لا شيء يجعلنا عظماء إلا الألم الكبير
هاني مصبح
أمد/ تغيب شمس الأحبة وذكراهم لا تغيب
إنهم الوطن
رجل فى حياتي هو بمثابة الوطن، لقد رحل من كان لى ذلك الوطن
كيف ومتى ولماذا رحل الوطن فجأة؟
إنه الإحتلال الإسرائيلي المجرم الذى سلب منا كل شيء عنوة ، فى غزة رائحة الموت فى كل مكان كأنها بساتين ورود وأزهار الربيع التى تبعث بنسائم عطرها مع كل نسمه هواء وأتى عليها خريف الموت فتساقطت أرواحهم وغادرتنا كما تغادر اوراق الشجر والأزهار فصل الربيع معلنه خريف الموت الذى تجده فى أزقة الطرقات وبين أكوام الركام ووسط الخيام وفى العراء وكل مكان يلاحقنا كشعاع شمس يمضى فوقنا فى صحراء ملتهبة لا مكان نلجأ إليه فأينما ذهبنا الموت يلاحقنا يخطف منا من يريد دون إستئدان من أحد دون أى توقعات من أحد يأتينا بسرعة البرق ووقعة كصوت الرعد ،
الأمهات ثكلى تحمل صغارها هربا من مكان نحو مكان آخر والموت يلاحقها ويخطف منها صغيرها ولا أحد يرافقها وتدفن صغيرها وتحتضن الآخر، ثم يلاحقها الموت مجددا فيصعب عليها فراق قبر صغيرها وفى ذات الوقت تناظر صغيرها الآخر فتضطر بأن تغادر المكان الذى دفنت فيه فلذة كبدها لتنجو بطفلها الآخر وتذهب هنا وهناك تارة بحثا عن الأمن والأمان وتارة آخرى بحثا عن الطعام والمياة وتارة لتعالج صغيرها بحثا عن الدواء ولكن الموت لا يمهلها كثيرا فيخطف منها طفلها الآخر ليصبح قلبها ممزقا وروحها مبعثره تحت التراب لطفليها اللذين غيبهم الموت عنوة عنها .
كيف ينتزعون أحبتنا من بين أحضاننا وكأنهم لم يكونوا، فقد غيبهم الموت جسدا ولكنهم حاضرين فى القلب وحنايا الروح ما حيينا لا تغيب ذكراهم ولا تغيب نسائم حضورهم من الوجدان وسوف نرثيهم بكل أنواع الرثاء .
فى غزة يموت كل حلم جميل
لا وقت للوداع، لا فرصة للعناق، لا كلمات أخيرة
نكون واقفين ويباغتنا الموت مثل صاعقة برق تخطفنا ، ونعود بلا حراك وكثير منا أشلاء، حتى أصبح حلم من تركناهم أن يجدونا بجسد كامل من أجل حضن وعناق وقبله على جبين من أحببناهم ووداع يليق بهم
نعود محمولين أو ربما لا نعود أبدا .
شيء من الخيال هى أقل من جزء من الثانية، كل شيء يصبح بلا أى شيء من النور إلى الظلام فجأة من الغليان تصبح كقطعة ثلج كل ما حدث أشبه بخيال علمى فى لمح البصر يتغير كل شيء من الحياه إلى الموت
فى الحرب كل الأماكن يعطرها عبق رائحة المسك الذى يفوح من الدماء حين إختلطت بتراب الوطن وتفاعلت وانتجت عطرا فواحا لا يمكن أن تجدها إلا فى فلسطين .
فى غزة تمشى النساء وهى تحمل جنائز أولادها وأزواجها أكثر مما مشين نحو الزفاف،
وتلبس الأمهات السواد أكثر مما لبسن أثواب الفرح،
فى غزة شهيد يودع شهيد ويحملة شهيد ويسير فى جنازته شهيد ومواكب الشهداء لا تتوقف وتبدأ مع شروق شمس الصباح وتستريح وقت الغروب
تغيب شمس الأحبة وذكراهم لا تغيب إنهم الوطن
لا حياه بعد رحيل الأحبه
عيد ميلادى أم موتى لا أعلم الفرق بينهما
لم أكن أعلم أن تلك اللحظات ستكون آخر لقاء ربما يجمعني مع عائلتي وأحبتى وأخوتي الذين رحلوا دون سابق إنذار.
