ابتكار الضرورة وسوسيولوجيا البقاء: إعادة صياغة العادات المعيشية والمهنية في قطاع غزة

تابعنا على:   16:25 2026-06-12

د. سلامه ابو زعيتر

أمد/ لا تمثل الحروب والأزمات الكبرى مجرد انقطاع عابر في السياق السياسي أو الأمني للمجتمعات، بل هي هزات بنيوية عنيفة تضرب في عمق "الهوية السلوكية"، وتفكك العادات اليومية التي استقرت لقرون كبديهيات معيشية لا تحتمل النقاش. والمراقب لآخر المستجدات حول العادات الاجتماعية في قطاع غزة، يجد أن هناك أنماطاً سلوكية تجددت وانبعثت من جديد رغم اندثارها منذ سنوات طويلة، لتغدو جزءاً أصيلاً من الهوية الاجتماعية الراهنة.
وتُشكل هذه العادات المتجددة أبرز الإفرازات السوسيولوجية التي أنتجتها الحرب المستعرة منذ السابع من أكتوبر في قطاع غزة؛ حيث واجه المجتمع نمطاً غير مسبوق من النزوح القسري المتكرر، والعيش تحت وطأة الحصار الشامل، والافتقار التام لمقومات البنية التحتية الأساسية من كهرباء، ومياه، وغاز طهي, واتصالات.
هذا الواقع الاستثنائي أنتج سياقاً سوسيولوجياً يمكن تسميته بـ "ابتكار الضرورة"؛ حيث تحوّل الفعل اليومي البسيط من ممارسة آلية مريحة إلى معركة معقدة للبقاء. ولم يستسلم النازحون لغياب الطاقة والأجهزة الكهربائية الحديثة التي تعتمد عليها الحياة المعاصرة كالثلاجات والغسالات، بل خلقوا "نظاماً بيئياً بديلاً" أعادوا من خلاله صياغة عاداتهم المتعلقة بالغذاء، والكساء، والنظافة، والخصوصية، متجاوزين أدوات العصر الحديث نحو استدعاء وسائل بدائية جرى تطويعها بذكاء جمعي حاد. وسنتناول أبرز هذه التحولات شيوعاً عبر المحاور التالية:
المحور الأول: سوسيولوجيا الغذاء وتحدي "الإنقاذ اللحظي"
ارتبط هذا المحور ببدائل الغذاء مع انقراض التبريد وسيطرة "المعلبات". لقد شكل غياب التيار الكهربائي الشامل، وتوقف الثلاجات عن العمل، الصدمة الأولى لمنظومة الأمن الغذائي اليومي للأسرة الغزية. وترتب على ذلك تحول جذري في الثقافة الغذائية تمثل في تلاشي ثقافة "الطعام البايت"؛ إذ انتهت تماماً عادة طبخ كميات تكفي لأيام عدة، واستُبدلت بنظام "الوجبة اللحظية" التي تُطهى وتُستهلك فوراً في نفس الساعة، تلافياً للتلف والتعفن السريع الذي يفرضه طقس الصيف الحار داخل الخيام.
ومع طول أمد الأزمة، تحولت المعلبات (كالفول، والتونة، والحمص) من خيارات ثانوية للطوارئ إلى أطباق رئيسية ومحورية؛ وهنا ابتكرت العائلات ثقافة "إعادة تدوير المعلبات" عبر خلطها ومزجها وتطعيمها ببدائل شحيحة (كالخضار الورقية أو التوابل المتوفرة) لإضفاء نكهة "الطبخ المنزلي" الدافئ عليها. كما أُعيدت صياغة أساليب تخزين الطعام عبر استدعاء تقنيات تراثية قديمة كالتمليح المكثف (للحوم والجبن)، أو التجفيف تحت أشعة الشمس (كالخضروات)، أو استخدام الأواني الفخارية (الزير والمغارة)، ولف الأواني بقطع قماشية أو قطنية مبللة بالماء لحفظ برودتها نسبياً عبر التبريد بالتبخير.
المحور الثاني: الارتداد القسري إلى المطابخ البدائية وتطويع النار
أدى الانقطاع الكلي لغاز الطهي إلى تراجع قسري في أدوات التطور البشري، مبرزاً عادات يومية شاقة ارتبطت بالنار والرماد. ولقد تحول البحث عن الوقود الحيوي (الأخشاب، أوراق الكرتون، مخلفات البلاستيك، وركام المنازل المستهدفة) إلى وظيفة يومية أساسية يتقاسمها الرجال والأطفال، وصار تأمين الحطب معياراً لقدرة الأسرة على تأمين قوتها وصمودها.
