تاريخ النشر: 2026-10-24 | 18:30
تاريخ النشر: 2026-10-24 | 18:30
واشنطن: في قراءة تحليلية وتاريخية نشرتها صحيفة "واشنطن بوست" عبر زاوية «صُنع بالتاريخ» (Made by History)، سلّط أستاذ التاريخ في جامعة ميتروبوليتان ستيت، دوغ روسينو، الضوء على الجذور التأسيسية للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية المعروفة بـ«أيباك»، مشيراً إلى أن اللوبي الذي يقدّم نفسه بوصفه «لوبي أمريكا المؤيد لإسرائيل» لم ينشأ من رحم مشروع سياسي أمريكي، بل وُلد في مارس 1954 مهمةً أساسية لـ«إدارة الأضرار» وتلميع صورة إسرائيل إثر «مجزرة قبية» عام 1953، والتي قتلت فيها وحدة خاصة إسرائيلية أكثر من 60 مدنياً فلسطينياً في الضفة الغربية.
ويكتسب هذا المقال، الذي يعود تاريخ نشره الأصلي إلى مارس 2018، أهمية مضاعفة في الوقت الراهن؛ إذ أعلنت «أيباك» مؤخراً وقف تأييدها الرسمي لمرشحي الكونغرس ووقف التبرعات المباشرة عبر لجنة العمل السياسي التابعة لها بعدما بات دعمها «عبئاً سياسياً»، ومُنيت بخسائر محرجة في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، بالتزامن مع إظهار استطلاعات الرأي أن 60% من الأمريكيين و80% من الديمقراطيين باتوا ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية.
ويوضح الكاتب أن قوة «أيباك» قامت تاريخياً على أمرين رئيسيين: قدرتها على احتواء أثر الأفعال الإسرائيلية في الرأي العام الأمريكي، وصورتها ممثلة لإجماع اليهود الأمريكيين، وهما ركيزتان تتآكلان اليوم في ظل ضخامة الدمار في غزة وصعود أصوات يهودية ناقدة.
كما يستحضر المقال سابقة تعليق الرئيس دوايت أيزنهاور المساعدات لإسرائيل عام 1953 ودعم إدانتها في مجلس الأمن، كأداة ضغط شبيهة بما يدعو إليها اليوم بعض الديمقراطيين في ربط الدعم بسلوك إسرائيل.
وتشير الدراسة إلى أن تعقد «أيباك» مؤتمراتها السنوي بحضور كبار السياسيين من الحزبين يعود إلى شبكة نفوذ واسعة بنتها منذ أواخر السبعينيات عبر توجيه مساهمات انتخابية غير رسمية نحو مرشحي الكونغرس.
وتستعرض البدايات المبكرة للوبي عبر قيادة آي. إل. «سي» كينين، الذي أدار العمل منذ رئاسة هاري ترومان وحتى عام 1974، مستنداً إلى علاقات هادئة ومتكتمة مع الديمقراطيين الليبراليين في الكابيتول هيل للحصول على مساعدات للدولة الجديدة.
غير أن مسار أنصار إسرائيل واجه تحديات كبرى مع تولي دوايت أيزنهاور البيت الأبيض عام 1953 وسعي وزير خارجيته جون فوستر دالاس لانتهاج سياسة محايدة في الصراع، تلاها تعليق مؤقت للمساعدات إثر انتهاك إسرائيل شروط الهدنة عبر التوغل في منطقة منزوعة السلاح لتحويل مياه نهر الأردن.
وانفجر الوضع في 15 أكتوبر 1953 إثر ارتكاب الجيش الإسرائيلي مجزرة قرية قبية انتقاماً لمقتل امرأة يهودية وطفليها، وهي عملية عكست سياسة «الأعمال الانتقامية» التي تبناها رئيس الوزراء دافيد بن غوريون ضد المدنيين العرب رداً على عبور الفلسطينيين للخط الأخضر للعودة إلى ديارهم.
وأثار الحادث استنكاراً دولياً واسعاً وثقته مجلة «تايم» وصحيفة «نيويورك تايمز» عبر تقارير الأمم المتحدة التي فندت الرواية الإسرائيلية.
وأدرك كينين وأنصار إسرائيل خطورة الضرر على «الدعاية»، وتزامن ذلك مع إعلان دالاس احتجاز المساعدات ودعم قرار إدانة في مجلس الأمن، قبل أن تُستأنف المساعدات بعد تعليق مشروع تحويل المياه.
ودفع هذا المناخ أنصار إسرائيل إلى تأسيس بنية دائمة ومنظمة بديلة للمجلس الصهيوني الأمريكي لتفادي قيود وكلاء القوى الأجنبية، فأُعلنت في مارس 1954 «اللجنة الصهيونية الأمريكية للشؤون العامة» (AZCPA) التي أُعيدت تسميتها «أيباك» عام 1959، بالتوازي مع تأسيس «مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى».
ويخلص الكاتب إلى أن تأسيس اللجنة رسخ جبهة يهودية أمريكية موحدة دعماً لإسرائيل أياً كانت الظروف، وأظهر أن السلوك الإسرائيلي المثير للقلق كان يزيد من حماسة دفاع اليهود الأمريكيين عنها في دورة استمرت ثلاثة عقود حتى غزو لبنان عام 1982، وجعل إيجاد موطئ قدم لليهود المتحفظين أمراً بالغ الصعوبة.
ويختتم المقال بأن «لوبي أمريكا المؤيد لإسرائيل»، الذي وُلد من معرفة مروّعة عقب مجزرة قبية، وُجد دائماً لغاية محورية واحدة: جعل الوقائع والأولويات الإسرائيلية مستساغة للأمريكيين.