تاريخ النشر: 2026-09-14 | 17:00
تاريخ النشر: 2026-09-14 | 17:00
صنعاء: لم تعد القدرات العسكرية لجماعة الحوثي في اليمن تعتمد على نموذج تقليدي لتهريب الأسلحة الجاهزة من الخارج، بل تطورت خلال السنوات الماضية إلى منظومة أكثر تعقيدًا تقوم على استيراد المكونات والمواد الخام والتكنولوجيا عبر شبكة دولية متشعبة، ثم تجميعها وتصنيعها داخل اليمن.
هذه الخلاصة هي المحور الرئيس لتقرير بحثي استقصائي أصدره مركز سينتشري إنترناشونال (Century International) في فبراير/شباط 2026، ضمن مشروع Beyond the Axis الممول من برنامج XCEPT البريطاني، وأعده بصورة رئيسية بيتر ساليسبري وهنري طومسون بمشاركة فينا علي خان وفريق بحثي متخصص. ويستند التقرير إلى نحو 150 مقابلة وقاعدة بيانات تضم أكثر من 370 عملية ضبط ضمن نحو 140 عملية اعتراض بري وبحري، إلى جانب تحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات الملاحة البحرية. من التهريب إلى سلاسل التوريد كيف تحولت حركة الحوثي اليمنية إلى تهديد عالمي.docx
منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، انتقلت الحركة من قوة مسلحة محدودة القدرات تمتلك أسلحة تقليدية وقاذفات وصواريخ مضادة للدروع، إلى قوة قادرة على استخدام صواريخ وطائرات مسيرة بعيدة المدى والوصول إلى أهداف تبعد آلاف الكيلومترات عن الأراضي اليمنية. وبين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأكتوبر/تشرين الأول 2025، وثق التقرير أكثر من 115 هجومًا استهدف الملاحة التجارية والعسكرية في البحر الأحمر والمحيط الهندي، بالتوازي مع هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة وصلت إلى أهداف في إسرائيل على مسافة تصل إلى نحو 2600 كيلومتر من اليمن.
لكن التحول الأهم، وفق التقرير، لا يكمن فقط في تطور نوعية الأسلحة، وإنما في الطريقة التي يحصل بها الحوثيون عليها. فالحركة انتقلت تدريجيًا من الاعتماد على تهريب منظومات مكتملة إلى بناء ما يشبه قاعدة صناعية عسكرية محلية، تستطيع من خلالها تجميع وإنتاج أنظمة متقدمة باستخدام مكونات إلكترونية ومحركات ومواد أولية ومعدات يمكن الحصول على أجزاء منها عبر الأسواق وسلاسل التوريد التجارية الدولية.
ويشير التقرير إلى دور فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وشبكات مرتبطة بما يعرف بـ«محور المقاومة» في نقل المعرفة والخبرة والمساعدة التقنية، لكنه يوضح في الوقت نفسه أن شبكة الإمداد الحوثية لم تعد مجرد خط مباشر بين إيران واليمن. فقد أصبحت شبكة متعددة الطبقات والمسارات، تستخدم مزيجًا من التهريب التقليدي والشحن التجاري والنقل البري والبحري.
ويرصد التقرير مجموعة من المسارات الرئيسية التي تتحرك عبرها المواد والمكونات إلى اليمن، من بينها النقل البحري المباشر من إيران باستخدام سفن الداو والزوارق الصغيرة، والشحن التجاري المباشر بواسطة سفن أكبر، ومسار القرن الأفريقي الذي تمر عبره شحنات قبل نقلها إلى السواحل اليمنية، إضافة إلى شبكات التجارة الدولية التي تصل عبرها مكونات ذات استخدام مزدوج، فضلًا عن طرق برية تمر عبر دول في شبه الجزيرة العربية.
