تاريخ النشر: 2026-09-10 | 18:30
تاريخ النشر: 2026-09-10 | 18:30
واشنطن: بعد ربع قرن على هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، تبدو خريطة التهديد الجهادي العالمي مختلفة جذرياً عما كانت عليه عندما استطاع تنظيم القاعدة تنفيذ أكبر هجوم إرهابي على الأراضي الأمريكية. فالتنظيمات الجهادية لم تختف، ولا تزال تحتفظ بمناطق نفوذ ونشاط، خصوصاً في أجزاء من أفريقيا، لكنها فقدت إلى حد كبير قدرتها على تشكيل حركة عالمية عابرة للحدود قادرة على تهديد الولايات المتحدة والغرب بالمستوى الذي ساد في العقدين الأولين من القرن الحالي.
هذا هو الاستنتاج الرئيسي الذي يقدمه الباحث الأمريكي دانيال بايمان، الأستاذ في جامعة جورجتاون والعضو السابق في فريق لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر، في تحليل نشرته مجلة Foreign Affairs الأمريكية في 8 سبتمبر 2026 تحت عنوان The Rise and Fall of Global Jihadism. ويجادل بايمان بأن حصيلة «الحرب على الإرهاب» لا يمكن اختزالها في ثنائية الانتصار أو الهزيمة؛ فالولايات المتحدة لم تقضِ على الجهادية العالمية، لكنها نجحت إلى حد بعيد في احتواء التهديد وتقليص قدرته على ضرب الداخل الأمريكي.
من 11 سبتمبر إلى احتواء التهديد
شكّلت هجمات 11 سبتمبر ذروة صعود تنظيم القاعدة وقدرته التنظيمية والعملياتية. فقد اختطف 19 عنصراً أربع طائرات مدنية، اصطدمت اثنتان منها ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وواحدة بمبنى البنتاغون، فيما تحطمت الرابعة في بنسلفانيا بعد محاولة الركاب استعادة السيطرة عليها. وأسفرت الهجمات عن مقتل 2977 شخصاً.
لكن الصورة خلال السنوات الخمس والعشرين التالية جاءت مختلفة جذرياً عن المخاوف التي سادت عقب الهجمات. فبحسب بيانات مؤسسة «نيو أمريكا»، قتل متطرفون جهاديون 122 شخصاً فقط داخل الولايات المتحدة منذ عام 2001، وهو رقم محدود مقارنة بالتوقعات التي كانت تتحدث آنذاك عن احتمال تعرض الولايات المتحدة لموجات متكررة من الهجمات واسعة النطاق.
ويرى بايمان أن هذا التحول لا يعني القضاء على الإرهاب، لكنه يكشف عن نجاح نسبي في منع التنظيمات الجهادية من الحفاظ على القدرة التي امتلكتها القاعدة نهاية التسعينيات، عندما قدرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أن ما بين عشرة آلاف وعشرين ألف متطوع مروا بمعسكرات التدريب في أفغانستان، ما منح التنظيم قدرة بشرية وعسكرية تشبه «جيشاً صغيراً».
انهيار الملاذ الأفغاني
كان إسقاط نظام طالبان عقب هجمات سبتمبر أحد أهم التحولات التي تعرضت لها القاعدة. فقد تمكن ضباط وكالة الاستخبارات المركزية وقوات العمليات الخاصة الأمريكية، بالتعاون مع قوى محلية، من إزاحة طالبان بسرعة نسبية، ما حرم التنظيم من معسكراته ومناطق التدريب المفتوحة التي مكّنته من تجنيد آلاف العناصر والتخطيط لهجمات خارجية.
واضطر قادة القاعدة وعناصرها إلى الفرار إلى باكستان وإيران ومناطق أخرى، من دون أن يحصلوا على بيئة تسمح بإعادة بناء البنية التنظيمية التي كانت قائمة في أفغانستان قبل عام 2001.
غير أن الاستجابة الأمريكية لم تكن خالية من الأخطاء. فقد أظهرت تحقيقات لجنة 11 سبتمبر أن الأجهزة الأمريكية أخفقت قبل الهجمات في تبادل المعلومات بصورة كافية، وفشلت في إدراج بعض المشتبه بارتباطهم بالقاعدة على قوائم المراقبة، كما لم تتعامل بالجدية المطلوبة مع مؤشرات تتعلق باهتمام متطرفين بتعلم قيادة الطائرات.
