دور ولي العهد محمد بن سلمان في رسم التحول الجيوسياسي للشرق الأوسط الجديد

تابعنا على:   15:07 2026-04-02

عبدالحكيم سليمان وادي

أمد/ مقدمة

على وقع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي اندلعت في 28-2-2026 ودخلت شهرها الثاني، وتزامنًا مع تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضرب المنشآت النفطية والطاقة الإيرانية في السادس من أبريل المقبل إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، انعقد في العاصمة الباكستانية إسلام أباد اجتماع رباعي جمع وزراء خارجية أربع دول إقليمية إسلامية كبرى هي السعودية، مصر، تركيا، وباكستان.

هذا الاجتماع، الذي وصفه الكاتب الإسرائيلي البارز/تسفي برئيل في صحيفة هآرتس، بأنه يمهد لـ"ناتو إسلامي عابر للحدود"، لم يكن مجرد لقاء دبلوماسي عابر. بل كان، وفق تحليلات عدة، محاولة جادة لرسم خريطة طريق إقليمية جديدة، وإعلانًا عن ولادة "شرق أوسط جديد" تتعدد فيه أقطاب القوة، وتتضاءل فيه الهيمنة الأحادية التي طالما تمتعت بها واشنطن في منطقة الشرق الأوسط.

وفي قلب هذا التحول، يقف ولي العهد السعودي الأمير/ محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ،كلاعب محوري وقائد شاب مميز، بل مهندس رئيسي لهذا التغيير الجيوسياسي. فمن خلال رؤيته الاستراتيجية التي ترى في الحرب الحالية "فرصة تاريخية" لإعادة تشكيل المنطقة، ومن خلال تحركاته الدبلوماسية المكثفة لبناء تحالف إقليمي جديد، ومن خلال إعادة تعريف علاقات (المملكة السعودية) مع القوى الدولية والإقليمية، يسعى ولي العهد إلى وضع السعودية في موقع الريادة في الشرق الأوسط الجديد عبر تنويع الشركاء الدوليين الاستراتيجيين والإقليميين.

يتناول هذه المقال تحليل هذا التحول الجيوسياسي من خلال قراءة أبعاد (التحالف الرباعي في إسلام أباد)، ودور ولي العهد/محمد بن سلمان في رسم معالمه، وتداعيات ذلك على موازين القوى في المنطقة عبر المحاور التالية:

المحور الأول: التحالف الرباعي في إسلام أباد – ملامح الشرق الأوسط الجديد

أولاً: باكستان – القوة النووية كحجر أساس.

لعل أكثر ما يميز هذا التحالف هو الدور المحوري الذي تلعبه باكستان، الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي. فاستضافة إسلام أباد لاجتماع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، إلى جانب تأكيد نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار على استعداد بلاده لاستضافة محادثات أمريكية - إيرانية، يضع باكستان في موقع فاعل دولي وسياسي ودبلوماسي لم تحتله من قبل.

حيث تمتلك باكستان اليوم ثلاث أوراق قوة لا تملكها أي دولة إقليمية أخرى تتجلي في الردع النووي الذي يشكل ضمانة استراتيجية لأي تحالف عسكري قد ينبثق عن هذا التنسيق؛ والتمتع بعلاقات متوازنة مع كل من واشنطن (حيث أجرى رئيس أركان الجيش الفريق أول عاصم منير اتصالًا مباشرًا مع الرئيس ترامب) وكذلك مع طهران (حيث أجرى رئيس الوزراء شهباز شريف محادثتين هاتفيتين مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في غضون خمسة أيام). كما تتوفر على اتفاقية دفاع مشترك مع السعودية تم توقيعها في سبتمبر 2025، تنص على اعتبار العدوان على أي منهما عدوانًا على الأخرى.

ثانيًا: تركيا – المحور الدافع والذراع العسكرية

ربما يعتبر ولي العهد السعودي/ محمد بن سلمان والرئيس التركي/ أردوغان، هما العقل المدبر لهذا التنسيق منذ عام 2025، حيث عملت على بناء منصة تعاون منظمة مع باكستان والسعودية، قبل أن تتوسع لتشمل مصر، وبالطبع الدور التركي لا يقتصر على الدبلوماسية فقط، بل يشمل:

-صناعة دفاعية متطورة في مجالات المسيرات والصواريخ، حيث أبرمت تركيا اتفاقية تعاون دفاعي مع مصر بقيمة 350 مليون دولار في فبراير 2026.

