نحو استراتيجية شاملة لتحصين المجتمع من تداعيات الحرب وفجوات الفقر
د. سلامه ابو زعيتر
أمد/ لا تكتفي الحرب بهدم الجدران وتدمير المباني وتجريف المزارع وقتل الأمل، بل تمتد آثارها لتهدم الأركان النفسية والاجتماعية للشعوب. وتتفاقم هذه الآثار حين تجتمع مع ثالوث الفقر والجوع والبطالة، حيث تخلق هذه الأزمات المركبة حالة من "الاغتراب القسري" داخل المجتمع؛ فتتآكل الروابط الاجتماعية وتبرز مآسٍ إنسانية تتجاوز القدرة الفردية على الاحتمال، مما يضع السلم الأهلي والتماسك القومي على المحك.
إن هذا التدهور ليس مجرد حالة عابرة، فالآثار النفسية للحروب والفقر تتحول بمرور الوقت إلى "اضطرابات صدمة جماعية" تفقد الفرد بوصلة الأمان، وتدفع بالمجتمع نحو حالة من "صراع البقاء"؛ حيث تغيب قيم التعاون لتبرز فلسفة "البقاء للأقوى". وهذا الانحدار القيمي يعمق الهوة بين الطبقات ويضعف الثقة في المؤسسات والمنظومات القيمية، لتصبح الفئات الأكثر هشاشة —من أطفال ونساء وكبار سن وذوي احتياجات خاصة— هي الضحية الأولى في مواجهة التهميش والعزلة ونقص الرعاية الصحية.
استراتيجية المواجهة من الإغاثة إلى الحماية المستدامة
أمام هذا الواقع المعقد، يصبح من الجلي أن التدخلات الإغاثية المؤقتة لم تعد كافية؛ فالمجتمع يحتاج إلى "استراتيجية تحصين شاملة" تنقلنا من حالة الاستجابة الآنية للأزمات إلى بناء "المرونة المجتمعية المستدامة". وتتحقق هذه الاستراتيجية عبر تكامل خمسة محاور مترابطة:
أولاً: الدعم النفسي كقاعدة للتعافي تبدأ رحلة التحصين من الداخل، فبدون ترميم النفس البشرية لا يمكن بناء الاقتصاد. وذلك عبر إنشاء "مساحات صديقة" تعتمد التفريغ الانفعالي، وتفعيل برامج الرصد المبكر لصدمات ما بعد الحرب لمنع تحولها إلى اضطرابات مزمنة تعيق قدرة الفرد على الإنتاج والعطاء.
ثانياً: التمكين الاقتصادي المرن (الجسر نحو الكرامة) وعلى أرضية التعافي النفسي، ننتقل للتمكين الاقتصادي عبر دعم المشاريع متناهية الصغر وتوفير التدريب المهني السريع للفئات الهشة، وخاصة النساء المعيلات، فالاستقلال المادي هنا ليس مجرد مورد مالي، بل هو أداة لترميم الكرامة الإنسانية وتقليل الضغوط الاجتماعية التي قد تؤدي للانحراف السلوكي.
ثالثاً: الحماية الميدانية للفئات الأكثر تهميشاً ولضمان عدم سقوط أي فئة من حسابات الاستراتيجية، يجب تشكيل وحدات رعاية منزلية ومتنقلة تصل لكبار السن وذوي الاحتياجات في أماكن تواجدهم، وذا المحور يربط الجانب الصحي بالجانب الاجتماعي، لضمان دمج هذه الفئات ومنع عزلها في ظل انعدام الموارد أو صعوبة الحركة.
رابعاً: الرصد الاجتماعي الرقمي (حوكمة الدعم)، فإن نجاح التدخلات الاقتصادية والاجتماعية يعتمد على الدقة والشفافية، وهو ما يتطلب تأسيس قاعدة بيانات ديناميكية ترصد الحالات الأكثر تضرراً وتصنفها حسب الأولوية، وهذا النظام يمثل "الإنذار المبكر" الذي يحمي المجتمع من استغلال الحاجة ويضمن وصول الحماية لمستحقيها بكرامة.
خامساً: التوعية والمناصرة (خط الدفاع الأخلاقي) حيث تُتوج هذه الجهود بإطلاق حملات لتعزيز التكافل "الجيراني" والمجتمعي، فهذا المحور هو الذي يربط الاستراتيجية بروح المجتمع، ليصبح المواطن نفسه هو الرقيب والحامي للفئات الضعيفة، ويتحول التكافل من مجرد مبادرة إلى واجب أخلاقي ووطني يحمي الجيل القادم من مآسي الحاضر.
ختاماً: إن حماية المجتمع من تداعيات الحرب والفقر هي معركة وعي وإرادة قبل أن تكون معركة موارد، فإن الاستثمار في "الإنسان" وحماية نسيجه النفسي والاجتماعي هو الضمانة الوحيدة لاستعادة التوازن، وبناء جدار صدّ منيع يحفظ كينونة المجتمع ويمنع انهياره أمام عواصف الأزمات.