وشهدت المخيمات ومراكز الإيواء انتشاراً واسعاً لمهارات بناء أفران الطين البدائية، واستخدام "الكانون" المصنوع من أسياخ الحديد وعلب الصفيح الفارغة. ولم يتوقف الأمر عند حدود الأداة، بل تعداه إلى إعادة صياغة الوعي بالوقت ونوع الغذاء؛ إذ صممت الأسر قائمة طعامها بناءً على معيار "زمن النضج والطهي"، فتجنبت الأكلات التي تتطلب وقتاً طويلاً على النار توفيراً للحطب، وحلت محلها وجبات سريعة النضج. كما ظهر نمط "الطهي ثنائي المرحلة"؛ حيث تبدأ الأسرة الطهي على موقد الخيمة الصغير، ثم تستكمل العملية (كتحمير الصواني أو الخبز) عند فرّان مجتمعي يخبز مقابل مادي أو عيني، مما خلق نمطاً اقتصادياً وتكافلياً جديداً.
المحور الثالث: سوسيولوجيا المظهر وذوبان الفوارق الطبقية
في الظروف الطبيعية، يمثل اللباس أداة للتعبير عن المكانة الاجتماعية، والوظيفة، والذوق الشخصي؛ إلا أن ظروف النزوح والسكن في الخيام أحدثت اختزالاً جذرياً في خزانة الملابس والمظهر العام، محولة إياها إلى أدوات للستر والجاهزية البدنية المحضة.
• على صعيد الرجال: انقرضت الملابس الرسمية تماماً؛ ومع تعطل المؤسسات والجامعات، غابت "البدلة" والقميص الرسمي من المشهد، وحلت محلها الملابس الرياضية (الترنجات) كزي موحد عابر للطبقات والمكانة العلمية والاجتماعية، فترى الطبيب، والأكاديمي، والمهندس، والعامل يرتدون الزي نفسه، نظراً لمرونته وقدرته العالية على تحمل الجلوس على الأرض وسط الغبار والرماد. كما أدى غياب الكهرباء إلى "موت المكواة"، فبات الناس يتجنبون الأقمشة القطنية أو الكتان التي تتجعد بسرعة، واعتمدوا كلياً على أقمشة "الليكرا" والبوليستر التي تحافظ على مظهر مقبول دون حاجة للكي.
• على صعيد النساء: ساد "ثوب الصلاة" (الإسدال) كزي رسمي ويومي دائم داخل المخيم وخارجه؛ وتميز هذا الزي بكونه ساتراً، فضفاضاً، وسريع الارتداء في ثوانٍ معدودة، مما يمنح المرأة جهوزية دائمة لأي إخلاء اضطراري أو قصف مفاجئ. ووصل الأمر إلى تحول سلوكي حرج ومؤلم، وهو لجوء الكثير من النساء للنوم بكامل لباسهن الشرعي طوال الليل تحسباً للطوارئ.
• الأحذية: طال هذا التحول الأحذية أيضاً؛ إذ تلاشت الأحذية الرسمية وأحذية الكعب العالي، واستُبدلت بـ "الحذاء الرياضي" (البوت) الواسع الذي يعين على المشي مسافات طويلة وسط الركام والوحل، أو "الشبشب البلاستيكي" لسهولة الحركة اليومية وسرعة خلع ارتدائه عند الميضأة وحمامات مراكز الإيواء.
المحور الرابع: إدارة الشُّح المائي والتعايش البيئي القسري
أمام الشح الحاد في المياه ومساحيق التنظيف، وغياب الغسالة الكهربائية، صاغ النازحون منظومة حذرة وصارمة لإدارة النظافة الشخصية؛ فتحول غسيل الملابس إلى مجهود بدني مضنٍ باستخدام "الطشوت البلاستيكية"، وابتكرت النساء نظاماً دقيقاً لإعادة تدوير المياه واستخدامها عبر مستويات تدرجية متسلسلة: فالماء النظيف المستخدم لشطف الملابس المعاد غسلها، يُعاد استخدامه لغسل ملابس أخرى أكثر اتساخاً، لينتهي به المطاف كأداة لتنظيف أرضية الخيمة أو سكبها في المراحيض المشتركة. كما أصبح الاستحمام مقنناً للغاية، ويخضع لجدولة أسرية صارمة واستهلاك شحيح يُدار بـ "الإبريق" لتقليل الهدر.