العراق يعيد الزخم إلى الجهادية
إذا كان إسقاط طالبان قد وجه ضربة كبيرة للقاعدة، فإن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 منح الحركة الجهادية دفعة جديدة. فالحرب وما تبعها من انهيار مؤسسات الدولة وانتشار الفوضى وفّرت بيئة مثالية أمام التنظيمات المتطرفة لتوسيع نفوذها وتجنيد مقاتلين جدد.
ومع اندلاع الانتفاضات العربية عام 2011، توسعت المساحات غير الخاضعة لسلطات مركزية قوية، خصوصاً في سوريا والعراق، لتظهر لاحقاً النسخة الأكثر تطرفاً من الظاهرة الجهادية ممثلة بتنظيم «داعش».
وفي ذروة قوته بين عامي 2014 و2015، سيطر التنظيم على مساحات واسعة في سوريا والعراق قُدرت بما يعادل مساحة ولاية فرجينيا الأمريكية، وتمكن من جذب عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب.
لماذا سقط داعش؟
اختلفت الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة داعش عن تجربة الحروب الواسعة في أفغانستان والعراق. فقد اعتمدت واشنطن بدرجة أكبر على قوات محلية، تدعمها فرق صغيرة من العمليات الخاصة الأمريكية، إلى جانب استخدام واسع للطائرات المسيّرة والاستطلاع والاستخبارات الدقيقة.
أتاح هذا الأسلوب للولايات المتحدة تنفيذ عمليات أسرع واستهداف القيادات والعناصر المؤثرة، مع تجنب نشر أعداد ضخمة من الجنود الأمريكيين.
لكن التراجع الجهادي لم يكن نتيجة الضغط العسكري الأمريكي وحده. فقد أسهمت أخطاء التنظيمات نفسها في تقليص جاذبيتها، خصوصاً استهداف المدنيين المسلمين وفتح جبهات عداء متزامنة مع الولايات المتحدة وروسيا والهند وإسرائيل والحكومات العربية.
وألحقت المجازر التي ارتكبتها فروع القاعدة والجماعات المرتبطة بها ضد السنة والشيعة في العراق، إضافة إلى قتل عناصر من الشرطة والأمن في السعودية خلال عامي 2003 و2004، ضرراً واسعاً بصورة هذه التنظيمات داخل المجتمعات الإسلامية.
وكان إعلان داعش «الخلافة» عام 2014 أحد أكبر أخطائه الاستراتيجية. فبمجرد تحوله من تنظيم سري متحرك إلى كيان يسيطر على أراضٍ ومدن ومؤسسات، أصبح هدفاً جغرافياً واضحاً يمكن للقوة العسكرية الأمريكية وحلفائها تركيز نيرانها عليه.
ويشير التحليل إلى أن أسامة بن لادن نفسه كان قد حذر في مراسلات داخلية من أن بناء دولة جهادية قد يحوّل الحركة إلى هدف مباشر للقوة العسكرية الأمريكية.
غزة وإيران.. لماذا لم تظهر موجة جهادية جديدة؟
من أكثر النتائج لفتاً للانتباه في تحليل بايمان أن الاضطرابات والحروب الكبرى التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة لم تنتج موجة تعبئة جهادية عالمية مشابهة لتلك التي أعقبت غزو العراق أو اندلاع الحرب السورية.
فمنذ هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، وما أعقبه من حرب إسرائيلية مدمرة في قطاع غزة، ثم اتساع المواجهات الإقليمية وصولاً إلى الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، توافرت نظرياً بيئة خصبة أمام التنظيمات المتطرفة لاستثمار مشاهد الحرب والدمار في عمليات التجنيد والتعبئة.
ومع ذلك، لم تشهد الحركة الجهادية طفرة تنظيمية أو تجنيدية مماثلة لما حدث بعد عام 2003 أو خلال صعود داعش.
ويمثل هذا التحول، وفق التحليل، مؤشراً مهماً على تراجع قدرة الأيديولوجيا الجهادية العابرة للحدود على تقديم نفسها باعتبارها الإجابة الأساسية عن الأزمات والمظالم في العالم الإسلامي.