وتكمن قوة هذه الشبكة في قدرتها الكبيرة على التكيف. فحين يتعرض مسار للمراقبة أو الاعتراض، يمكن إعادة توجيه الشحنات إلى مسارات أخرى أو تغيير نقاط الالتقاء بين السفن أو استخدام طرق برية بديلة. وهذه المرونة، بحسب التقرير، تفسر جزئيًا لماذا لم تؤد سنوات من الضربات الجوية والعقوبات وحظر الأسلحة وعمليات الاعتراض البحري إلى وقف نمو القدرات العسكرية للحركة.
وتكشف عمليات الضبط نفسها عن فجوات واسعة في فهم كيفية وصول بعض أهم مكونات الترسانة الحوثية. فعلى امتداد سنوات الحرب، لم تضبط سوى سبع سفن كانت تحمل مكونات لصواريخ باليستية، في حين لم تضبط أي محركات لصواريخ بعيدة المدى تعمل بالوقود الصلب، رغم حجم هذه المحركات وتعقيد تصنيعها. أما محركات الصواريخ العاملة بالوقود السائل فلم توثق إلا في شحنة واحدة في يناير/كانون الثاني 2024.
هذه الفجوة بين ما تمت مصادرته وبين ما ظهر لاحقًا داخل الترسانة الحوثية تشير إلى أن الجزء المعروف من الشبكة لا يمثل سوى نسبة من التدفقات الفعلية، وأن جانبًا مهمًا من سلسلة الإمداد لا يزال خارج نطاق الرصد المباشر.
ولا تعتمد المنظومة على المعدات وحدها. فالتقرير يرصد شبكة لنقل المعرفة والخبرة الفنية، تشمل تدريب فنيين حوثيين في إيران والعراق ولبنان وسوريا قبل سقوط نظام بشار الأسد، إضافة إلى وجود مستشارين أجانب داخل اليمن. وتتفاوت تقديرات أعداد هؤلاء بصورة كبيرة؛ إذ تتراوح بين عشرات وفق بعض المصادر وما يصل إلى نحو 1500 وفق تقديرات مسؤولين يمنيين، وهي أرقام يشدد التقرير على صعوبة التحقق المستقل منها.
ويمثل البحر الأحمر أبرز مثال على انتقال قدرات الحوثيين من كونها قضية يمنية داخلية إلى مشكلة ذات تداعيات دولية. فالهجمات على السفن دفعت شركات شحن كبرى إلى تحويل مساراتها بعيدًا عن البحر الأحمر وقناة السويس نحو رأس الرجاء الصالح، ما زاد مدة الرحلات واستهلاك الوقود وتكاليف التأمين والشحن.
ويقدر التقرير التكلفة الاقتصادية الإجمالية للحملة الحوثية في البحر الأحمر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 بأكثر من 200 مليار دولار وفق تقدير وصفه بالمتحفظ، تشمل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتعطيل سلاسل الإمداد والإنفاق العسكري اللازم لحماية الملاحة. كما أن العمليات البحرية الدولية المضادة للهجمات كلفت مبالغ كبيرة، فضلًا عن استهلاك ذخائر دفاع جوي باهظة الثمن لمواجهة صواريخ ومسيرات أقل تكلفة نسبيًا.
وتطرح هذه المعادلة مشكلة تتجاوز اليمن نفسه: جماعة مسلحة غير حكومية باتت قادرة، باستخدام شبكات توريد تجارية وتقنيات متاحة عالميًا، على فرض تكاليف استراتيجية واقتصادية كبيرة على دول وشركات وأساطيل بحرية تفوقها بكثير من حيث الموارد العسكرية والمالية.
ولهذا ينتقد التقرير المقاربة الدولية التي ركزت بصورة أساسية على الضربات الجوية والعقوبات والتصنيفات القانونية والاعتراضات البحرية المنفردة. فهذه الإجراءات، على الرغم من قدرتها على رفع تكلفة العمليات الحوثية وتعطيل بعض الشحنات، لم تستهدف البنية الكاملة لشبكة الإمداد التي تسمح للحركة بإعادة بناء قدراتها وتعويض خسائرها.