كنّا نسهر ونلعب و نضحك، كنا نطفئ شمعة لنشعل فى أرواحنا فرحا بسيطا رغم غياب طعم الفرحة فى غزة لما عايشنا من مآسي بكافة تفاصيلها نحن وأبناء شعبنا الفلسطيني عامه.
لم تكن شمعه عادية ولكنها كانت شمعة الوداع، شمعة أشعل نار فتيلها أوتار قلوبنا حزناً وألم وأصبحت نار الفقد لا تطفئها دموع الأحزان بل تزيدها إشتعالا ولهيبا، تلك النار التى لا تنطفئ أبدا.
واليوم لا أتمم عاماً جديداً، وأنا قد ودعت وفقدت الأحبه
هم أعمدة الحياه وأوتار ووتين القلب وأسس ودعائم الروح التى كانت تسند أيامي، وفجأة إنهارت دفعة واحدة فى لحظة مازال العقل لا يتصورها من هول الصدمة
هم الأهل والأحبة والأصدقاء و الإخوة والسند وكل شيء فى هذه الحياه، غابوا برحيل قسرى غير متوقع ولكن حضورهما فى قلبى لا يغيب
أبحث عنهم وأعدهم فى تفاصيل حياتى وساعات يومى وفى جدار سمائي أفتش عنهم بالنهار بين الغيوم وخيوط الشمس الذهبيه وفى المساء بين النجوم وعلى وجه القمر أراهم بكل التفاصيل، فنجان قهوتي أصبح بلا رائحة أو طعم، وطاولة الطعام أصبحت فيها كرسى شاغر وآخر شاغر وآخر وآخر ثم لا أحد، ذاك هو الغياب والرحيل .
غابت الإبتسامات والضحكات الثرثارات وأصبحت تنكسر كل الأفراح على أطراف صمتي الحزين ،
وفى كل عيد ميلاد يمر لا يزيدني عمرا بل يزداد نقصان، وفى مقاييس الحسابات يخصم من نبض قلبي عاماً وتتآكل الروح فى صمت .
لقد توقف عمرى هناك منذ أن رحل الأحبه ومات الفؤاد وأنا لا أشعر بذاتي، لا أشعر بمعنى للعيش أو كيف سوف أعيش.
هل أقول إني كبرت؟ أو أزداد عمرى سنه؟ لا وألف لا بل أقول هرمت وأصبحت كهلا فى جسد شاب أنهكه الفقد وزادني قرونا من الزمان وأصبحت كهلا وجسدا بلا روح، بل إن عمرى توقف هناك حين غادروا ولم يلتفتوا،حين حملتهم السماء، وبقيت أنا على الأرض بقيت جسد بلا روح، أعد أنفاسي بدل أعوامي،
وأقاوم الموت فى كل لحظه لأنني لا أملك رفاهية الرحيل بعد .
كل يوم أعيش وأنا أجر قلبى جرا،
أدعي الحياة وأنا فى عداد الأموات
ما من لحظة تمرّ دون أن يتسلل إسم من أسمائهم إلى قلبى كطعنة خنجر الغياب والرحيل أصابت الروح والقلب بألم لا يحتمل .
أصبحت ذكراهم جزءا من أنفاسي ومن بكائي الصامت ونظراتي الطويلة والتأمل للفراغ .
لكن فى قلب هذه العاصفة الهوجاء
ثمة يد تشدني كلما هممت بالسقوط،
أختي الصغيره التى تحاول أن ترمم ما تبقى منى، تضحك فى وجهى رغم البكاء المرير والحزن فى عينيها،
تريدني أن أعيش، ولو نصف حياه.
ووالدي الذى يتألم بشده وحزين أكثر منى، من على سرير المرض بالمستشفى،
أصر أن يحتفل بى، جرحه يئن ولم يلتئم بعد، يخفى دموعه والأنين الصامت ويبتسم من أجلي.
