قطاع غزة في زمن الضباب: نحو رؤية وطنية للخروج من المأزق

تابعنا على:   22:53 2026-06-07

د. أحمد يوسف

أمد/ "ما بين ركام الحرب وغموض اليوم التالي، تبقى الحاجة إلى رؤية وطنية جامعة هي البوصلة الوحيدة القادرة على إنقاذ غزة وفلسطين من دوامة التيه والانقسام."

لم يعد السؤال الفلسطيني اليوم: متى تنتهي الحرب؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا وإرباكًا: ماذا بعد؟ وما الذي تحمله إطلالات "اليوم التالي" لقطاع غزة وللقضية الفلسطينية برمتها؟ وهل هناك بالفعل ضوء في نهاية النفق، أم أن النهاية ليست سوى نفق آخر أكثر ظلمة وقسوة مما عرفناه خلال الأشهر الماضية؟
الحالة الضبابية والغموض وفقدان البوصلة باتت السمة الأبرز للمشهد الفلسطيني الراهن، سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية. فالكل يتحدث عن المستقبل، لكن أحدًا لا يملك صورة واضحة لما يمكن أن يكون عليه هذا المستقبل. والكل يتحدث عن ترتيبات اليوم التالي، لكن الطريق إليه ما زال مليئًا بالعقبات والأسئلة المفتوحة والاحتمالات المتناقضة.
في غزة، لا تزال آثار حرب الإبادة التي تعرض لها القطاع حاضرة في كل زاوية من زوايا الحياة. عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، أحياء مدمرة، بنية تحتية منهارة، ومجتمع مثقل بأعباء الفقد والنزوح والجوع والخوف. أما في الضفة الغربية، فإن التوسع الاستيطاني، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، وتراجع فرص الحل السياسي، تجعل المشهد الفلسطيني العام أكثر تعقيدًا وغموضًا.
ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه الفلسطينيين اليوم لا يتمثل فقط في وقف الحرب، بل في القدرة على بناء تصور واقعي لما بعدها. فالمعوقات الجوهرية التي تحول دون تثبيت اتفاقات وقف إطلاق النار لا تزال قائمة. فإسرائيل تنظر إلى أي اتفاق باعتباره ترتيبًا أمنيًا مؤقتًا لا مدخلًا إلى حل سياسي، فيما تبقى ملفات الانسحاب، وإدارة القطاع، والإعمار، والسلاح، والمعابر، والمساعدات الإنسانية، ملفات عالقة دون توافق واضح أو ضمانات ملزمة.
كما أن غياب الإرادة الدولية القادرة على فرض الالتزامات على الاحتلال يجعل أي اتفاق هشًا وقابلًا للانهيار في أي لحظة. ولذلك فإن الحديث عن وقف إطلاق النار لا يزال حتى الآن أقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى إنهائها.
أما على المستوى الإنساني، فإن معاناة النازحين في الخيام ما تزال هي العنوان الأكثر حضورًا وإيلامًا. فبعد ما يقارب العامين من النزوح والحرب، أصبحت الأولويات اليومية لمئات الآلاف من الأسر تدور حول كيفية الحصول على الطعام والشراب، وتأمين مأوى يحفظ الكرامة، وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.
ومع التراجع الملحوظ في حجم المساعدات الإغاثية والإنسانية، وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية، تزداد المخاوف من تفاقم الأوضاع الاجتماعية والأمنية. فالفقر والبطالة واليأس والفراغ عوامل قد تفتح الباب أمام مزيد من التفكك المجتمعي وتآكل منظومة القيم والأمن الاجتماعي التي طالما تميز بها المجتمع الفلسطيني.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبرز السؤال المتعلق بمستقبل قطاع غزة في مرحلة ما بعد حكم حماس. والحقيقة أن هذا السؤال لا يمكن مقاربته بعقلية الإقصاء أو الانتقام السياسي. فغزة لا تحتاج إلى استبدال طرف بآخر بقدر ما تحتاج إلى صيغة وطنية جامعة تستطيع إدارة المرحلة الانتقالية، وتوحيد المؤسسات، وإعادة الإعمار، واستعادة ثقة الناس بالمستقبل.