ويرى معدو التقرير أن التعامل مع المشكلة يتطلب الانتقال من محاولة اعتراض كل شحنة إلى استهداف نقاط الاختناق الأساسية في سلسلة التوريد، خصوصًا المعابر البرية والموانئ والمناطق التي تتكرر عبرها حركة البضائع والمكونات. ومن بين المواقع التي يلفت إليها التقرير معبر العبر، ومعابر شحن وصرفيت على الحدود اليمنية–العمانية، إضافة إلى موانئ عدن والحديدة والصليف والممرات المرتبطة بجيبوتي والقرن الأفريقي.
كما يدعو إلى إعادة تقييم آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش الخاصة بالواردات اليمنية، وتعزيز التعاون بين الدول المعنية بدل الاعتماد على عمليات متفرقة لا يجمع بينها إطار سياسي وأمني موحد.
ولا يحصر التقرير الخطر في اليمن والبحر الأحمر. فهو يحذر من احتمال انتقال النموذج الحوثي نفسه إلى جماعات مسلحة أخرى، بحيث تتحول الخبرات المكتسبة في تصنيع الأسلحة وإدارة سلاسل التوريد والتهريب إلى معرفة قابلة للتصدير.
وتبرز الصومال والسودان ضمن المناطق التي يوليها التقرير اهتمامًا خاصًا، في ظل علاقات وشبكات يمكن أن تسمح بتبادل السلاح والخبرات والموارد. كما يشير إلى تقارير تحدثت عن اهتمام روسي متزايد ببناء علاقات مع الحوثيين منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
وتكمن الدلالة الأوسع في أن تجربة الحوثيين تقدم نموذجًا جديدًا لقدرة الفاعلين من غير الدول على استغلال الاقتصاد العالمي نفسه لبناء قدرات عسكرية متقدمة. فالمكونات الإلكترونية والمواد الصناعية والأجهزة ذات الاستخدام المزدوج تنتقل عبر سلاسل تجارية دولية مصممة لخدمة الاقتصاد المدني، لكن دمجها مع شبكات تهريب ومعرفة تقنية متخصصة يمكن أن يحولها إلى أجزاء من منظومات تسليح متطورة.
وبهذا المعنى، لم تعد القضية تتعلق بمنع سفينة تحمل صواريخ كاملة من الوصول إلى اليمن، بقدر ما تتعلق بكيفية مراقبة شبكة دولية يمكن أن تتحرك عبرها مئات المكونات بصورة منفصلة، ثم تلتقي داخل ورش ومرافق تصنيع محلية لتتحول إلى صاروخ أو طائرة مسيرة.
ويخلص التقرير إلى أن التحول من «التهريب» إلى «سلسلة التوريد» هو المفتاح لفهم تطور القوة الحوثية. فطالما ظلت السياسات الدولية تتعامل مع المشكلة باعتبارها عمليات تهريب منفصلة، ستبقى الشبكة قادرة على التكيف مع الضغوط. أما احتواء الخطر بصورة أكثر فاعلية فيتطلب التعامل مع المنظومة باعتبارها شبكة لوجستية وصناعية ومالية وتقنية عابرة للحدود، تمتد من الأسواق العالمية إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي وصولًا إلى منشآت التجميع والتصنيع داخل اليمن.
وبذلك تتحول تجربة الحوثيين من ملف متعلق بالحرب اليمنية وحدها إلى مؤشر على تغير أوسع في طبيعة التهديدات الأمنية المعاصرة: التكنولوجيا التجارية وسلاسل التوريد العالمية باتت تسمح لجماعات مسلحة ببناء قدرات كانت قبل سنوات قليلة حكرًا على الدول، وبكلفة أقل كثيرًا من الكلفة التي يتحملها خصومها في محاولة مواجهتها.