-شبكة علاقات واسعة مع أطراف النزاع كافة، مما جعلها طرفًا فاعلًا في الوساطة غير المباشرة بين واشنطن وطهران.

ثالثًا: مصر – العمق العربي والثقل العسكري

مصر، التي تمتلك واحدة من أكبر الجيوش في المنطقة، تعود بقوة إلى لعب دور إقليمي فاعل بعد سنوات من الانكفاء على الملفات الداخلية؛ حيث أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي؛ على ضرورة وضع ترتيبات إقليمية شاملة لتعزيز مفهوم الأمن الجماعي؛ وحضور القاهرة إلى جانب أنقرة تحديدًا يحمل دلالة كبيرة، إذ يشير إلى تجاوز الخلافات السابقة في ليبيا وشرق المتوسط لصالح مواجهة الخطر الوجودي المتمثل في تصاعد الحرب الإقليمية، وتصريحات نتنياهو حول أحلامه في تنفيذ مخطط اسرائيل الكبرى.

رابعًا: أهداف التحالف – بين ردع إيران وتأمين المستقبل.

يعتبر التحالف الرباعي الذي اشرف عليه ولي العهد السعودي/محمد بن سلمان مع الحلفاء الثلاثة بمثابة "خارطة طريق" بديلة لواشنطن وطهران؛ حيث لم يكن اجتماع إسلام أباد مجرد منصة للتشاور، بل حمل مبادرة سياسية متكاملة؛ ناقش فيها الوزراء "السبل الممكنة لإنهاء الحرب الاسرائيلية -الأمريكية على ايران بشكل مبكر ودائم"، وصيغت رؤية موحدة تتضمن الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار مع طهران، وتهيئة الظروف لمفاوضات منظمة، والتأكيد على أن الدبلوماسية والحوار هما السبيل الوحيد لإنهاء العدوان على إيران.

كذلك حماية المصالح الإقليمية من التقلبات الأمريكية؛ يهدف هذا التحالف إلى توفير حماية متبادلة للدول الأربع "ضد أي تقلبات في الموقف الأمريكي أو أي تهديد خارجي محتمل". هذا البعد يعكس أزمة ثقة عميقة في الالتزام الأمريكي طويل المدى بالمنطقة بعد فشل القواعد الأميركية من التصدي للصواريخ الإيرانية وعدم قدرتها على حماية المنشآت النفطية وباقي القطاعات الحيوية الأخرى في دول الخليج العربي.

كما يحاول التحالف الرباعي قدر الامكان، منع كارثة إقليمية لتفاقم الوضع عبر وضع خطة عمل قبل 6/من أبريل/2026, الموعد الذي حدده ترامب لضرب منشآت الطاقة والكهرباء الإيرانية، مما شكل حافزًا إضافيًا لهذا التحرك السريع، حيث يسعى التحالف الرباعي إلى فرض (خريطة طريق) خاصة به على واشنطن وطهران، ولسان حالهم يقول "نحن من يقرر مصير منطقتنا، لا ترامب"، مع توقع قريب جدا، ان يعلن ترمب انتهاء الحرب (العملية العسكرية في ايران) قبل انتهاء المدة الزمنية المحددة في القانون الامريكي لخوض حرب شاملة التي تحتاج لموافقة الكونغرس الأمريكي بعد انتهاء مدة 8 اسابيع من العدوان على إيران.

المحور الثاني: محمد بن سلمان – مهندس التحول الجيوسياسي في الشرق الأوسط.

أولاً: الرؤية الاستراتيجية "فرصة تاريخية" لإعادة تشكيل المنطقة.

