شَرْعَنَةُ إِعْدَامِ الْأَسْرَى: مِنَ الرَّصَاصَةِ الْمَيْدَانِيَّةِ إِلَى الْمَقْصَلَةِ الْقَانُونِيَّةِ..
د. صلاح محمد ابراهيم أبو غالي
أمد/ "إِنَّ التَّصْدِيقُ عَلَى قَانُونِ إِعْدَامِ الْأَسْرَى الْفِلَسْطِينِيِّينَ تَحَوُّلٌ خَطِيرٌ فِي تَشْرِيعِ الْإِبَادَةِ، وَيُمَثِّلُ تَبَنِّيًا لِنَهْجِ الْإِعْدَامِ الْمَيْدَانِيِّ."
في ظل تصاعد خطاب التطرف، يشهد المشهد السياسي الحالي تحولاً دراماتيكيًا يتجاوز حدود الصراع التقليدي نحو "مأسسة الإبادة"..
ويبرز قانون إعدام الأسرى كواجهة لهذا التحول، حيث يتم استبدال المحاكمات العادلة بقرارات تصفية مُسبقة الصنع..
إن هذا التوجه يمثل اعترافًا رسميًا بتبني سياسة الإعدام الميداني، أو القضائي وتأطيرها ضمن نصوص قانونية، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لمواجهة منظومة تشريعية باتت ترى في القتل المنظم حلاً سياسيًا وأداة للقمع الجماعي..
1. السياق والدلالة: مأسسة الجريمة
انتقال الاحتلال من سياسة "الإعدام الميداني" (التي تنفذها الجنود في الشوارع تحت ذرائع أمنية) إلى "التشريع البرلماني" ليس مجرد إجراء إداري، بل هو انتقال من الجريمة الفردية إلى الجريمة المنظمة للدولة.
•الهدف: إعطاء غطاء قانوني "شرعي" أمام المجتمع الإسرائيلي الداخلي لعمليات التصفية الجسدية.
•الرسالة: تحويل القتل من رد فعل لحظي إلى سياسة عقابية ثابتة تستهدف الوجود الفلسطيني.
2. الأبعاد السياسية والقانونية
يمثل هذا القانون، في حال نفاذه وتطبيقه، خرقاً جسيماً لكافة المواثيق الدولية، ويمكن تلخيص خطورته في النقاط التالية:
•مخالفة القانون الدولي: يتصادم القانون مباشرة مع "اتفاقية جنيف الرابعة" التي توفر الحماية للأسرى والمعتقلين في الأراضي المحتلة.
•تكريس نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد): القانون يستهدف فئة عرقية ووطنية محددة (الفلسطينيين)، مما يعزز التوصيف القانوني لإسرائيل كدولة تمارس الفصل العنصري.
•تصفية القضية الوطنية: يسعى الاحتلال من خلال هذا القانون إلى نزع صفة "أسرى حرية" عن المعتقلين وتحويلهم في الوعي الجمعي إلى "مجرمين يستحقون القتل".
3. التداعيات الميدانية والسياسية المتوقعة
لانا نرى بوضوح أن هذا التحول سيؤدي حتماً إلى نتائج عكسية على الأرض:
•تصعيد المقاومة: بدلاً من الردع، قد يدفع هذا القانون المقاومين إلى القتال حتى الاستشهاد لرفض الوقوع في الأسر والمواجهة "القانونية" الميتة سلفاً.
•تعقيد ملف التبادل: سيجعل هذا القانون أي مفاوضات مستقبلية لتبادل الأسرى أكثر تعقيداً، حيث سيتحول الأسرى من أوراق ضغط إلى "محكومين بالإعدام".
•العزلة الدولية: يضع هذا التشريع حلفاء إسرائيل في حرج قانوني وأخلاقي، مما يسهلر ملاحقة قادة الاحتلال أمام محكمة الجنايات الدولية بتهمة "تشريع الإبادة".
4. الرؤية التحليلية (خلاصة الموقف)
إن وصف هذا القانون بأنه "تشريع للإبادة" هو وصف دقيق بنيويّاً؛ فالتصفية الجسدية للمعتقلين هي ركن أساسي في عمليات الإبادة الجماعية.
🔴 الاستنتاج:
إسرائيل لا تبحث عن "العدالة" عبر هذا القانون، بل تبحث عن "الردع بالرعب".
ومع ذلك، فإن التاريخ يثبت أن تحويل منصات القضاء إلى مقاصل للإعدام السياسي لم يؤدِ يوماً إلى استقرار الاحتلال، بل كان دائماً الوقود الذي يشعل الثورات الكبرى.
