أمريكا تعلن رسميا تعديل خطة ترامب وتلغي قرار مجلس الأمن، نحو صياغة خطة تنطلق من المصلحة الإسرائيلية العليا

مصر على حافة الحرب

مصر على حافة الحرب

تاريخ النشر: 2026-10-21 | 15:55

محمد مصطفى أبو شامة
محمد مصطفى أبو شامة

تقف مصر أمام لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تتشابك فيها اعتبارات الأمن القومي مع واجبات التضامن العربي، وتفرض فيها التطورات المتسارعة أسئلة صعبة بشأن حدود الدور المصري في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية. فالقاهرة لا تنظر إلى أمن الرياض باعتباره شأنًا بعيدًا عن مصالحها، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الانتقال من الدعم السياسي والدبلوماسي إلى المشاركة العسكرية يفتح أبوابًا من الحسابات والمخاطر التي لا يجوز الاستهانة بها. المعضلة ليست في مبدأ مساندة السعودية، ولا في قدرة الدولة المصرية على التحرك، وإنما في تحديد طبيعة هذا التحرك، وأهدافه، وحدوده، والنتائج التي يمكن أن تترتب عليه. فالحرب ليست قرارًا منفصلًا عن محيطه، وأي خطوة عسكرية في بيئة إقليمية مشتعلة قد تتجاوز سريعًا الغاية التي بدأت من أجلها، خصوصًا عندما تتعدد الأطراف والجبهات وتتداخل الحسابات المحلية والإقليمية والدولية.

وتكشف إدارة الرئيس عبد الفتاح السيسي للعديد من الأزمات الإقليمية عن نهج يقوم على الحكمة والرشد، والحذر الاستراتيجي، والتدرج في الاستجابة، والموازنة بين متطلبات التحرك ومخاطر التورط، وهي مقاربة تكتسب أهميتها في لحظات تتزايد فيها الضغوط وتضيق فيها هوامش المناورة. فالتعامل مع الأزمات لا يُقاس بسرعة اتخاذ القرار أو بمدى حسمه في لحظة الإعلان عنه، وإنما بقدرته على حماية المصالح الوطنية، وتجنب كلفة الخيارات غير المحسوبة، والحفاظ على حرية الحركة أمام تطورات يصعب التنبؤ بمساراتها. ويمنح التأييد الشعبي لمساندة السعودية وحماية الأشقاء أي تحرك مصري ظهيرًا وطنيًا داعمًا، لكنه لا يُغني عن إخضاع القرار لحسابات المصالح والمخاطر، ولا يعفي مؤسسات الدولة من مسؤوليتها في تقدير البدائل وتحديد أهداف المهمة وحدودها.

ويتحرك الموقف المصري على مسارين متوازيين: الاستعداد العسكري من جهة، والجهد الدبلوماسي من جهة أخرى. فالقوة العسكرية ليست بديلًا عن السياسة، بل إحدى أدواتها الممكنة لحماية المصالح وردع الاعتداءات، فيما تظل الاتصالات الإقليمية ومحاولات التهدئة وأدوات الوساطة ضرورية لاحتواء الأزمة وفتح المجال أمام تسوية أكثر توازنًا. فيما تستند العلاقات المصرية السعودية إلى اعتبارات استراتيجية تتجاوز الروابط التاريخية والسياسية. فأمن البحر الأحمر وحرية الملاحة فيه، واستقرار الخليج، وحماية طرق التجارة والطاقة، كلها ملفات تمس المصالح المصرية بصورة مباشرة. كما أن وجود ملايين المصريين في دول الخليج، والتشابك الاقتصادي والاستثماري بين القاهرة والرياض، يجعلان أي تهديد واسع لاستقرار المنطقة مصدر قلق حقيقيًا للدولة المصرية. 

وفي مقاله «دخول مصر الحرب»، المنشور مؤخرًا في صحيفة «الشرق الأوسط»، والذي أثار جدلًا واسعًا، يلفت الإعلامي السعودي عبد الرحمن الراشد إلى أن الخسائر الاقتصادية المصرية ومخاطر تراجع النفوذ الإقليمي تمثلان جانبًا مهمًا من دوافع التحرك. وتتقاطع هذه القراءة مع حقيقة أن أمن مصر لا يُقاس فقط بسلامة حدودها الجغرافية، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية طرق تجارتها ومصالحها الاقتصادية وشبكة علاقاتها الاستراتيجية. لكن الموقف المصري لا ينبغي اختزاله في هذه الحسابات وحدها؛ فهناك أيضًا اعتبارات التضامن العربي، ومسؤولية حماية الأمن المشترك، ورفض أن تتحول التهديدات المسلحة إلى أداة لفرض معادلات إقليمية جديدة. ولا يعني توقيت التحرك المصري بالضرورة تخلي القاهرة عن سياسة التريث، بل قد يعكس تغيرًا في تقدير المخاطر والفرص. فالدولة التي تمنح الدبلوماسية وقتها وتراقب تطورات الموقف لا تكون مترددة بالضرورة، وإنما تسعى إلى تقدير اللحظة التي قد تصبح فيها كلفة عدم التحرك أكبر من كلفة اتخاذ موقف واضح.