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في مارس 2026، فإن الأمير/محمد بن سلمان ،يرى في الحرب الدائرة مع إيران "فرصة تاريخية" لإعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد. في مكالمات خاصة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نقل ولي العهد السعودي رؤيته بأن استمرار الضغط العسكري على طهران يمكن أن يؤدي إلى تغيير جذري في ميزان القوى الإقليمي، مؤكدًا أن إيران تمثل تهديدًا وجوديًا للخليج لا يمكن تحييده إلا من خلال إنهاء حكم النظام الحالي فيها، ولكن سرعان ما نفت السعودية رسميا صحة ما نشرته صحيفة نيويورك ودعت إلى إنهاء الحرب على إيران.

لكن هذه الرؤية السعودية ان ثبت صحتها حسب زعم صحيفة نيويورك رغم نفي السعودية لهذا الخبر الزائف، ربما تعكس تحولًا في التفكير السعودي من (استراتيجية الاحتواء) التي اتبعتها المملكة لعقود، إلى استراتيجية أكثر جرأة تهدف إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة. ففي السابق، كانت الرياض تفضل التعايش مع إيران ضمن حدود التنافس الإقليمي، أما اليوم، فمع وصول الحرب إلى عتبة إيران نفسها وثم تحويلها نحو دول الخليج العربي وتهديد اقتصادها واستقرارها وأمنها، يبدو أن (ولي العهد محمد ) يرى في الصراع الحالي نافذة لتغيير قواعد اللعبة بشكل دائم لتوفير الحماية اللازمة لدول الخليج وتحديدا السعودية وحلفاؤها الدوليين.

ثانيًا: بناء التحالف الرباعي من الرياض إلى إسلام أباد.

كان اجتماع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في إسلام أباد في مارس 2026 تتويجًا لجهود دبلوماسية مكثفة قادها الأمير محمد بن سلمان على مدار الأشهر السابقة؛ ففي يناير 2026، كشفت تقارير أن تركيا كانت على وشك الانضمام إلى اتفاقية دفاع مشترك بين السعودية وباكستان، وأن المحادثات وصلت إلى "مرحلة متقدمة"؛ وبحلول نهاية فبراير2026، كانت القاعدة العريضة للتحالف الرباعي قد اكتملت.

للإشارة، ما يميز هذا التحالف هو استبعاد (الإمارات عمدًا)،فالمملكة العربية السعودية، تحت قيادة القائد المميز/محمد بن سلمان، اختارت أن تبني تحالفًا إقليميًا لا يتضمن شريكها التقليدي في أبوظبي، في خطوة تعكس تصدعًا عميقًا في العلاقات السعودية-الإماراتية. هذا الاستبعاد ليس عارضًا، بل هو تعبير عن رغبة الرياض في لعب دور الريادة الإقليمية دون مشاركة منافس إقليمي يطمح إلى الاستقلالية الاستراتيجية، ومحاولة تحجيم دورها بالحرب الباردة القائمة بينهم في الحديقة الخلفية للسعودية في دولة اليمن، بعد ما فعلته الامارات من مشاكل تمس بامن وسيادة السعودية وعلاقاتها مع دولة اليمن، عبر دعم الإمارات لميليشات/عيدروس الزبيدي.

ثالثًا: جدة كمركز للوساطة والتحرك السريع

في 29 مارس 2026، استضافت جدة اجتماعين منفصلين جمعا الأمير/ محمد بن سلمان ،مع كل من العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني؛ حيث ركزت المباحثات على التصعيد العسكري في المنطقة وتداعياته على أمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة. هذه الاجتماعات، التي وصفتها وسائل الإعلام بأنها تعكس "دور السعودية المتنامي كوسيط إقليمي"، جاءت في سياق الجهود الحثيثة لبناء توافق إقليمي حول خريطة طريق لإنهاء الحرب الأمريكية-الاسرائيلية على إيران .

المحور الثالث: تنويع الشركاء من واشنطن إلى أنقرة والدوحة.

أولاً: التراجع عن التطبيع مع إسرائيل.

أحد أبرز ملامح التحول الذي يقوده ولي العهد/محمد بن سلمان ،هو التراجع الكبير عن مسار التطبيع مع إسرائيل. فبعد سنوات من الحديث عن قرب انضمام السعودية إلى "اتفاقات أبراهام" للتطبيع مع اسرائيل، تحولت الرياض في الأشهر الأخيرة إلى تبني خطاب أكثر حدة تجاه إسرائيل، حيث وصفت أفعالها في قطاع غزة بأنها "جريمة إبادة جماعية".