وفي ظل تراكم النفايات وانعدام وسائل الحماية التقليدية (كالشبابيك والمبيدات الحشرية)، فرض الواقع عادات تكييفية جديدة للتعايش مع الحشرات والقوارض صيفاً وشتاءً؛ مثل الاستخدام الدائم للناموسيات، وإشعال ورق الكرتون لطرد البعوض بالدخان، وتعليق أكياس المياه الشفافة لطرد الذباب (عبر تشتيت الضوء)، ورفع أكياس الطعام وتعليقها بحبال في سقف الخيمة لتجنب القوارض والفئران. كما حدثت عودة مكثفة نحو الطب البديل والتداوي بالأعشاب (كالميرمية، والبابونج، والشيح) كخط دفاع أول لمواجهة النزلات المعوية والأمراض الجلدية الناتجة عن تلوث البيئة المحيطة وغياب الرعاية الطبية.
المحور الخامس: تلاشي الخصوصية ومأسسة "ثقافة الطابور"
أعادت الخيمة ومركز الإيواء تعريف الخصوصية والمساحة الشخصية؛ فانعدام الجدران واستبدالها بالشوادر والقماش جعل حياة العائلات الممتدة مكشوفة تماماً لبعضها وللجيران. وهنا ولدت عادة "صوت الهمس" كآلية دفاعية في الأحاديث العائلية الخاصة، واستخدام الشراشف البالية كقواطع وهمية لتقسيم الخيمة الواحدة إلى "غرف" افتراضية. وفي المقابل، طوّر المجتمع منظومة قيمية موازية تعتمد على "أمانة صون الكرامة"، والتي تتجلى في غض البصر الصارم تجاه خيام الجيران، والستر التام على أصواتهم وتفاصيل حياتهم كإجراء أخلاقي لتعويض غياب الجدران الخرسانية.
بالتوازي مع ذلك، جرت مأسسة "ثقافة الطابور" كجزء بنيوي من السلوك اليومي: طابور مياه الشرب، طابور الحمام المشترك، طابور المساعدات والطحين، وطابور شحن الهواتف عبر لوحات الطاقة الشمسية. ولم يعد هذا الطابور مكاناً للانتظار السلبي فحسب، بل تحول إلى "فضاء اجتماعي تفاعلي" يومي لتبادل الأخبار، والتفريغ النفسي، والمواساة الجماعية. ونشأت من خلاله شبكة علاقات إنسانية جديدة تُعرف بـ "رفقة الطابور" أو "رفقة التنقل"؛ حيث يقضي المواطنون ساعات طويلة في النقل البديل أو مشياً على الأقدام بين المحافظات والمناطق، يتبادلون فيها أطراف الحديث الذي يبدأ بالهم المشترك وينتهي أحياناً بنسج علاقات إنسانية ممتدة وروابط مصاهرة ونسب.
المحور السادس: سوسيولوجيا التواصل الرقمي وعولمة البقاء
على الرغم من الارتداد السلوكي نحو أدوات بدائية لحل مشكلات الغذاء والطهي، إلا أن المجتمع الغزي أظهر تمسكاً استثنائياً بأدوات الحداثة الرقمية، حيث تحول الهاتف الذكي والإنترنت من أداة ترفيهية أو تواصلية عادية إلى "شريان بقاء وجودي" لإدارة الأزمة. وتجلت هذه العادة الجديدة في الاستماتة الجماعية للبقاء على اتصال بالعالم الرقمي؛ فتحول البحث عن إشارات التغطية وشبكات "الـ e-SIM" فوق تلال الركام وأسطح المنازل المهددة إلى طقس يومي محفوف بالمخاطر. ولم يعد الهاتف أداة للاطمئنان على الأقارب فحسب، بل غدا وسيلة حيوية لتتبع خرائط النزوح الآمنة، والتحقق من روابط المساعدات، وإدارة منصات الإغاثة والتبرع الرقمي، وتسوق عبر المحفظة الالكترونية ودفع ثمن السلع والموصلات مما خلق حالة فريدة من "التكيّف السيبراني الموازي" لواقع العزلة المادية الفادحة.