ولا يمكن فصل أمن السعودية عن الأمن العربي، أو تجاهل ما تمثله الاعتداءات على أراضيها ومنشآتها الحيوية من تهديد لاستقرار الإقليم. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني أن كل أشكال المشاركة العسكرية تحقق بالضرورة الغاية نفسها، أو أن توسيع نطاق التدخل هو الخيار الأكثر فاعلية في جميع الظروف. فثمة فارق جوهري بين مساندة القدرات الدفاعية السعودية، والمشاركة في حماية المجال الجوي والممرات البحرية، وبين الانخراط في عمليات هجومية ممتدة أو إرسال قوات برية إلى ساحة صراع معقدة. لكل مستوى من هذه المستويات أهدافه وكلفته ومخاطره، وكلما اتسع نطاق المهمة زادت احتمالات الانزلاق إلى مواجهة طويلة يصعب التحكم في مسارها أو تحديد نهايتها سلفًا.

وتقدم تجربة حرب تحرير الكويت عام 1991 مثالًا مهمًا لفهم حدود المشاركة العسكرية المصرية. فقد انضمت مصر إلى التحالف الدولي الذي تشكل لإخراج القوات العراقية من الكويت، لكنها تمسكت بتحديد هدف مشاركتها، ورفضت دخول الأراضي العراقية لخوض القتال هناك. وأكد الرئيس المصري آنذاك أن المهمة المصرية تنحصر في تحرير الكويت، ولا تمتد إلى قتال الجيش العراقي داخل العراق. فيما تفرض التجربة المصرية في اليمن في ستينيات القرن الماضي قدرًا إضافيًا من الحذر. فقد تحول التدخل العسكري المصري، إلى حرب طويلة استنزفت القوات المسلحة وموارد مصر الاقتصادية، وتشابكت فيها الحسابات المحلية مع تدخلات إقليمية. ولم تكن كلفة التجربة عسكرية فقط، بل امتدت إلى الاقتصاد والجاهزية العسكرية، في وقت كانت فيه مصر تواجه تحديات استراتيجية متزايدة، وهو ما جعل تداعيات الاستنزاف في اليمن أحد العوامل التي قادت إلى طريق الهزيمة في يونيو 1967.

ولا تعني الاستفادة من التجربتين أن الظروف الحالية مطابقة لما جرى في الماضي، أو أن المقارنة بينهما تكفي وحدها لحسم القرار. لكنها تفرض درسًا استراتيجيًا بالغ الأهمية: وضوح الهدف عند بداية التحرك لا يكفي ما لم يقترن بتحديد نطاق المهمة، وشروط استمرارها، والحدود التي ينبغي التوقف عندها. فالحروب لا تتسع دائمًا بقرار معلن، بل قد تتسع تدريجيًا تحت ضغط التطورات الميدانية، أو استهداف القوات المشاركة، أو ظهور تهديدات جديدة تفرض ردودًا متتابعة. وعندئذ يصبح الخروج من المواجهة أكثر تعقيدًا من الدخول فيها.

وتواجه مصر خريطة أمنية معقدة، تمتد من الحدود الغربية والجنوبية إلى شرق المتوسط والبحر الأحمر، وتتصل بتطورات السودان وليبيا والقرن الأفريقي، فضلًا عن أمن الملاحة في قناة السويس ومضيق باب المندب. وهذه الجبهات ليست ملفات منفصلة تمامًا؛ فالتوتر في إحداها قد ينعكس على الأخرى، ويؤثر في توزيع الموارد العسكرية والاقتصادية والسياسية. ومن ثم، فإن أي قرار يتعلق بالمشاركة في مواجهة إقليمية ينبغي أن يضع في حساباته ليس فقط ما يمكن أن تحققه القوات المصرية في ساحة العمليات، وإنما أيضًا ما قد يترتب على ذلك من أعباء في مسارح أخرى. فالمؤسسة العسكرية مطالبة بالحفاظ على الجاهزية والقدرة على التعامل مع تهديدات متعددة، لا باستنزاف مواردها في مهمة قد تتسع دون سقف واضح.