يضمد بضعف جسده وجراح قلبه .
أيامي تمضى وتمضى بلا معنى، ولكن قلبى بقى معلقا بين أسماء عائلتي حين رحلوا لقد كتبتها بالدم لا بالدموع .
ومع ذلك فى عيد ميلادى هذا لم أطلب هديه، طلبت فقط أن يعودوا أو أن ألحق بهم .
الغياب والفقد يؤلمنا والقلب والروح متعبان منهكان والجسد ضعيف لا يقوى على شيء، فلا حياه بعد رحيل الأحبه.
قتلوه على أرض غزة ولكن كانت المفاجأة بأن إسمه خالد وسيبقى خالداً فى ذكراه، خالداً بسيرته العطرة ومحبه الناس له .
سيبقى خالداً وشاهدا على بشاعة المحتل الإسرائيلي البغيض فى رواية تخبر العالم عن حجم الجريمة التى يرتكبها جيش الإحتلال الإسرائيلي فى فلسطين عامة وفى قطاع غزة خاصة .
لم يعد هناك متسع لمزيد من الأحزان
كل شيء يؤلمنا قلوبنا انهكها الحزن والألم وأرواحنا تمزقت من الصرخات وعيوننا جف فيها الدمع ولم نعد نستطع عد الجثث لأقارب وأحبه فقدناهم وكأن الحزن نهرا يجرى دون توقف
فمن يريح قلوبنا ويمنع عنا الأحزان ويقول للأوجاع كفا
خالد عطيه الفليت من مدينة دير البلح رجل مسالم ومدني وعرف بين الناس بالخلق الحميد والإبتسامة الطيبة والترحيب فى كل من قابلة حتى فى عمله أحبه كل سكان المدينه على طيبته وذماته خلقة، خالد أو كما يحب أن يناديه الناس بكنيته الجميلة "أبا الوليد" رجل مدني كباقى سكان مدينه دير البلح، وهو جالس فى منزله اتصل به ضابط جيش الإحتلال الإسرائيلي طالبا منه فى محيط منطقتهم التى يعيش فيها إخبار الناس بمغادرة منازلهم والنزوح نحو مناطق آخرى، فما كان من الشهيد خالد إلا الإمثتال لأوامر الجيش الإسرائيلي كما يفعل الجميع فنحن شعب واقع تحت الإحتلال الإسرائيلي وجبروته .
كان خالد يتحرك من بيت إلى بيت نحو الجيران طارقا جميع الأبواب ليخبرهم بأوامر جيش الإحتلال الإسرائيلي والإخلاء والنزوح من منطقة سكناه في جنوب دير البلح منطقة وادي السلقا بالقرب من منطقة أبو هولي وطريق صلاح الدين، وكانت بالسماء طائرة كوادر كابتر التى يطلقها الإحتلال الإسرائيلي بالأجواء وهى مزودة بمسدس وقنابل وكاميرات حديثة ومكبر صوت وهى تحلق بجهاز تحكم على ارتفاع منخفض ترافق خالد فى تحركاته بالمنطقة لإخبار الجيران بالإخلاء ومغادرة منازلهم وهى طائرة كوادر كابتر يقودها ضابط الإحتلال الإسرائيلي الذى يأمر خالد لمن يذهب من الجيران ومن يبلغ من الجيران بالإخلاء والمغادرة وبعد مرور الوقت وإنتهاء مهمة الضابط فأراد أن يكافيء خالد فقام بتفجير قنبلة فى رأسه مما أصابته إصابة بليغة أدخل على أثرها مستشفى شهداء الأقصى فى وحدة العناية المركزة وبقى فيها أربعة أيام حتى فارق الحياة شهيداً، ليبقى شاهدا على بشاعة المحتل الإسرائيلي فى أرض فلسطين حين يقتل الإنسان على أيادي جنود محتلين يتلاعبون بأرواح الناس وكأنها لعبه ببجي ويستهترون فى أرواح الناس ويقتل الناس وهم مدنيون مسالمون آمنون في منازلهم لا يشكلون أى خطر .