المحور السابع: تحول الأدوار الأسرية والديناميات الجندرية
أحدث النزوح القسري وهدم البيوت الخرسانية زلزالاً صامتاً في "بنية الأدوار التقليدية" داخل الأسرة الغزية. ففي مجتمع الخيمة ومركز الإيواء، تلاشت المراتب التقليدية لصالح "توزيع وظيفي طارئ" يفرضه واقع الصمود. فالرجل الذي كان يمثل دور "المعيل المالي والمهني" في الظروف الطبيعية، وجد نفسه قسراً بلا وظيفة رسمية، ليعاد صياغة دوره اليومي نحو المهام البدنية الشاقة كجلب الحطب والمياه، والوقوف لساعات طويلة في الطوابير المتعددة. وفي المقابل، برزت المرأة كـ "مديرة أزمة وجودية" بامتياز؛ فإليها أوكلت مهمة إدارة الموارد الشحيحة داخل المساحة الضيقة للخيمة، بدءاً من هندسة تدوير المياه، وابتكار الوجبات الغذائية من المعلبات، وصولاً إلى لعب دور الحاضن النفسي لحماية تماسك الأطفال والحد من آثار الصدمات العصبية المتتالية.
المحور الثامن: أنماط الزواج الجديدة بين "زواج السترة" وثبات الطقوس
امتدت يد "إعادة الصياغة البنيوية" لتطال أعمق العلاقات الاجتماعية كفاءة؛ وهي منظومة المصاهرة وبناء الأسرة، مبرزة انقساماً سوسيولوجياً لافتاً في أنماط الزواج تمليه الجغرافيا وظروف النزوح:
• نمط "زواج الخيمة والسترة": فرض واقع اللجوء وشح الإمكانيات نمطاً طارئاً من الزواج بين فئة الشباب النازحين، يقوم على اختزال جذري للمظاهر والتكاليف. لقد تلاشت الصالات الفارهة، والولائم الضخمة، والجهوزية السكنية المسبقة، وحل محلها "بيت الخيمة" القماشي بأقل المقومات المادية المتاحة. وترافق هذا النمط مع إعادة صياغة لمنظومة المهور؛ حيث حدث خفض طوعي وجماعي لقيمة المهر والطلب المادي، مغلّباً قيمة "السترة" والتماسك الإنساني وتأسيس النواة الأسرية لمواجهة الفناء، ليتحول الزواج من صيغته الاحتفالية التقليدية إلى فعل تضامني وجودي.
• نمط "الاستمرارية السلوكية وطقوس ما قبل الحرب": في المقابل، يلاحظ المراقب وجود جيوب اجتماعية متمسكة بالطقوس والمراسيم السابقة للزواج، وتظهر هذه النزعة بوضوح في المناطق أو الأحياء الشبه مستقرة التي لم يتعرض قاطنوها لدوامة النزوح المباشر. هذا التمسك بإتمام الزواج وفق المعايير القديمة (رغم الحصار والشح) يُحلل سوسيولوجياً كآلية دفاعية تسمى "المقاومة الثقافية"؛ حيث يستمسك الأفراد بالطقوس المألوفة كأداة لرفض التشويه البنيوي الذي تفرضه الحرب، ومحاولة بائسة وصامدة لاستعادة الإحساس بالحياة الطبيعية والسيادة على المصير الشخصي.
المحور التاسع: سوسيولوجيا المهن الناشئة واقتصاد البقاء
لم تتوقف عملية "إعادة الصياغة البنيوية" عند حدود العادات المعيشية والمنزلية، بل امتدت لتُحدث تحولاً جذرياً في الهيكل المهني والنشاط الاقتصادي داخل قطاع غزة. فمع الانهيار التام للاقتصاد الرسمي وتعطل الوظائف، برزت إلى السطح "مهن طارئة" ولدت من رحم المعاناة لتلبية احتياجات النظام البيئي البديل، وتحولت من مجرد مبادرات فردية إلى قطاعات تشغيلية حيوية، ومن أبرزها:
• خبراء صيانة "بوابير الكاز" التراثية: في مشهد يمثل ارتداداً تاريخياً كاملاً، انبعثت مهنة "مصلح بوابير الكاز" من مرقدها بعد عقود من الاندثار. ومع الشح البالغ لغاز الطهي وارتفاع أسعار الحطب، بحثت الأسر في خبايا البيوت القديمة والركام عن "البابور" النحاسي التقليدي. وبرز حرفيون متخصصون في صيانة هذه البوابير، وتنظيف "الفونات"، وتصنيع نكاشات الإبر يدوياً، وتوفير بدائل للمضخات، ليتحول "البابور" بصوته الهادر من قطعة تراثية إلى شريان طاقة منزلي لا غنى عنه.
