مرثية التوازن المفقود في فتح

تابعنا على:   15:00 2026-06-12

د. عبد الرحيم جاموس

أمد/ يا فتح...
أما تعبتِ من وجع الأسئلة؟
أما أثقلتكِ وجوه الذين أفنوا أعمارهم في دروبكِ، ثم عادوا من أبواب المؤتمر غرباء...؟
أما رأيتِ ظلال المخيمات وهي تبحث عن نفسها في خرائط القيادة الجديدة، فلا تجد إلا أسماءً، وتجد مقاعد، وتجد أرقاماً، ولا تجد الوطن الذي كان يتسع للجميع؟
يا فتح...
كيف يضيق البيت بأهله؟
وكيف تضيق الحركة بصناع تاريخها، وبحملة فكرتها، وبالذين حملوها على أكتاف المنافي عندما لم يكن لها إلا الحلم سلاحاً، والإيمان طريقاً، وفلسطين موعداً لا يخلف؟
أين الخارج؟
أين الذين كتبوا اسم فلسطين على جدران اللجوء؟ أين الذين حرسوا الرواية في المنافي البعيدة؟ أين الذين حملوا الراية في وجه النسيان، وفي وجه مشاريع التذويب والاقتلاع، وحافظوا على جذوة الانتماء متقدة في القلوب جيلاً بعد جيل؟
كيف غابوا جميعاً أو كادوا، عن صورة المشهد؟
وكيف أصبحت الجغرافيا أقوى من التاريخ؟ وأقوى من التضحيات؟ وأقوى من الكفاءة والاستحقاق؟
يا فتح...
لم تكوني يوماً حركة الداخل وحده، ولا حركة الخارج وحده.
كنتِ حكاية الفلسطيني حيثما كان.
في الوطن... وفي المنفى.
في المخيم... وفي المدينة.
في الخندق... وفي الجامعة.
في ساحة الاشتباك... وفي ساحة الفكر.
وكانت عظمتكِ أن الجميع كان يرى نفسه فيكِ، ويجد مكانه تحت رايتكِ.
أما اليوم...
فثمة من ينظر إلى النتائج فيجد تمثيلاً، وينظر إلى الروح فيجد غياباً.
وينظر إلى الأسماء فيجد حضوراً، وينظر إلى المعنى فيجد فراغاً.
فليست القضية كم فاز هذا أو ذاك، ولا كم مقعداً ذهبت هنا أو هناك.
بل القضية أن صوتاً كاملاً قد خفت، وأن ساحات كاملة تشعر بأنها أُبعدت عن الطاولة.
وأن كفاءات وخبرات ومثقفين ومفكرين ومناضلين أصبحوا خارج الصورة في لحظة كانت الحركة أحوج ما تكون إليهم.
يا فتح...
متى أصبح الفكر عبئاً؟
ومتى أصبحت الخبرة تفصيلاً هامشياً؟
ومتى صار المثقف ضيفاً ثقيلاً في حركة أنجبت كبار المفكرين، وصاغت وعياً وطنياً أضاء دروب الفلسطينيين لعقود؟
كيف لحركة قادت شعباً بأكمله أن تستغني عن عقول أبنائها؟
وكيف لمن صنعوا التجربة أن يتحولوا إلى شهود عليها من مقاعد المتفرجين؟
يا فتح...
الأمم لا تبنى بالتصفيق، ولا الحركات الكبرى تُقاس بعدد المنتصرين في الانتخابات.
بل تُقاس بقدرتها على احتضان جميع أبنائها.
وعلى تحويل التنوع إلى قوة، والاختلاف إلى إثراء، والكفاءة إلى معيار.
أما حين يصبح الموقع أهم من الفكرة، والولاء أهم من الكفاءة، والاصطفاف أهم من التاريخ،
فإن الخسارة لا تكون خسارة أفراد.
بل خسارة مشروع بأكمله.
يا فتح...
ليس موجعاً أن يخسر المرء موقعاً، فالمواقع زائلة.
ولا أن تغيب أسماء وتحضر أسماء، فذلك شأن كل انتخابات.
لكن الموجع حقاً...
أن تغيب الفكرة التي قامت عليها الحركة.
أن يشعر ابن المخيم البعيد أن صوته لم يعد مسموعاً.
وأن يشعر مناضل الخارج أن سنوات عمره الطويلة أصبحت مجرد ذكرى جميلة في أرشيف الحركة.
وأن يشعر المثقف والمفكر والكادر الوطني أن المعرفة لم تعد طريقاً إلى القيادة.
وأن التجربة لم تعد معياراً للتقدير.
وأن الكفاءة باتت تقف على أبواب التنظيم تستأذن... فلا يؤذن لها.
يا فتح...
لقد كنتِ أكبر من الجهات، وأكبر من الأقاليم، وأكبر من الحسابات الضيقة.
كنتِ فلسطين كلها...
فلا تسمحي لأحد أن يجعلها أصغر من فلسطين.
ولا تسمحي لنتائج عابرة أن تبني جدراناً بين أبناء البيت الواحد.
فالحركة التي لا تسمع أصوات أبنائها في الخارج، تفقد جزءاً من ذاكرتها.
والحركة التي تهمش مثقفيها ومفكريها، تفقد جزءاً من عقلها.
والحركة التي لا تفسح المجال لكفاءاتها وخبراتها، تفقد جزءاً من مستقبلها.
يا فتح...
ما زال الوقت متاحاً لترميم ما انكسر.
ولإعادة الاعتبار لمن غُيّبوا لا لأنهم أقل عطاءً، بل لأن موازين اللحظة لم تنصفهم.
ما زال الوقت متاحاً كي يعود الخارج شريكاً لا متفرجاً.
وكي يعود المثقف صاحب رأي لا مجرد شاهد.
وكي تعود الكفاءة باباً للقيادة لا ضيفاً عابراً عليها.
فالحركة التي أنجبت الشهداء، وأنجبت القادة، وأنجبت الشعراء والمفكرين والمناضلين،
أكبر من أن تُختزل في معادلة انتخابية عابرة.
وأكبر من أن تسمح لجراح الإقصاء أن تكبر في جسدها.
نعاتبكِ لأننا نحبكِ.
وننتقدكِ لأننا نخاف عليكِ.
ونطالبكِ بالتوازن لأننا نريدكِ كما عرفناكِ دائماً...
وطنًا يتسع للجميع.
وروحاً تجمع الجميع.
وفلسطيناً صغيرة تسكن فلسطين الكبرى.
فروح فتح كانت دائماً...
أكبر من الجميع.

اخر الأخبار