تاريخ النشر: 2026-11-05 | 15:53
تاريخ النشر: 2026-11-05 | 15:53
لم يعد الخلاف داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي بشأن إسرائيل مجرد تباين في المواقف السياسية أو اختلاف حول سياسات الحكومة الإسرائيلية، بل بات يعكس تحولات أعمق في بنية الحزب الديمقراطي، وفي اتجاهات الرأي العام الأمريكي، وفي طبيعة العلاقة التي حكمت واشنطن وتل أبيب لعقود طويلة. فالانتقادات التي وجهتها رئيسة مجلس النواب الأمريكي السابقة نانسي بيلوسي إلى عمدة نيويورك زهران ممداني والمرشح الديمقراطي عن ولاية ميشيغان عبدول السيد، على خلفية مواقفهما من تعريف إسرائيل باعتبارها دولة يهودية، كشفت عن اتساع الفجوة بين القيادة الديمقراطية التقليدية والتيار التقدمي الصاعد داخل الحزب.
جوهر الخلاف لا يتعلق بالاعتراف بوجود إسرائيل أو بحق الإسرائيليين في الأمن، بقدر ما يتصل بمفهوم الدولة ومرجعيتها السياسية والدستورية، ومدى انسجام تعريفها القومي أو الديني مع مبدأ المساواة الكاملة بين المواطنين. فممداني يدافع عن دولة يتمتع جميع مواطنيها بحقوق متساوية، ويرفض منح امتيازات قانونية أو سياسية على أساس ديني، فيما يثير عبدول السيد تساؤلات بشأن التوفيق بين الدولة القائمة على هوية دينية وبين المبادئ الليبرالية والمساواة المدنية.
في المقابل، تعكس مواقف بيلوسي امتداداً لنهج تقليدي داخل الحزب الديمقراطي يرى في العلاقة مع إسرائيل ركيزة من ركائز السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ويعتبر الحفاظ على هذه العلاقة جزءاً من المصالح الاستراتيجية الأمريكية. ومن هنا، فإن الخلاف يتجاوز الأشخاص والتصريحات إلى سؤال يتعلق بمستقبل الإجماع السياسي الأمريكي حول إسرائيل.
تحول داخل الحزب الديمقراطي وصراع الأجيال
يشهد الحزب الديمقراطي انقساماً متزايداً بين قياداته التقليدية التي اعتادت التعامل مع إسرائيل باعتبارها حليفاً استراتيجياً يتمتع بدعم واسع من الحزبين، وبين جيل سياسي جديد يطالب بإخضاع العلاقات الخارجية لمعايير حقوق الإنسان والقانون الدولي والمساءلة.
وقد اتسعت هذه الفجوة بفعل الحرب على غزة، وما رافقها من خسائر إنسانية ودمار واسع، فضلاً عن استمرار الاستيطان وتعثر المسار السياسي الفلسطيني. وأصبحت قطاعات من القاعدة الديمقراطية ترى أن الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل ينبغي ألا يكون مطلقاً، وأن استمرار المساعدات يجب أن يرتبط باحترام القانون الدولي وحماية المدنيين.
ولا يعني ذلك أن الحزب الديمقراطي اتخذ موقفاً موحداً ضد إسرائيل، أو أن العلاقة الاستراتيجية معها أصبحت موضع إجماع على رفضها، وإنما يشير إلى أن مساحة الخلاف داخل الحزب اتسعت، وأن المواقف التي كانت تُعد سابقاً هامشية أصبحت جزءاً من النقاش السياسي العام.
الرأي العام الأمريكي ومراكز الأبحاث يرصدان التغيير
تكتسب هذه التحولات أهمية إضافية عند قراءة استطلاعات الرأي الأمريكية، ولا سيما تلك الصادرة عن مركز بيو للأبحاث ومركز شيكاغو للشؤون العالمية ومعهد السياسة في جامعة هارفارد. فقد أظهرت استطلاعات خلال عام 2026 تراجعاً في النظرة الإيجابية لإسرائيل، خصوصاً بين الديمقراطيين والشباب الأمريكي، وتصاعداً في المطالبات بإعادة النظر في المساعدات العسكرية الأمريكية.
وتشير هذه الاتجاهات إلى اتساع الفجوة بين المواقف التقليدية للقيادات السياسية وبين قطاعات من الناخبين الذين باتوا يربطون السياسة الخارجية الأمريكية بقضايا العدالة وحقوق الإنسان والمساءلة.
كما أصبحت الجامعات الأمريكية، بما فيها هارفارد وييل، ساحات للنقاش حول الحرب والاحتلال وحرية التعبير وحقوق الفلسطينيين، فيما أسهمت الصحافة الأمريكية، من خلال التحقيقات والتحليلات والافتتاحيات، في نقل النقاش من حدود العلاقة الثنائية مع إسرائيل إلى التساؤل عن كلفة هذه العلاقة على المصالح والصورة الدولية للولايات المتحدة.
ومن المهم التأكيد أن الصحافة والجامعات ومراكز الأبحاث الأمريكية ليست كتلة واحدة متجانسة، وأن المواقف داخلها متعددة، لكن ما يجمع جانباً مهماً من النقاش الدائر هو أن العلاقة مع إسرائيل لم تعد بعيدة عن النقد والمراجعة كما كانت في مراحل سابقة.