هذا التحول في الموقف السعودي الرسمي، لم يكن مجرد تغيير في الخطاب، بل انعكس في السياسات أيضًا. ففي فبراير 2026، تضمنت خطب الجمعة في المسجد الحرام والمسجد النبوي، والتي تتم بموافقة وزارة الشؤون الإسلامية السعودية، دعوات صريحة للنصر على "المعتدين الصهاينة" في فلسطين. هذا الاستخدام للأدوات الدينية يمثل عودة إلى توظيف الشرعية الإسلامية، ربما كتعويض عن الضغوط الاقتصادية التي تواجه رؤية 2030.

ثانيًا: التقارب مع تركيا وقطر – التحالف مع "الإخوان".

في خطوة مفاجئة، قاد ولي العهد/محمد بن سلمان ،المملكة نحو تقارب وثيق مع تركيا وقطر، وهما الدولتان اللتان كانتا في طليعة خصوم الرياض قبل سنوات قليلة. فبعد المقاطعة التي قادتها السعودية ضد قطر بين 2017 و2021، والعداء العلني مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إثر مقتل جمال خاشقجي، باتت أنقرة والدوحة اليوم شريكين استراتيجيين للرياض في التحالف الرباعي،هذا التقارب يحمل دلالات عميقة تتجلى في التالي:

-تجاوز الخلافات الأيديولوجية: السعودية التي كانت تعتبر جماعة الإخوان المسلمين "منظمة إرهابية"، تتحالف الآن مع أكبر داعميها إقليميًا.

-البحث عن بدائل استراتيجية: مع تآكل الثقة في الالتزام الأمريكي طويل المدى بحماية المنشآت النفطية والصناعية والمنشآت الحيوية المدنية، تبحث الرياض عن أذرع إقليمية بديلة بعد فشل القواعد العسكرية الأميركية من حماية نفسها.

-توازن القوى مع الإمارات وإسرائيل: التحالف مع أنقرة والدوحة يخلق ثقلًا إقليميًا موازيًا للتحالف الذي تقوده أبوظبي مع اسرائيل وواشنطن.

ثالثًا: التوتر مع الإمارات – صراع على الريادة الإقليمية.

العلاقة بين محمد بن سلمان ونظيره الإماراتي الشيخ/ محمد بن زايد شهدت توترًا متزايدًا، وصل إلى ذروته في ديسمبر 2025 ،عندما شن التحالف السعودي بقيادة الرياض غارات جوية عسكرية استهدفت ميناء المكلا في اليمن، الذي كانت تسيطر عليه قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات،هذا التوتر يعكس صراعًا على الرؤية تتلخص في النقاط التالية:

-ولي العهد السعودي/محمد بن سلمان ،يريد هيمنة سعودية مطلقة على المنطقة لدعم مشروعه الطموح "رؤية 2030".

-الشيخ/محمد بن زايد ،يرفض العودة إلى وضع "الدولة المتصالحة" (Trucial State) الذي كانت عليه الإمارات قبل الاستقلال، ويسعى إلى استقلالية استراتيجية كاملة للإمارات عن السعودية ودول الخليج.

-تصاعد هذا الصراع حتى وصل إلى الأمم المتحدة، حيث قدمت السعودية شكوى ضد الإعلان الإماراتي لمنطقة بحرية استراتيجية، معتبرة أنه انتهاك لاتفاقية جدة 1974 التي تنظم الحدود البحرية بين البلدين.

المحور الرابع: التوازن الصعب بين واشنطن وطهران.

أولاً: الضغط على ترامب لاستمرار الحرب

في واحدة من أكثر التحركات جرأة، زعمت "صحيفة نيويورك تايمز" عن مصادر مطلعة أن الأمير/ محمد بن سلمان ،ضغط على الرئيس ترامب للاستمرار في الحرب ضد إيران، بل واقترح خيارات عسكرية أكثر توسعًا، بما في ذلك عمليات برية تستهدف جزيرة خرج والبنية التحتية للطاقة الإيرانية. ووفقًا للتقرير، فإن ولي العهد يعتقد أن إيران الجريحة والغاضبة ستشكل تهديدًا أكبر للدول الخليجية مما كانت عليه قبل الحرب، ولذلك فإن الحل الوحيد هو إنهاء النظام الحالي في طهران.