🔴 خلاصة: إن المعركة اليوم انتقلت من زقاق المخيم إلى أروقة البرلمان (الكنيست)، مما يتطلب استراتيجية فلسطينية ودولية مضادة تركز على "أنسنة" الأسير الفلسطيني وحمايته بقوة القانون الدولي في مواجهة "قانون القوة".
🟩🔚الخاتمـــة:
بعد أن تم اتخاذ قرار إعدام الأسرى الفلسطينيين بالقراءة الثانية والثالثة في الكنيست الإسرائيلي بتاريخ 30 مارس 2026 ، أصبح القرار سارياً بشكله التشريعي، ولكن ذلك لا يعني التنفيذ الفوري للقرار..
🔴 التحركات القادمة (مرحلة ما بعد الإقرار)
انتقلت المعركة الآن من محاولة "منع التشريع" إلى محاولة "إبطاله" عبر المسارات التالية:
•الالتماسات القضائية: أعلنت أحزاب المعارضة ومنظمات حقوقية (مثل مركز عدالة ومؤسسة الضمير) عن نيتها تقديم التماسات للمحكمة العليا الإسرائيلية لإلغاء القانون بدعوى عدم دستوريته وتعارضه مع القانون الدولي.
•التدويل: تسعى السلطة الفلسطينية والمؤسسات الحقوقية حالياً لرفع هذا الملف إلى محكمة الجنايات الدولية ومجلس حقوق الإنسان، معتبرين القانون "شرعنة للقتل" وجزءاً من سياسات الإبادة.
•خلاصة القول: الحملة العالمية لم تنجح في تجميد القانون قبل صدوره، وهو الآن دخل حيز النفاذ قانونيًا، مما يضع حياة الأسرى في خطر داهم وغير مسبوق، ويفتح الباب أمام مواجهة قانونية ودولية جديدة لمحاولة وقف تنفيذه على أرض الواقع.
ولكن، متى يصبح قانون إعدام الأسرى "قابلاً للتنفيذ" فعليًا؟!
حتى لو أُقر القانون ونُشر، فإن تنفيذه يواجه محطات قانونية وإجرائية معقدة:
•المصادقة القضائية: في حال صدر حكم بالإعدام من محكمة عسكرية، يتطلب القانون (في صيغته المقترحة) غالباً موافقة إجماع القضاة، وقد يحتاج الأمر لتصديق من القيادة العسكرية العليا أو المستوى السياسي.
•الطعون أمام المحكمة العليا: من المتوقع فور إقرار قانون كهذا أن تُقدم التماسات ضده أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بدعوى تعارضه مع "قوانين الأساس" أو المواثيق الدولية. هذه الطعون قد توقف العمل بالقانون أو تؤجل تنفيذه لسنوات.
وهنا تثار جملة من التساؤلات التي تؤصِّل لخطورة الموقف، وضرورة القفز فوق الممكن والمستحيل، لإبراز مدى الخطورة والأهمية الكامنة وراء هذا القانون:
"في ظل هذا التحوُّل من 'الرصاصة الميدانية' إلى 'المقصلة القانونية'، هل سينجح الاحتلال في مأسسة 'الرعب' كوسيلة لردع النضال الفلسطيني، أم أن تحويل منصات القضاء إلى ساحات للإعدام سيؤدي -تاريخياً- إلى تجريد الاحتلال من آخر أقنعته القانونية، محولاً الأسرى من 'رهائن قانونيين' إلى 'أيقونات ثورية' تُعجّل بانهيار منظومة الفصل العنصري برمتها؟!
ومع دخول هذا التشريع حيز النفاذ، هل سيظل المجتمع الدولي مكتفياً ببيانات 'القلق' التقليدية، أم أن شرعنة الإعدام ستمثل 'نقطة الانكسار' التي تُجبر المنظومة القانونية العالمية على تجاوز العجز السياسي، والبدء بملاحقة 'التشريع' كأداة للجريمة لا كإطار للعدالة؟!
وختاماً، إذا كان الكنيست قد أقرَّ 'قانون القوة' لإعدام الأجساد، فهل يمتلك الاحتلال الأدوات القانونية أو السياسية لإعدام 'قضية' يمثل الأسرى نخاعها الشوكي، أم أن هذا القانون ليس إلا اعترافاً ضمنياً بفشل كافة المنظومات الأمنية في كسر إرادة التحرر، واللجوء لـ 'المقصلة' كخيار اليائس الأخير؟!"/