ومن الواضح أن داخل حركة حماس نفسها تدور نقاشات جادة حول الخيارات الممكنة في ضوء المتغيرات الراهنة. ويبدو أن خيار التحول نحو العمل السياسي الحزبي، ضمن رؤية وطنية أوسع وشراكات فلسطينية جامعة، أصبح مطروحًا للنقاش أكثر من أي وقت مضى. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الحركات السياسية كثيرًا ما تعيد تعريف أدوارها وأدواتها عندما تفرض الوقائع الجديدة نفسها على الأرض.
وفي هذا السياق، يبرز أيضًا خيار تعليق العمل العسكري أو إعادة تعريف أدوات المقاومة كأحد الخيارات التي تجد لها مؤيدين داخل المجتمع الفلسطيني. فبعد حجم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب، بات المزاج العام أكثر ميلًا للبحث عن أدوات نضال قادرة على حماية الوجود الفلسطيني ومنع مشاريع التهجير والتطهير العرقي، دون أن يعني ذلك التخلي عن الحقوق الوطنية أو الاستسلام للأمر الواقع.
ولعل تجربة جنوب أفريقيا تقدم نموذجًا يستحق الدراسة والتأمل، حيث لعبت أدوات النضال الشعبي والمقاطعة والعصيان المدني دورًا محوريًا في إسقاط نظام الفصل العنصري، بالتوازي مع الحراك السياسي والدبلوماسي الدولي. وقد يكون من المفيد للفلسطينيين إعادة التفكير في أشكال المقاومة الأكثر قدرة على حشد التأييد الدولي وتعزيز صمود الناس على أرضهم.
أما على المستوى الاستراتيجي، فإن تعثر مشروع حل الدولتين، بفعل الاستيطان وتفتيت الأرض الفلسطينية، يدفع الكثيرين إلى إعادة طرح خيار الدولة الواحدة ثنائية القومية باعتباره إطارًا طويل الأمد لإنهاء الصراع. ورغم ما يحيط بهذا الخيار من تحديات وتعقيدات، فإنه بات يحظى باهتمام متزايد لدى عدد من الباحثين والسياسيين الفلسطينيين والإسرائيليين والدوليين، بوصفه محاولة للبحث عن بديل سياسي يتجاوز الانسداد الحالي.
ومع ذلك، تبقى المخاوف كبيرة وحقيقية. فشبح التهجير القسري ما زال حاضرًا في أذهان الفلسطينيين، كما أن مشاريع الاقتلاع الديمغرافي لم تغب عن حسابات بعض دوائر صنع القرار في إسرائيل. ولذلك فإن الحفاظ على الوجود الفلسطيني فوق أرضه، في غزة والضفة والقدس، يظل المهمة الوطنية الأولى في هذه المرحلة.
في المحصلة، ما تزال الأوضاع بالغة الصعوبة، وما تزال الأسئلة أكبر من الإجابات. لكن وسط هذا الضباب الكثيف، يبقى الأمل معقودًا على قدرة الفلسطينيين على إنتاج رؤية وطنية جديدة، تتجاوز الانقسام، وتستفيد من دروس المرحلة الماضية، وتعيد بناء المشروع الوطني على أسس الشراكة والوحدة والصمود.
فغزة لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار الحجر، بل إلى إعادة بناء الثقة والأمل والقدرة على الحلم. وفلسطين لا تحتاج فقط إلى إدارة أزماتها، بل إلى رؤية وطنية واضحة تعيد توجيه البوصلة نحو الحرية والكرامة والاستقلال.
وربما يكون السؤال الصحيح اليوم ليس: ماذا سيحدث لنا؟ بل: ماذا نستطيع نحن أن نفعل لكي نصنع مستقبلًا أفضل لشعبنا وقضيتنا؟
فالأمم الحية لا تستسلم للضباب، بل تبحث دائمًا عن الطريق الذي يقودها إلى الضوء.

اخر الأخبار