هذه التصريحات دفعت (الحكومة السعودية) إلى إصدار بيان نفي، أكدت فيه أنها "تدعم دائمًا الحلول السلمية"، وأن أولويتها هي حماية الشعب السعودي والبنية التحتية من الهجمات الإيرانية اليومية،لكن مصادر متعددة تشير إلى أن الموقف السعودي الفعلي أكثر تعقيدًا مما يظهر في البيانات الرسمية.

ثانيًا: القلق من انسحاب أمريكي مبكر.

رغم إصرار اسرائيل ومجموعة صناع القرار الضاغطة التي تقف خلف الرئيس ترمب لاستمرار الحرب، فإن قلق محمد بن سلمان الأكبر هو من انسحاب أمريكي مبكر قد يترك دول المنطقة مكشوفة أمام ردود فعل إيرانية عنيفة، فالتاريخ يعلم السعوديين أن الانسحاب الأمريكي المفاجئ من المنطقة (كما حدث في العراق وأفغانستان) يخلق فراغًا أمنيًا خطيرًا ولذلك تسعى السعودية إلى وقف الحرب والتوصل إلى اتفاق مع ايران لعدم تدهور العلاقات الثنائية بين البلدين بسبب انتهاك ايران لسيادة دول الخليج وعلى رأسها السعودية.

لذلك تسعي اسرائيل بكل ثقلها الضغط على الرئيس الأميركي/ترمب ، إطالة أمد الحرب بما يضمن تدمير القدرات الإيرانية بشكل كافٍ، وبناء تحالفات إقليمية مع الإمارات والبحرين قادرة على الضغط على واشنطن بعدم الانسحاب المبكر من الحرب على ايران، ومحاولة توفير التأمين ضد المخاطر من خلال تعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية في منطقة الشرق الأوسط وتحديدا داخل اسرائيل.

ثالثًا: الرفض السعودي لاستخدام أراضيها للهجمات على إيران.

في تناقض واضح مع دعوات اسرائيل والإمارات لاستمرار الحرب على إيران ، أبلغت السعودية واشنطن أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لشن هجمات على إيران. هذا الموقف يعكس حسابات دقيقة للمملكة السعودية تتلخص في الآتي:

- تجنب إعطاء إيران ذريعة لاستهداف المنشآت النفطية السعودية.

-الحفاظ على مسافة آمنة من التصعيد الذي قد لا يمكن التحكم بعواقبه.

-عدم الظهور بمظهر "العميل" الأمريكي في المنطقة، خاصة في ظل التحول نحو خطاب إسلامي أكثر حدة.

المحور الخامس: قراءة إسرائيلية – قلق استراتيجي وجودي.

أولاً: نهاية عصر التفرد الأمريكي.

تصريحات المسؤولين من صناع القرار داخل دولة الاحتلال الاسرائيلي تعكس قلقًا حقيقيًا، فوجود التحالف الرباعي ، الذي هو بمثابة "الناتو الإسلامي" بدعم نووي باكستاني خلف مصر والسعودية وتركيا يعني، من المنظور الإسرائيلي، "نهاية عصر الاستفراد الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط للأبد"؛ هذا القلق لا يتعلق فقط بإيران، بل ببروز كتلة إقليمية متماسكة قادرة على قول "لا" للهيمنة الخارجية.

ثانيًا: تذويب الخلافات أمام الخطر الوجودي.

تشير التقارير إلى أن "الخطر الوجودي وحّد العواصم الأربع" الرياض-انقرة-القاهرة-إسلام آباد. فالخلافات العميقة بين هذه الدول حول سوريا وليبيا والقرن الأفريقي تبدو وكأنها تذوب أمام الرغبة المشتركة في قيادة ديناميكيات الصراع بعيدًا عن الوصاية الأمريكية. هذا التذويب يثير قلقًا في اسرائيل، التي اعتادت استغلال الانقسامات العربية والإسلامية لتمرير أجنداتها.