ماذا سيخبر العالم أطفاله الخمسة حين يكبروا ويتساءلوا لماذا قتل بابا خالد ؟
هل سيخبرهم العالم بأنه قتل إشباع لغريزة جندي إسرائيلي حاقد ومريض فى عقلة يقتل المدنيين ويقتل الحجر والبشر والشجر ولا قوانين تحاسبه على جرائمه البشعة وجميع القوانين الدولية تعطلت أمام جرائم هذا المحتل .
هل سنطلب من أطفال فلسطين إحترام المؤسسات الدولية والمعاهدات الإنسانية والقوانين الدولية عندما يكبروا وهم أنفسهم لم تنصفهم تلك القوانين والمعاهدات والمؤسسات، فكيف سيحترم أطفال غزة من كانوا شركاء فى قتلهم وقتل آباءهم.
أيها العالم المتخاذل سوف أخبركم شيئاً وهو أن أطفال فلسطين حين يكبروا ويجدون أنفسهم ضحية الإحتلال الإسرائيلي الذى رفض تحقيق السلام ولا يحترم القوانين والمعاهدات ولا أحد يحاسب الإحتلال الإسرائيلي على جرائمه ويشعر أطفال فلسطين بالظلم الكبير الواقع عليهم بأنهم عاشوا حياه مريرة ومؤلمة سببها لهم الإحتلال الإسرائيلي بقتل عائلاتهم وسلب أوطانهم وحرياتهم دون وجه حق فيبدأ الطفل الصغير حين يكبر بإنتزاع حقه فى وطنه وحقه فى العيش الكريم من خلال مقاومة الإحتلال لينال حقوقه المشروعة والمسلوبه منه منذ عقود.
كل من يساند الإحتلال الإسرائيلي فى جرائمه ويقدم للإحتلال كل سبل الدعم العسكرى واللوجستي ولا يطبق القوانين الدولية ولا يدين جرائمه البشعة فأنتم شركاء فى قتلنا ولن يغفر لكم التاريخ وستلعنكم الأجيال القادمة على تواطؤ تسبب فى قتل الأطفال والنساء والمدنيين وأفلت القاتل المجرم من العقاب، أنتم من يجعل أطفال فلسطين حين يكبروا يفكروا بالإنتقام لأنهم يشعرون بالظلم الكبير الواقع عليهم منذ عقود .
قتلتم خالد ولم تقتلوا تخليد ذكراه بين أبناء شعبه وسكان مدينته، قتلتم خالد وتركتوا خلفة زوجة وخمسة أطفال سوف تروى قصة والدهم لكل العالم لتبقى خالده فى تاريخ شعبنا الفلسطيني وشاهدة على بشاعة المحتل وفضاعتة .
انتم لم تقتلوا خالد فحسب فكل إنسان وكل طفل صغير قتلتموه على أرض غزة بفلسطين سيبقى خالداً وشاهدا على بشاعتكم .
ويبقى السؤال وهو لماذا قتلتم إنسان مدنى مسالم لا يحمل سلاحا لا يشكل خطراً إمثتل لأوامركم ونفذ ما طلبتم منه، فهل نحن نقتل لأننا نسكن قطاع غزة لأننا فلسطينيين فهذا هو المعيار لديكم ؟
انتم أسوء إحتلال عرفته البشريه على مر العصور ولن يأتى من هو أسوء منكم وسيلعنكم التاريخ أنتم وأعوانكم ولن ترحمكم الأجيال القادمة .
والحرية والاستقلال حق لنا ولكل شعوب الأرض، وفلسطين حتما سوف تتحرر، حينها ستنعم أرواح من قتلتموهم بالسلام وستبقى نجوماً تضيء سماء فلسطين .
من الألم الكبير الذى يستوطن الروح حين تكون من المارين بشوارع غزة
وتذهبت للبحث عن غطاء يحميك من برد الشتاء القارص وصقيع البرد منتصف الليل، بعدما أصبح كل شيء من حولك ركام ولم تعد تمتلك شيئا وتبحث هنا وهناك وتفتش بين الركام على أمل أن تجد شيئا، فتجد جمجمة تحت الركام لم تحظى بوداع ذويها ولم تنال أبسط حقوقها بأن تدفن بسلام .