وتتدرج خيارات الدعم الممكنة من التعاون الدفاعي وتبادل المعلومات والخبرات، إلى المساهمة في حماية المجال الجوي والممرات البحرية، وصولًا إلى أشكال أكثر مباشرة من المشاركة القتالية. ولا ينبغي التعامل مع هذه الخيارات باعتبارها قرارًا واحدًا؛ فلكل منها شروطه القانونية والعسكرية والسياسية، كما أن الانتقال من مستوى إلى آخر يغير طبيعة المخاطر. 

وتتصل بهذه الحسابات أبعاد اقتصادية لا تقل أهمية. فتصاعد الحرب قد يرفع كلفة التأمين والشحن والطاقة، ويزيد الضغوط على حركة التجارة والملاحة، ويؤثر في إيرادات قناة السويس والاستثمارات وتدفقات النقد الأجنبي. كما أن اتساع المواجهة قد ينعكس على علاقات مصر الإقليمية، بما فيها علاقاتها مع أطراف لا تتفق معها القاهرة في ملفات عديدة، لكنها تحتاج إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة معها لتقليل احتمالات التصعيد. ولا يعني ذلك أن الحسابات الاقتصادية يجب أن تتقدم على الاعتبارات الأمنية، بل إن حماية الأمن القومي تقتضي النظر إلى الصورة كاملة؛ فالمكسب العسكري المحدود قد يفقد قيمته إذا ترتبت عليه أعباء استراتيجية واقتصادية أكبر، أو إذا فتح جبهة جديدة في وقت تحتاج فيه الدولة إلى الحفاظ على توازنها وقدرتها على الحركة.

ويخضع أي تحرك عسكري مصري خارج الحدود لضوابط دستورية ومؤسسية تعكس خطورة القرار وتعدد أبعاده. فالمادة 152 من الدستور المصري تنظم إعلان الحرب وإرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة، بما يتطلب أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه. ولا تقتصر أهمية هذا الإطار على استيفاء الإجراءات القانونية، بل تمتد إلى ضرورة وضوح أهداف المهمة ونطاقها ومدتها، وتقدير كلفتها ومخاطرها والبدائل المتاحة قبل الإقدام عليها.

وتزداد أهمية هذه الضوابط حين يتعلق الأمر بصراع إقليمي تتعدد أطرافه وجبهاته، وتتداخل فيه الاعتبارات العسكرية مع الحسابات الاقتصادية والدبلوماسية. فالقرار لا ينبغي أن يُبنى على حجم التهديد القائم وحده، وإنما على طبيعة الاستجابة المطلوبة، ومدى قدرتها على تحقيق غايتها، واحتمالات اتساع المواجهة، وما قد تفرضه من أعباء على الأمن القومي المصري في اتجاهات أخرى. ومن ثم، فإن التقدير المؤسسي الدقيق ليس عائقًا أمام التحرك، بل ضرورة لضمان أن تظل أي مشاركة محددة الهدف، واضحة الحدود، وقابلة للمراجعة في ضوء تطورات الموقف.

وفي هذا السياق، تمثل الدعوات الدبلوماسية إلى التهدئة والوساطة أهمية خاصة، فالمسار الدبلوماسي ليس بديلًا عن الاستعداد للدفاع عن المصالح، لكنه يظل أداة ضرورية لمنع تحول التهديد إلى حرب واسعة، ولإبقاء فرص التسوية قائمة حتى في أكثر اللحظات توترًا. ويكتسب نداء الأزهر الشريف لوقف القتال وتشكيل لجنة وساطة عاجلة أهمية في هذا التوقيت؛ لأنه يفتح المجال أمام توظيف الثقل الديني والمعنوي المصري والعربي في احتواء التصعيد، وتقريب المواقف، ومنع اتساع دائرة الصراع.  وتملك مصر من ثقلها السياسي وعلاقاتها العربية والإقليمية ما يؤهلها للقيام بدور يتجاوز الاختيار بين الصمت والمواجهة المباشرة. إذ يمكن للتحرك الدبلوماسي المنسق، والضغط من أجل وقف الهجمات، وفتح قنوات التواصل مع الأطراف المؤثرة، أن يسهم في تقليص المخاطر، ويحافظ على مساحة للمناورة السياسية، ويمنح أي ترتيبات دفاعية فرصة للعمل ضمن هدف محدد لا يتجاوزه.