• ممهنو "الغسيل البديل بالقطعة": أمام المشقة البدنية الهائلة لغسيل الملابس يدوياً، ونظراً لغياب المياه الصالحة للاستخدام والكهرباء، ولدت مهنة "الغسيل بالقطعة" كخدمة مجتمعية فرضها واقع النزوح؛ حيث استغلت بعض العائلات (خاصة النساء اللواتي يمتلكن وصولاً نسبياً لمصدر مياه أو ممن يمتلكن طاقة بدنية) هذه الحاجة، ليتحول غسل ملابس الآخرين باليد مقابل أجر مادي أو مقايضته بمواد تموينية إلى مصدر دخل أساسي يعكس مأسسة الخدمة المنزلية الشاقة كحرفة تجارية فرضتها ظروف مراكز الإيواء.
• صنّاع ومطورو أدوات الطهي البدائية: شهد القطاع ولادة مهنة "بناء أفران الطين" المتنقلة والثابتة، وتدوير مخلفات الصفيح والحديد لصناعة "الكوانين" ومواقد الحطب المبتكرة التي تعمل بالمراوح اليدوية أو طاقة البطاريات الصغيرة.
• عمال طحن الحبوب البديل والفرّامين: تحول بعض الأفراد الذين امتلكوا خلايا طاقة شمسية أو مولدات متهالكة إلى فتح "نقاط طحن مجتمعية" لطحن القمح والشعير، وحتى أعلاف الحيوانات في فترات الشح الحاد، فضلاً عن مهنة "الفرّان المجتمعي" الذي يُدير فرناً طينياً كبيراً لخبز وتحمير الأطعمة للنازحين مقابل أجر مادي أو عيني.
• مستخرجو ومنقبو الطاقة (شحن الهواتف وبدائل الليثيوم): برزت مهنة "مستثمر الطاقة الشمسية الصغير"، حيث تحولت ألواح الطاقة فوق ركام المنازل أو أطراف الخيام إلى "محطات شحن عامة" للهواتف والبطاريات، وغدت هذه النقاط فضاءً للتجمع والتواصل الاجتماعي اليومي.
• الحِرف التدويرية والتصليح التكيفي: نظراً لانعدام دخول البضائع والملابس الجديدة، انتعشت مهنة "الخياطة التدويرية" لإعادة تحويل الأغطية والشراشف القديمة إلى ملابس للأطفال، بالإضافة إلى الازدهار غير المسبوق لمهنة "الإسكافي" (تصليح الأحذية) لإطالة عمر "البوت الرياضي" أو "الشبشب البلاستيكي" الذي أصبح شريان الحركة الأساسي للنازح.
إن هذه المهن الناشئة لا تُعبر عن رغبة في الربح الرأسمالي التقليدي، بل هي ميكانيزم دفاعي جماعي ومأسسة لـ "اقتصاد صمود" يهدف إلى تدوير الموارد الشحيحة واستمرار الحياة بأقل المقومات المتاحة.
ختاماً، إن تحول العادات اليومية والمعيشية في قطاع غزة يثبت أن المجتمع لم يعش حالة شلل سلوكي أو استسلام بنيوي، بل خاض عملية "إعادة صياغة ديناميكية للمعيشة". ومع ذلك، يجب ألا يُفهم هذا التكيف الجمعي والذكاء العابر للأزمات على أنه رفاهية اختيار أو مرونة مجردة؛ فمنظور علم الاجتماع يفرض علينا الاعتراف بالثمن النفس-اجتماعي والإنهاك السلوكي الباهظ الذي يدفعه الإنسان الغزي. إن الارتداد القسري نحو الوسائل البدائية، وتبدل موازين الأدوار الأسرية، والعيش المعلق في الطوابير، وتجريد طقوس الفرح والزواج من بهجتها، يمثل ضغطاً مستمراً على المخزون العاطفي والصبر البشري.
وبرغم بروز بعض الفئات المنتفعة من الحرب (كبعض تجار الأزمات والمبادرين المستغلين)، إلا أنها تظل فئات معزولة وهامشية لا تعكس جوهر المجتمع وعاداته المتأصلة والجديدة. إن هذه الحرب، بكل ما خلّفته من مآسي وفقد، تمثل ملحمة بقاء يومية صامتة، تكمن قوتها الكبرى في قدرة الإنسان الغزي العجيبة على تطويع الأدوات البدائية لخدمة متطلبات الحياة والكرامة في القرن الحادي والعشرين، متسلحاً بالصبر اللامتناهي والأمل في استعادة حياته الطبيعية التي كانت يوماً ما... بديهية.

اخر الأخبار