تلك الجمجمة كانت ما تبقى من قمر كان يسكن ذلك البيت وجماجم آخرى
ولكنهم رحلوا ورحلت بصحبتهم الذكريات وكل شيء جميل وتركوا الدفء معهم، حتى الغطاء أصبح حلماً، والعظام ما عادت فى مأمن .
يا الله لقد أستوطن الحزن أرواحنا وأصابنا الألم ، كم هو قاس هذا الواقع المرير
لا تجد فى شوارع غزة إلا الجماجم والعظام التى إختلطت بالركام وتراب الأرض لتصبح طاهرة مباركه، لذلك أرجوكم قبل ان تمشوا فى طرقات غزة إخلعوا نعالكم وتوضأوا قبل أن تسيروا على ترابها ففى كل شبر من تلك الأرض سقط شهيد واختلطت دماؤهم بها لتنبث للأجيال القادمة حرية وإستقلال .
حكايات من الوجع، صمت يزاحم الضجيج
فى قطاع غزة ألف حكاية وجع حين أقول لكم اضطررت ألا أذهب لأى مكان ليس لأنني لا أريد الذهاب بل لأن الأماكن متفرقة ومتباعده وخطيرة جدا فى قطاع غزة فقد سرحت بعيدا وأنا مازلت أجلس فى مكانى، أفكار لا تنتهي،وذاكرة ممتلئة بمشاهد لا يمكن تصورها الطرقات لا تشبه الطرق والمدن تغيرت أصبحت مدن الأشباح فارغة وخاوية على عروشها صاخبة بالموت ومليئة بالذكريات الأليمة، لذلك كان على أن أخرج من خلف جدار خيمتى الرقيق البالى، لربما أصل إلى حيث كنت، حيث أريد العوده لما كان قبل النزوح والعيش فى خيمه، فإني أشتاق لذاتي التي تاهت منى ولم أعد أجدها وأشتاق إلى جدار منزلى الذى تحطم وكل أشيائي التى سلبها منى المحتل البغيض سلب منى ذاتى وذكرياتي .
ولكن ما لم أستطيع الوصول إليها هى نفسي.
وأكثر ما يؤلمني وجعلني عاجز عن الكلام، وعاجز عن التواصل حتى مع عائلتي وأحبتى هو أنهم غاب الكثير منهم عنوة عنى غيبهم بل سلبهم الموت بغته دون إستئدان فكثير منهم قبل برهة من الزمن تلاقينا وتعانقنا وبعد خطوات سمع ذوي إنفجار وفى ضجيج الغبار وصريخ الأطفال وتناثر الأشلاء لم تتضح الصوره وإذ بالخبر يأتينا برحيل فلان وفلان وفلان وتختلط الأسماء وتتوالى الأخبار كالصاعقة على مسامعنا فتتعرق أجسادنا ثم يخيم علينا الصمت وبرد وقشعريرة تصيبنا من هول ما سمعنا ورأينا، وفى ذهول نتساءل معقول فلان الذى عانقني قبل لحظات قد رحل، معقول فلان الذى كان برفقتنا قبل وقت قصير حين كنا نشيع جثامين جيراننا قد رحل ؟ ففى غزة شهيد يودع شهيد وشهيد يحمله شهيد وشهيد يعانق شهيد ففى كل لحظه هناك شهيد ... إنني لم أعد أملك طاقة لأى شيء.
كل ما أفعله هو الصمت فى ضجيج وزحام الأفكار والذكريات وعامود الخيمة يتراقص مع عواصف الشتاء البارد واتصبب عرقا مع حر الصيف الملتهب … أجلس وحدي أحدق جدران خيمتى المهترئة وكأننى أبحث فيها عن إجابات لأسئلة كثيرة، عن هموم أثقلتنا وأرهقت كاهلنا
وشعور بالعجز والخذلان …
ودموع تحجرت فى عيوننا وجفت ولم تعد تسيل والقلب فى أعماق صدورنا ينزف ألما فى صمت حين تريد أن تصرخ ولا تستطيع، حين تريد أن تبكى ولا تخرج الدموع، حين يصبح الصمت هو اللغة الوحيده التى تتقنها وتصرخ بعال الصوت فى أعماقك دون أن يسمعك أحد فلو خرجت تلك الصرخات لزلزلت الأرض من حولنا ولإهتزت أمواج البحر من صداها .