تواجه مصر معادلة استراتيجية دقيقة؛ فحماية الأمن العربي ومساندة السعودية ترتبطان بمصالحها الوطنية، لكن الوفاء بهذه المسؤولية لا يعني أن كل أشكال المشاركة العسكرية تحقق بالضرورة الغاية ذاتها. فالحكمة تقتضي التمييز بين ما تفرضه الضرورة، وما يمكن إنجازه بأدوات السياسة.
مصر على حافة الحرب، لكن الوقوف على الحافة لا يعني السقوط فيها. فالمعيار الحاسم ليس مجرد القدرة على التحرك، وإنما أن يكون أي تحرك مصري محسوب الأهداف والنطاق، وأن تظل القوة العسكرية أداة لحماية المصالح، لا مدخلًا إلى التزامات مفتوحة.

×
أخبار
رئيس الشاباك الإسرائيلي يزور فرنسا ويبحث التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب أمريكا تستعد لإجلاء دبلوماسييها وعائلاتهم من السعودية ودول بالخليج الليكود يُطلق "النصر 26" لتتبع الناخبين وسط مخاوف قانونية وشكاوى بانتهاك الخصوصية استطلاع: تحالف نتنياهو في أدنى مستوياته والمعارضة الصهيونية تتقدم.. والقوائم العربية من يتحكم ردا على ترامب ونتنياهو.. ماكرون: فرنسا ليست تحت "غزو إسلامي" السيسي: الجيش المصري لن ينفذ عمليات هجومية في اليمن الأمن الفلسطيني يحذر من اتصالات احتيالية تستهدف المواطنين وأصحاب المصالح التجارية نتنياهو يوجّه لإسقاط النظام الإيراني.. وكاتس يهدد بـ "إحراق طهران" وتهجير مليون لبناني الأزهر يحذر من كارثة إنسانية تهدد مرضى غزة ويطالب بفتح الممرات الإنسانية جيش الاحتلال يعتقل مرشح للكونغرس و80 متطوعاً دولياً خلال مشاركتهم في قطف الزيتون بالضفة الغربية نتنياهو يضغط لانسحاب فينتر وسموتريتش يعرض عليه منصبًا وزاريًا لإدارة تهجير سكان غزة عقب تقرير لـ "هآرتس": بينيت يتعهد بإلغاء قوانين "الانقلاب القضائي" وتأطير دستور إسرائيلي مصر ترفض تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة تفاهم تحديد مجالات الصلاحية البحرية مع تركيا شهيدان بينهما طفل وإصابة في غارة من مسيّرة وقصف إسرائيلي على خانيونس وغزة محافظة القدس: مخطط استيطاني جديد لإقامة 122 وحدة في حي الشيخ جراح تعديل عسكري إسرائيلي يتيح ربط البؤر الاستيطانية بالكهرباء والمياه وسط تحذيرات من تعميق التمييز الحقوقي عشية الانتخابات الإسرائيلية: 7.3 مليون صاحب حق اقتراع و810 آلاف بالخارج شراكة انتخابية بين ترامب ونتنياهو: إعلانات حكومية إسرائيلية في "آيوا" مقابل دعم أميركي للكنيست آيزنكوت يتعهد بعدم المشاركة بحكومة يترأسها نتنياهو ف.تايمز: الإماراتية نسيبة تدخل سباق قيادة الأمم المتحدة وسط عقبات السودان والسعودية اجتماع أمني خليجي "استثنائي" لتعزيز التنسيق والجاهزية العسكرية في الرياض التنمية الاجتماعية في غزة تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية مع دخول 30% فقط من الاحتياجات غزة: نفاد زيوت المولدات يهدد بتوقف أقسام حيوية بالمستشفيات مسؤول أمني: إيران تستعد لحرب شاملة وتهدد بالرد على أي اعتداء أو اغتيال دون قيود مستشارة نتنياهو السابقة روث بار: "مليء بروح الانتقام وموهوب بتصفية الحسابات" شركات طيران إسرائيلية توقف رحلاتها إلى المغرب بطلب من الشاباك كوشنير واستجداء "إسرائيل" لدعم مجلس السلام موكب هرتسوغ يتحرك دون أعلام إسرائيلية في بودابست لدواع أمنية ن. إنترست: بعد عام على خطة ترامب.. وقف إطلاق النار في غزة "مجرد مزحة قاسية" ف.تايمز: إسرائيل خططت لمهاجمة ايران قبل نحو أسبوع ونصف.. وترامب منعها

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط