر في دول الطوق ومنها سوريا وعلى عكس ما تمنت غولدا مائير كبرت هذه الأجيال وكبر معها حلم العودة والحنين الدائم للقرى والبيوت التي هجر أهلها قسرا على يد العصابات الصهيونية ، وخلال هذه السنوات الطويلة فرضت ظروف اللجوء التحرك في بيئاتهم الجديدة لتحصيل حقوق قانونية وإنسانية ومعيشية وهو ما ترافق مع تجربتهم الوجودية والتي ساعدت اللاجئين على لملمة وعيهم الجمعي وإبراز هويتهم الوطنية وتأكيدهم على البعد التحرري لقضيتهم كما هو بعدها العربي والإنساني لمواجهة مشروع استعماري صهيوني استيطاني وإحلالي يستهدف المنطقة بأكملها ، رافق ذلك سعيهم الدائم لمواجهة خطر التحول من مجتمع صاحب قضية إلى مجتمع يدير ازماته اليومية على حساب المشاركة في الهم الوطني العام أو أن تتغير اولياته الى محاولات للخلاص الفردي والفئوي او المصلحي الضيق على حساب التفكير بالمستقبل والخلاص الجماعي أو أن يطغى الإحباط على الوعي العام وتصيب الهشاشة بنيته الاجتماعية مما يعرضه[W1] للتفكك والهجرة وفقدان الطاقات والكوادر الخلاقة .
أثرت التحولات الداخلية والإقليمية على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا تأثيرا كبيرا منذ العام 2011 ، إذ انتقل فلسطينيو سورية من حالة الاستقرار النسبي اقتصاديا واجتماعيا مع خصوصية قانونية إلى واقع شديد التعقيد نتيجة لحالة الحرب والنزوح واللجوء المتكرر والتغييب القسري و الانهيار الإقتصادي وتغيير كبير في البيئة السياسية والاجتماعية المحيطة ، وأمام ذلك وجد الفلسطينيون أنفسهم جزءا من الصراع القائم وخاصة بعد امتداد الاحداث والمواجهات المسلحة الى جغرافيا مخيماتهم والتي تعرض معظمها للضغط العسكري والأمني وبعضها للقصف المكثف والحصار والتجويع والتهجير والتدمير كمخيم اليرموك ومخيم حندرات ومخيم درعا ، وبالمحصلة أدى ذلك إلى تفكك البنية الاجتماعية التقليدية للمجتمعات وللمخيمات ونزوح مئات الآلاف من الفلسطينيين داخل سوريا وخارجها وفقدان المخيم لرمزيته ودوره التاريخي كمنتج وحافظة للهوية الوطنية الفلسطينية والذاكرة الجمعية , ومع انتقال عشرات الألاف من فلسطينيي سوريا إلى المهاجر وخاصة أوروبا نشأ ما يمكن تسميته بالشتات الفلسطيني السوري الجديد ليخوض تجربة مختلفة عن تجربة اللجوء في سوريا ودول الطوق من حيث الوعي والظروف الاقتصادية والاجتماعية والقانونية الأمر الذي أنتج ظهور كادرات ونخب وناشطين فلسطينيين سوريين جدد وبروز أشكالا جديدة من الفعل السياسي والوطني المدني والاقتصادي والإعلامي و الحقوقي , وبناء عليه فإن ما أنتجته الحرب في سوريا أعاد وضع اللاجئ الفلسطيني أمام سؤال الهوية بعد أن وجد نفسه في مواجهة مجموعة من الانتماءات المتشابكة والمتداخلة ومنها الانتماء الفلسطيني التاريخي والانتماء للنسيج السوري والعلاقة مع الثورة السورية وسورية الجديدة والانخراط في مجتمعات متعددة الثقافات والهويات ومنها الغربية وما يتبعها من أسئلة عن مفهوم المواطنة والانتماء السياسي فيما بقي هاجس من بقي في مخيمات اللجوء البحث عن جواب حول مستقبل المخيم .
ولا يمكن تحاوز كيف أثرت الأزمات الاقتصادية السورية على وضع اللاجئ الفلسطيني وأثره على تغيير الأولويات المجتمعية الفلسطينية بحيث تقدمت قضايا الأمن والمعيشة والسكن والعمل على كثير من الاهتمامات ت السياسية التقليدية والعمل الوطني وهنا لابد من الإشارة الى أن الأزمة السورية كشفت بوضوح عن الأزمة التي تعيشها فصائل العمل السياسي الفلسطيني في سوريا وكيف فشلت وعجزت وتراجعت قدرتها على الوقوف في وجه التحديات الوجودية التي عصفت باللاجئين الفلسطينيين في سوريا وعن طبيعة بعض تلك التنظيمات وبنيتها وعلاقتها العضوية بالأنظمة وخاصة الاستبدادية منها ودعمها على حساب المصالح الفلسطينية العليا الأمر الذي أعاد الحالة الفلسطينية في سوريا مرة أخرى لأزمة التمثيل والشرعية وعن شكل العلاقة المستقبلية مع الدولة السورية الجديدة وكذلك عن الوضع القانوني والاجتماعي للفلسطينيين في سوريا بعد ما أصابهم من مصاب لا يقل وحشية عن ذاك الذي طاول إخوتهم السوريين .