أنهكتنا الحياة والنزوح من مكان إلى آخر وآخر حتى نسينا عدد المرات التى حملنا فيها خيامنا واغراضنا ونزحنا مشيا على الأقدام حتى تعبت الروح قبل الجسد وتمزقت أحذيتنا وأصبحت النذوب واضحه على أرجلنا وأكتافنا وظهورنا تؤلمنا ولا دواء يشفى الروح وإن داوينا جروح الجسد فمن يداوي ألم الروح .
وفجأه وأنت تسير فى طريق النزوح لا تلتفت خلفك فالسماء ملبدة بطائرات الدرون التى تحمل قنابل ورصاص الموت ويتساقط الناس من أمامك ومن خلفك وكأن القاتل يتلذذ وهو يشاهدنا بتلك الطائرات المسيرة والمزودة بالكاميرات وجندي مريض نفسى لإشباع غريزته الدموية يقرر هذا يموت وذاك يعيش دون أى ذنب تقتل على حسب أهواء جندي مختل عقلى دون حسيب أو رقيب، ومن حين لآخر يعلو سقف القتل فتسمع صوت إنفجار قنبلة أسقطها جندي مختل وسط أسرة نازحة ليقتل عددا من الأطفال والنساء دون أى ذنب يقتلون
والصراخ من حولهم ابتعدوا ابتعدوا وهذا يصرخ وهذا يستغيث وهذا يبكى والكل خائف وآخر ينادي أتصل بالإسعاف لإنقاذ الجرحى
تم تبدأ التساؤلات فسكان المنطقة التى تنزح إليها يعلمون بقدومك ليجدوا لك مكان بقربهم ويتابعون الأخبار وقد وصل الخبر فى لمح البصر "وتأتيك الإتصالات والتساؤلات بيقولوا هناك قصف فى المكان الفلاني"
ومن علموا بقدومك من ذلك الطريق تحديدا يشعر بالقلق وتتوالى الإتصالات، طمئنونا عليكم هل أنتم بخير؟ سمعنا فى قصف عندكم شو صار فى شهداء؟ فى جرحى؟ القصف كبير أو عادى ؟
ويقصدون بذلك السؤال القصف كبير أو عادى؟ بمعنى الشهداء والجرحي عددهم أكثر من خمسين أو أقل فنحن قد إعتدنا على الموت فى كل ساعة.
تم يأتى السؤال الآخر تعرفوا الناس اللى استشهدت؟
ويأتى الجواب الصادم إنهم أشلاء مازالوا غير معروفين
وكأن الموت هنا ليس حدثا طارئا بل حكاية وجع نرويها تتكرر فى يومياتنا.
وفى مجريات المكالمه التى لا تتعدى دقائق معدوده وكلها خوف وإطمئنان يسمع ذوي إنفجار آخر وكأن المجرم يريد التأكد من موت الجميع فى مكان القصف
إنفجار هز المكان مجددا هز أرواحنا وكادت قلوبنا أن تقفز من صدورنا من شده الرعب .
ثم أصوات الصراخ تتعالى مجددا وركض وصراخ .
كلمات تتطاير كالرصاص شهداء أشلاء وجرحى بالعشرات يا رب إرحمنا .
تم يهدأ المكان فى صمت مهيب إحتراما لمن رحلوا ويمشي الجميع فى حذر خوفا من أن تدوس قدماه على أشلاء أحدهم ممن تطايرت أشلائهم بعيدا، إن للشهداء فى غزة قدسية وطهارة ملائكية إنهم يرحلون من أرض غزة نحو السماء مباشرة لتكمل حياتها فى الجنان والفردوس لذلك الكل يمشي بحذر .