«أمريكا أولاً» وإعادة ترتيب الأولويات
يمثل شعار «أمريكا أولاً» أحد المفاتيح الأساسية لفهم التحولات الجارية في السياسة الأمريكية. فالمجتمع الأمريكي يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية تتعلق بتكاليف المعيشة والسكن والرعاية الصحية والتعليم والوظائف، الأمر الذي يعزز المطالبات بإعطاء الأولوية للمصالح الداخلية، وعدم التوسع في الالتزامات العسكرية والمالية الخارجية.
ورغم اختلاف الخلفيات السياسية بين التيار الجمهوري المرتبط بترامب والتيار الديمقراطي التقدمي، فإن هناك تقاطعاً في الدعوة إلى مراجعة كلفة الانخراط الأمريكي في الصراعات الخارجية.
فالجمهوريون الذين يرفعون شعار «أمريكا أولاً» ينطلقون غالباً من رفض الالتزامات الخارجية التي لا تحقق عائداً مباشراً للولايات المتحدة، بينما يركز التقدميون الديمقراطيون على ضرورة ربط المساعدات العسكرية باحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي.
وهذا التقاطع يفرض تساؤلات جديدة حول مستقبل المساعدات الأمريكية لإسرائيل، ومدى استعداد الكونغرس والرأي العام لقبول استمرار الدعم المالي والعسكري بالشروط ذاتها، في ظل تزايد المطالبات بإعادة توجيه الموارد إلى الداخل الأمريكي.
إسرائيل أمام اختبار العلاقة مع المجتمع الأمريكي
اعتمدت إسرائيل لعقود على قاعدة دعم سياسية ومؤسساتية واسعة داخل الولايات المتحدة، وعلى علاقات وثيقة مع الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فضلاً عن شبكة من مؤسسات الضغط والتأثير السياسي والإعلامي.
لكن التحولات في الرأي العام، ولا سيما بين الشباب والديمقراطيين، تفرض على صناع القرار الإسرائيليين قراءة مختلفة لطبيعة العلاقة مع واشنطن. فالعلاقة الاستراتيجية لا تتوقف على مواقف الإدارة الأمريكية أو الكونغرس وحدهما، وإنما تتأثر أيضاً باتجاهات الناخبين، ومواقف الجامعات، والإعلام، ومراكز الأبحاث، ومدى قبول المجتمع الأمريكي للسياسات الإسرائيلية.
ولا يعني ذلك أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يتجه بالضرورة إلى القطيعة، فالمصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية والمؤسساتية المتبادلة ما زالت قائمة، لكن طبيعة النقاش الأمريكي حول إسرائيل أصبحت أكثر انفتاحاً على المساءلة والمراجعة، وهو تطور لا يمكن تجاهله.
التداعيات على القضية الفلسطينية
بالنسبة للفلسطينيين، فإن هذه التحولات تمثل فرصة سياسية ودبلوماسية ينبغي التعامل معها برؤية استراتيجية، وليس من خلال الاكتفاء بقراءة التصريحات أو التعويل على تغير الإدارات الأمريكية.
فالفرصة الحقيقية تكمن في تحويل تنامي الاهتمام بحقوق الفلسطينيين إلى مواقف سياسية ومؤسساتية واضحة، تدعم إنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وتوفر المرجعيات القانونية الدولية أساساً مهماً لهذا التحرك، وفي مقدمتها قرارات الأمم المتحدة، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 يوليو/تموز 2024، بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة.
كما أن المطلوب فلسطينياً هو تطوير خطاب سياسي وقانوني يخاطب المجتمع الأمريكي ومؤسساته بلغة الحقوق والمساواة والعدالة، ويؤكد أن المطالبة بالحقوق الفلسطينية لا تعني إنكار حقوق الآخرين، وأن الأمن والاستقرار لا يمكن تحقيقهما من خلال الاحتلال أو التمييز أو فرض الوقائع بالقوة.
الخلاصة: واشنطن أمام مراجعة متدرجة لعلاقتها مع إسرائيل
إن الخلاف بين نانسي بيلوسي وزهران ممداني وعبدول السيد ليس مجرد سجال سياسي عابر، بل يعكس صراعاً حول مستقبل الحزب الديمقراطي، وحدود الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل، وموقع حقوق الإنسان والقانون الدولي في صناعة القرار الأمريكي.
فالولايات المتحدة تشهد نقاشاً متزايداً بشأن أولوياتها الخارجية، ومدى جدوى استمرار الالتزامات المالية والعسكرية، في وقت تتصاعد فيه المطالبات بتقديم المصالح الداخلية، وتزداد فيه حساسية قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي تجاه الحروب وتداعياتها الإنسانية والسياسية.
والسؤال الاستراتيجي لم يعد محصوراً في ما إذا كانت واشنطن ستتخلى عن إسرائيل، وإنما في طبيعة الشروط السياسية والأخلاقية والقانونية التي قد تحكم استمرار العلاقة معها، ومدى استعداد المؤسسات الأمريكية لمراجعة سياساتها في ضوء التحولات الاجتماعية والانتخابية.
أما فلسطينياً، فإن التحدي يتمثل في امتلاك رؤية وطنية موحدة، وتفعيل الدبلوماسية القانونية والسياسية والإعلامية، واستثمار التحولات داخل المجتمع الأمريكي ومؤسساته، بما يخدم الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
فالسياسة الأمريكية ليست ثابتة إلى الأبد، والتحالفات مهما بلغت قوتها تخضع لمعادلات المصالح والرأي العام والتحولات الداخلية. وما تشهده الولايات المتحدة اليوم يستدعي قراءة فلسطينية وعربية واعية، تنتقل من انتظار التغيير إلى امتلاك أدوات التأثير فيه