لم يعد السؤال الفلسطيني اليوم هو السؤال ذاته الذي طرح على الأجيال الأولى لللاجئين الفلسطينيين بعد النكبة الكبرى والذي فرض عليهم ترميم آثار النكبة والعمل على تأكيد هويتهم الوطنية وإبرازها والدفاع عنها في ظل التذويب وطمس الخصوصية والشخصية الفلسطينية ، بينما اليوم يجد اللاجئين الفلسطينيين انفسهم أمام أسئلة اكثر تعقيدا تتعلق بكيفية الحفاظ على هويتهم الوطنية في ظل التحولات الكبيرة على كافة الصعد ، وعن موقع اللاجئين في معادلات الصراع القائمة والتغيرات الجذرية الجارية على مستوى الإقليم والعالم ، وما هو دورهم في الحفاظ على قضيتهم حية باعتبارها فضية مستقبل لا مجرد ذاكرة ، فالمخيمات في الشتات لم تعد خزان الثورة كما كان الحال عليه في الماضي بعد تهميش دورها في المعادلة الداخلية الفلسطينية وكذلك يقفز السؤال التاريخي ما اذا كانت تلك المخيمات لا زالت محطات مؤقتة بانتظار العودة وخاصة أنها عانت نزفا بشريا كبيرا وفقدت الكثير من كوادرها وناشطيها والفاعلين فيها والقضية كذلك لم تعد مركزية في وجدان الكثير من العرب وأنظمتهم اللذين دخلوا أو يستعدون للدخول في حظيرة التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي على حساب الحقوق الفلسطينية ، إضافة الى إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية للمنطقة واختلال موازين القوى فيها وتراجع الدور العربي ليحل محله قوى إقليمية غير عربية وهذا ما يحتم على شريحة الشباب الفلسطيني تحديدا دورا مركزيا رئيسيا في الدفاع عن الهوية والقضية وهم اللذين باتوا يدركون حجم واتساع الهوة بينهم وبين البنى السياسية التقليدية التي باتت تعاني من شيخوخة بناها التنظيمية وتحولها إلى هياكل عاجزة عن مواكبة التحولات الداخلية والإقليمية إضافة الى عدم قدرتها على تلبية تطلعاتهم وطموحاتهم وإقصائهم عن المشاركة في صنع القرار وصياغة مستقبل القضية الفلسطينية ، كذلك شعورهم بالإحباط من تحول الانقسام السياسي والجغرافي إلى حالة لازمة وبنيوية في النظام السياسي الفلسطيني ، ومن هنا تبرز الحاجة الى إعادة التفكير في مفهوم المشاركة الوطنية والتي لم تعد تقتصر على الانخراط في الأحزاب والتنظيمات والكيانات السياسية رغم أهمية العمل السياسي المنظم بل أصبحت تأخذ أشكالا جديدة تتوافق مع التغيير الحاصل وتتنوع لتشمل الفعل المجتمعي والثقافي والمعرفي والإعلامي والحقوقي للتأثير في الفضاء الفلسطيني العام عبر المبادرات والمؤسسات المدنية وتوظيف تكنولوجيا المعلومات ومعطيات العصر الحديث وادواته في خدمة القضية الفلسطينية وتعميم سرديتها الحقيقية وتبيان وشرح كافة جوانبها ومراحل وحيثيات الصراع باعتبارها قضية تحرر وطني عادلة ، وفي هذا السياق تبرز أهمية الاستفادة من الطاقات والكفاءات الفلسطينية الكبيرة والقدرات لعلمية والمهنية والابداعية وهي التي اثبتت حضورها على الدوام رغم ظروف اللجوء والقهر والحرمان ، كذلك لا بد من الانتقال من ثقافة انتظار الحلول الى ثقافة المبادرة ومن عقلية الضحية إلى عقلية الفعل والتأثير وتحويل التحديات إلى حوافز للعمل والإبداع والفعل الوطني المثمر .
أمام هذا الواقع تحتاج القضية الفلسطينية وركنها الأساسي قضية اللاجئين الى جيل فلسطيني يجمع بين الوعي الوطني والايمان المطلق بالقضية و، بين الالتزام الأخلاقي والوطني وبين المعرفة وبين القدرة على الدفاع عن الحقوق الوطنية التاريخية والقدرة على التعامل مع مفردات العصر وأدواته ، يحتاج الى تجاوز الشعارات والذهاب الى بناء مؤسسات وطنية جامعة تلبي طموحات الفلسطينيين وتحفظ حقوقهم وتحترم تضحياتهم وقادرة على توظيف قدراتهم للوصول الى الاهداف المشروعة ’ وتحتاج الى منظومات تعمل على تعزيز التعليم وحماية المجتمع الفلسطيني من التفكك والانهيار وقادرة على تشكيل شبكات امان اجتماعية تقيه من الامراض الاجتماعية وخطر المخدرات ’ وتحتاج كذلك الى استبدال ثقافة اليأس نتيجة كل الإخفاقات والخيبات والحروب والانقسام بثقافة الأمل والقدرة على النهوض لان مستقبل الفلسطينيين في الشتات لن تصنعه تحولات السياسة وقاعات المؤتمرات وحدها بل المهمة التاريخية لجيل فلسطيني جديد يعي جيدا قوانين الصراع و يسعى الى إيصال السردية الفلسطينية الحقيقية والتمسك بها وتحويل المعاناة الى قوة والتهجير الى صمود وتشبث بالحقوق ، والذاكرة الى مستقبل تتجلى فيه فلسطين بكل المعاني .