ويستشهد بايمان أيضاً بالحالة السورية، حيث سعت القوى الجهادية السابقة التي وصلت إلى السلطة في دمشق بعد الإطاحة ببشار الأسد عام 2024 إلى بناء علاقات مع الولايات المتحدة والسعودية ودول أخرى كانت التنظيمات الجهادية تعتبرها سابقاً جزءاً من منظومة أعدائها.
كلفة هائلة لربع قرن من الحرب
غير أن نجاح الولايات المتحدة في تقليص التهديد الجهادي جاء بثمن بشري ومالي غير مسبوق.
فبحسب مشروع «كلفة الحرب» التابع لجامعة براون، قتل نحو مليون شخص في أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن بين عامي 2001 و2023، وكان نحو نصفهم من المدنيين.
كما خسرت الولايات المتحدة أكثر من ألفي جندي في أفغانستان وأكثر من أربعة آلاف جندي في العراق، وأصيب أكثر من خمسين ألف عسكري أمريكي.
وتقدر الكلفة المالية للحروب الأمريكية التي أعقبت هجمات سبتمبر بنحو ثمانية تريليونات دولار حتى عام 2021.
ولا يمكن تجاهل أن الحرب انتهت أيضاً بانسحاب أمريكي فوضوي من أفغانستان عام 2021 وعودة حركة طالبان إلى السلطة، ما جعل من الصعب وصف الحرب الأمريكية على الإرهاب باعتبارها انتصاراً كاملاً.
من الشرق الأوسط إلى أفريقيا
رغم تراجع الجهادية العالمية في الشرق الأوسط، لم تنته الظاهرة. فقد أصبحت أفريقيا جنوب الصحراء إحدى أهم ساحاتها الجديدة، ولا سيما في الصومال ومنطقة الساحل وغرب أفريقيا، حيث تستفيد الجماعات المسلحة من ضعف مؤسسات الدولة والصراعات الداخلية والمساحات غير الخاضعة للسيطرة الحكومية.
ويحذر التحليل من أن هذه البيئات قد تسمح للجماعات الجهادية بإعادة بناء نفسها إذا تراجع الضغط الأمني والاستخباراتي الدولي عليها.
ولهذا يدعو بايمان الولايات المتحدة إلى تجنب خيارين متناقضين: العودة إلى الحروب العسكرية الواسعة التي ميزت مرحلة ما بعد 11 سبتمبر، أو الانسحاب الكامل من جهود مكافحة الإرهاب.
الخطر لم ينتهِ.. لكنه أصبح قابلاً للإدارة
يقترح بايمان استراتيجية تقوم على «اليقظة دون الإفراط في التوسع»، عبر استمرار التعاون الاستخباراتي مع الحلفاء، وتدريب القوات المحلية، واستخدام القدرات الجوية والمسيّرات بصورة انتقائية ضد القيادات الجهادية، مع تجنب التدخل العسكري الأمريكي المباشر على نطاق واسع.
ويحذر في المقابل من أن قطع المساعدات الأمنية عن الدول الضعيفة، خصوصاً في أفريقيا، قد يخلق فراغات تستفيد منها الجماعات المتطرفة لإعادة بناء شبكاتها.
وبعد خمسة وعشرين عاماً من هجمات سبتمبر، تبدو الخلاصة أن الولايات المتحدة لم تحقق الهدف المطلق الذي رفعته في بداية «الحرب على الإرهاب» والمتمثل في القضاء على الجهادية، لكنها نجحت في تغيير طبيعة الخطر.
فالحركة التي كانت في بداية القرن قادرة على تنظيم هجوم بحجم 11 سبتمبر وبناء شبكة عالمية واسعة أصبحت اليوم أكثر تشتتاً ومحلية، كما فقدت جانباً مهماً من قدرتها على تعبئة المسلمين حول مشروع سياسي عابر للحدود.
والتحدي بالنسبة لواشنطن لم يعد، وفق هذا المنظور، القضاء النهائي على الجهادية العالمية، وهو هدف قد يكون مستحيلاً، وإنما منع التنظيمات المتبقية من استعادة الظروف التي سمحت للقاعدة وداعش بالتحول في مراحل سابقة إلى تهديد دولي واسع النطاق.
وبهذا المعنى، فإن أهم إنجاز لربع قرن من مكافحة الإرهاب قد لا يكون إنهاء الجهادية، بل تحويلها من تهديد كان يُنظر إليه باعتباره محدداً لعصر كامل إلى خطر أمني يمكن احتواؤه وإدارته.