وتبكى النساء والأطفال ويتهامسون فيما بينهم
"يا حرام، الله يعين أهاليهم كيف سيعيش أطفالهم بعد رحيلهم بصوت تخنقة عبرات الدموع والحسره والألم،
فى تلك اللحظه … أصابني الألم من جديد وصمت أبلغ من الكلام .
صمت مطبق يشبه الموت المؤجل وكأننى أخاطب نفسي التائهة قد حان دورى بالموت، وكأن روحى تراجعت خطوة للخلف لتنجو من المشهد ولكنها بشكل مؤقت ليس أكثر .
فأنا لست خائف من الموت فربما بالموت شيء من الراحة من عذابات الحياه التى نعيشها وفى كل يوم نموت مئات المرات مما نعاني .
وتتلعتم الحروف فى داخلى وتتزاحم الكلمات فى حلقى لا تريد أن تخرج كى لا يسمعها أحد ويتعالي ضجيجها فى صمت لا يسمعه إلا أنا كمن يتعلم الكلام من جديد ويخطيء ويعيد ولكن الحقيقة هى زحمة الحروف لكلمات الألم والحزن والخوف واليأس والموت جميعها تلعتمت فى داخلى وتأرجحت على أحبالى الصوتية وعادت تختبىء فى أعماق قلبى وحنايا روحى ولا تريد أن تخرج لألا يزداد خوفا من هم حولى فهم يتشبتون بى ويظنون أننى أقوى منهم ويستندون على فلا أريد أن أخذلهم حين يشاهدون ضعفى وخوفى فأنا مثلهم خائف حزين وأنتظر قدرى
فى صمت مطبق .
صمت يزاحم الضجيج فى أعماق روحى ويئن بشده،
كلما أحدث نفسى أن النهايه إقتربت وأن شعاع من النور والأمل يلوح فى الأفق، ثم يعود ويخيم الظلام علينا مجددا .
حين يعود شبح الموت من جديد لا يكتفى بما سلبة منا من الأهل والأقارب والجيران الأحبه، يعود ليأخذ أكثر.
قتل ورعب وخوف وجوع وغلاء واحتكار ونفاق واستغلال وكذب وأمراض ونار بلا حطب ودخان النار إمتلأت صدورنا به أنهكتنا وقوارض استوطنت خيامنا حيث لا كهرباء ولا ماء ولا دواء وكل شيء من حولنا ملوث حتى الهواء مليء بغبار مواد كيميائية مسرطنه من شده ما سقط علينا من قنابل نصيب الفرد الواحد فى قطاع غزة منها خمسين كيلو متفجرات لقد سقطت ملايين الأطنان من المتفجرات على رؤوسنا خلال ثلاثة سنوات من الحرب والإبادة الجماعية وشعوب العالم تساندنا وتقف بجانبنا وتتضامن معنا لوقف تلك الجرائم ولكن الخذلان من أصحاب القرار حين يفلت المجرم الإسرائيلي من العقاب مرات ومرات .
وأخبار فى كل الأوقات لا تحمل إلا الأحزان .
الكل يرتقب لعل هناك خبر سار لعل هناك بصيص من الأمل لعل حروف كلمة " الألم" تتبدل لتصبح "الأمل" ولكن بلا جدوى الأسواق فارغة من الأشياء الضرورية ومعابر مغلقة
وآلاف المرضى ينتظرون السماح لهم بالسفر بحثا عن العلاج وتسكين أوجاعهم التى تئن حتى تعب الأنين من صاحبها وجع بلا نهايه.
كلنا متعبين كيف ذلك فلا تسألنى فما عدت أستطيع الوصف لكم وما أعرفه أننى متعب وبشده.
كل أجزائي متعبه وحنايا روحى متعبه
تعبت حتى أننى ما عدت قادرا على وصف ما أشعر به
من تعب وكل شيء فى داخلى متعب ومحطم .
لى أمنية واحده هى أن تنتهى هذه الحرب اللعينة أن تنتهى فعلا وألا تعود، تنتهى إلى الأبد وأستعيد ذاتى وذكرياتى المفقوده .