ثالثًا: إسرائيل بين المطرقة والسندان.

إسرائيل تجد نفسها اليوم في موقف معقد. من ناحية، هي شريك في الحرب على إيران إلى جانب واشنطن. ومن ناحية أخرى، ترى تحالفًا إقليميًا واسعًا يرفض بوضوح التصعيد العسكري الأمريكي - الإسرائيلي غير المحدود؛هذا التحالف يضع إسرائيل أمام واقع جديد؛ لم تعد واشنطن هي صانعة القرار الوحيدة في المنطقة، بل هناك أطراف إقليمية لها مصالحها ورؤيتها.

المحور السادس: رؤية 2030 بين الطموح والواقع.

أولاً: الضغوط الاقتصادية وتأثيرها على السياسة الخارجية.

تتعرض رؤية 2030، المشروع الطموح الذي يقوده ولي العهد/محمد بن سلمان ،لتحويل الاقتصاد السعودي، لضغوط متزايدة. فانخفاض أسعار النفط، وتراجع الحماس الاستثماري لمشاريع عملاقة مثل نيوم، والحاجة المستمرة لتمويل العجز في الميزانية، كلها عوامل تدفع ولي العهد إلى البحث عن متنفس للضغوط الداخلية.

بحسب محللين، فإن العودة إلى الخطاب الإسلامي والعداء لإسرائيل ،واستنكار جرائمها في فلسطين والمنطقة،تشكل متنفسًا شعبيًا ، ولكنها لا تساعد في حل الأزمات الاقتصادية التي تحتاج لدراسة شاملة تعالج تلك الأزمات، وهي تشكل زيادة الحاجة إلى توحيد الصفوف الداخلية خلف القضايا تجمع السعوديين ولا تفرقهم ومنها الدفاع عن سيادة الوطن من اي تهديد داخلي أو خارجي.

ثانيًا: التخلي عن النموذج الإماراتي نحو النموذج التركي.

يشير مراقبون إلى أن ولي العهد/محمد بن سلمان ،تخلى عن النموذج الإماراتي الذي كان يخطط لمحاكاته في رؤية 2030 (تحول من اقتصاد النفط إلى اقتصاد الخدمات)، واتجه نحو النموذج التركي؛ إخفاء المشاكل الاقتصادية ومعالجتها بشكل صحيح، والاستمرار في الاستقطاب الشعبي واستعادة الأمجاد الإسلامية، بدءًا بالعداء لإسرائيل عكس الدول الأخرى التي تعادي الدور الريادي للسعودية في منطقة الشرق الأوسط.

هذا التحول له انعكاسات على التحالفات الإقليمية، فبينما تظل الإمارات في المعسكر الغربي-الإسرائيلي، تتجه السعودية نحو التحالف مع تركيا وقطر، مما يعيد تشكيل الانقسامات الإقليمية بشكل جوهري في الشرق الأوسط وفي الخليج العربي.

الخلاصة: الشرق الأوسط الجديد بين الواقع والطموح.

ما تحقق في إسلام أباد ليس مجرد اجتماع وزراء خارجية، بل هو مؤشر على تحول جيوسياسي عميق في بنية النظام الإقليمي. الدول الأربع - السعودية، مصر، تركيا، وباكستان - أظهرت قدرة على تجاوز خلافاتها العميقة وتشكيل كتلة قادرة على فرض رؤيتها على الصراع الدائر.

وفي قلب هذا التحول، يقف القائد الشاب المميز،ولي العهد/ محمد بن سلمان الذي يدرك أن المنطقة تمر بلحظة تحول تاريخية، وأن الفرصة المتاحة اليوم (بعد الحرب الاسرائيلية-الأمريكية على إيران في 28-2-2026) قد تتكرر. لاحقا بين أطراف الصراع، لذلك فهو يتحرك بسرعة لبناء تحالفات جديدة تضمن للمملكة السعودية موقعًا متقدمًا في الشرق الأوسط الجديد.

من جهة أخرى، ربما الرسائل التي بعثها هذا التحالف واضحة للعيان ولجميع الأطراف هي :

- رسالة لواشنطن: لم تعد الهيمنة الأمريكية مضمونة، وهناك قوى إقليمية تمتلك أدواتها الخاصة لحماية مصالحها في المنطقة.

-رسالة لطهران: لا يمكن للتصعيد العسكري أن يحقق أمن أي طرف، والحل الوحيد هو الدبلوماسية بوساطة إقليمية.

-رسالة لإسرائيل: عصر الاستفراد الأمريكي بالمنطقة يقترب من نهايته، وستضطر للتعامل مع معادلات إقليمية جديدة وتعدد الخيارات المتاحة امام الفاعلون الدوليين الجدد.

اخيراً،يبقى السؤال الاستشرافي الأهم؛ "هل هذا التحول مستدام".

ربما الإجابة تتوقف على عاملين هما :

-قدرة ولي العهد على إدارة التوازن الدقيق بين واشنطن وأنقرة والدوحة.

-يرتبط مستقبل رؤية المملكة العربية السعودية 2030 ارتباطًا وثيقًا بقدرة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على تجاوز التحديات الاقتصادية الراهنة. ففي حال تحقيق النجاح المنشود، سيظل اسمه محفورًا في تاريخ المنطقة بصفته مهندس نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط. أما في حال الفشل—لا قدر الله—فقد تُقرأ تجربته في إعادة تشكيل المنطقة كمغامرة استراتيجية كبُدت المملكة ثمناً باهظاً، تنعكس تبعاته سلبًا على تماسك التحالف الرباعي واستقراره.

ورغم هذه المخاوف، ثمة مؤشرات متزايدة على نجاح هذا التحالف في تحقيق أهدافه. وما يمكن الجزم به هو أن الشرق الأوسط الخارج من رحم هذه التحولات لن يكون كما كان من قبل. فمن خلال بروز تحالفات إقليمية أكثر استقلالية، وتنويع الشراكات الدولية، وتراجع ملحوظ في مسار التطبيع مع إسرائيل، تتشكل ملامح نظام إقليمي جديد يتسم بدرجة أعلى من التعقيد والتعددية في مراكز القوة، وانا على ثقة تامة بنجاح ولي العهد في إنجاز المهمة وفي رسم التحول الجيوسياسي للشرق الأوسط الجديد.

المراجع

‏1. Zvi Bar'el, "Islamic NATO: Regional cooperation before April 6," Haaretz, published in Profile News, March 30, 2026.
‏2. Feiler, Gil. "Mohammad bin Salman, the Abraham Accords, and the Saudi–UAE Strategic Divergence." Al Bawaba, February 21, 2026.
‏3. "Saudi Crown Prince Holds Strategic Talks with Jordanian, Qatari Leaders Amid Rising Regional Tensions." Kurdistan24, March 29, 2026.
‏4. Abdul-Hussain, Hussain. "Why Saudi Arabia is turning back to Islamism – and against Israel." The Jewish Chronicle, February 6, 2026.
‏5. Guldogan, Diyar. "Saudi prince said to push Trump to continue Iran war in recent calls: Report." Anadolu Ajansı, March 24, 2026.
‏6. Rose, Liron and Shabi, Amit. "MBS’s gamble: Saudi leans toward Turkey and Qatar, avoids Israel-US bloc." The Jerusalem Post, January 25, 2026.
‏7. "Amid the Iran War, a New Regional Security Axis Takes Shape," Israel Defense, March 28, 2026.
‏8. "Regional quartet offer Trump a final off-ramp," Arab News, March 30, 2026.
‏9. "Quadrilateral huddle on Middle East conflict begins in Islamabad," Pakistan Observer, March 29, 2026.
‏10. "Saudi Crown Prince MBS wants US to continue strikes on Iran to reshape Middle East: report." Pakistan Observer, March 24, 2026.
‏11. "New York Times: Mohammed Bin Salman has Called on Trump to Continue the War." Kurdistan24, March 24, 2026.
‏12. "Saudi Arabia’s MBS seeks to weaken Israel." JNS.org, March 2, 2026

اخر الأخبار