تاريخ النشر: 2026-10-13 | 16:10
تاريخ النشر: 2026-10-13 | 16:10
مع مرور ثلاث سنوات على عملية (طوفان الأقصى)، نستعرض الخلاصات الاستراتيجية التي أفرزتها المرحلة الراهنة على مستويات متداخلة حد التشابك. المستوى الفلسطيني، من حيث مرونة المقاومة وتحديات الحوكمة، والمستوى الكياني الإبادي الذي يواجه أزمات هوية عسكرية وسياسية غير مسبوقة، والمستوى الإقليمي والدولي الذي يعيد تموضع القوى بين خيارات التطبيع ومواقف القوى العظمى. وصولاً إلى مستوى الأمم المتحدة والمنظمات والهيئات الدولية.
أولاً المستوى الفلسطيني (بين إعادة المركزية وفداحة الثمن)
• نجحت العملية في دفن مسارات تصفية وتهميش القضية الفلسطينية، وأعادتها كركيزة أساسية لا يمكن تجاوزها لتحقيق أي استقرار إقليمي.
• دفع قطاع غزة ثمناً باهظاً جداً، حيث سقط نحو 75 ألف شهيد وأكثر من 175 ألف جريح، مع تدمير البنية التحتية بالكامل وبقاء أكثر من مليون ونصف فلسطيني في الخيام والمساكن المؤقتة.
• يسيطر كيان الإبادة فعلياً على نحو ثلثي القطاع، فيما يواجه شعبنا الفلسطيني تحدي غياب رؤية سياسية موحدة واستمرار الانقسام الداخلي لإدارة الإعمار والحكم.
• استغلت حكومة الاحتلال الفاشية بقيادة "بنيامين نتنياهو" الحرب لتسريع تهويد الضفة ورفع وتيرة الاستيطان ومصادرة الأراضي بمعدلات قياسية.
ثانياً المستوى الكياني الإبادي (صدمة أمنية ومطرقة قضائية)
• شكّلت عملية 7 أكتوبر صدمة استراتيجية أبدية هزت ثقة مجتمع كيان الاحتلال في تفوقه التكنولوجي والاستخباراتي وقدرة جيشه على توفير "الأمن المطلق"، ووضعته جدياً أمام مأزق وجودي.
• واجه كيان الإبادة واقعاً قانونياً ودبلوماسياً معقداً، تمثل في استمرار دعوى "الإبادة الجماعية" أمام محكمة العدل الدولية، وإصدار مذكرات اعتقال دولية بحق "بنيامين نتنياهو" وقادة آخرين من قِبل المحكمة الجنائية الدولية.
• تحل الذكرى الثالثة بالتزامن مع اقتراب أول انتخابات عامة داخل دولة الاحتلال، وسط انقسامات حادة حول المسؤولية عن الإخفاق الأمني وملف الرهائن والأسرى.
ثالثاً المستوى الإقليمي والدولي (بروز توازنات جديدة وعالم متعدد الأقطاب)
• حقق المسار الدبلوماسي الفلسطيني مكاسب غير مسبوقة، حيث ارتفع عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين رسمياً إلى 159 دولة، وصوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة لمنح فلسطين العضوية الكاملة وتفعيل حل الدولتين.
• ثبت للدول العربية والمُطبِّعة أنّ مسارات ما يسمى "السلام والتطبيع الإقليمي" لا يمكن فصلها عن المسار الفلسطيني الإجباري وضرورة إقامة الدولة المستقلة.
• برزت أدوار إقليمية متوازنة تعتمد على الدبلوماسية السياسية والاقتصادية لحماية الممرات المائية وأمن الطاقة بعيداً عن هيمنة وسطوة الولايات المتحدة، بعد حربها وكيان الإبادة على إيران.
• اضطرت الولايات المتحدة إلى العودة بكل ثقلها العسكري والدبلوماسي المباشر إلى المنطقة لحماية كيان الإبادة بعد أن كانت تخطط لتقليص انخراطها في الشرق الأوسط للتركيز على صراعات شرق آسيا وأوروبا.
• شهدت العواصم والجامعات الغربية حراكاً شعبياً جارفاً أسقط الرواية التاريخية الزائفة لكيان الاحتلال الصهيوني، ونقل التضامن مع فلسطين إلى مستوى حقوقي وإنساني عالمي.
رابعاً مستوى الأمم المتحدة والمنظمات والهيئات الدولية
• توثق تقارير الأمم المتحدة استمرار سقوط الضحايا وحصار المدنيين في مناطق ضيقة وتوسيع رقعة السيطرة العسكرية لقوات الاحتلال، مما أثبت عجز الهيئات التنفيذية للأمم المتحدة وفي مقدمتها مجلس الأمن عن الانتقال من مربع "التشخيص والإدانة" إلى مربع "الإلزام الفعلي".
• أصبحت القضية الفلسطينية محوراً لأكبر ملاحقة قانونية دولية في العصر الحديث. وثّقت لجان التحقيق الأممية ارتكاب كيان الاحتلال لجرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، لا سيما التعمد في استهداف الأطفال.
• في قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد كيان الإبادة، حددت محكمة العدل الدولية في مايو 2026 مواعيد نهائية ممتدة لتقديم الردود المكتوبة، حيث مُنحت جنوب أفريقيا مهلة حتى نوفمبر 2027 للرد، بينما حُدد مايو 2029 لتقديم الرد من قبل الاحتلال. هذا التباطؤ الإجرائي وضع مصداقية العدالة الدولية السريعة تحت مجهر الانتقاد الشعبي والعالمي.
• دخلت دول كبرى ونامية على خط الملاحقة القضائية، حيث تدخلت دول مثل هولندا وآيسلندا وناميبيا لدعم الدعوى، في حين تدخلت الولايات المتحدة وحلفاء آخرون لعرقلة المسار القانوني، ووصل الأمر إلى فرض ضغوط وعقوبات سياسية واقتصادية على المحكمة الجنائية الدولية ومسؤوليها.
• خلصت القراءات السياسية داخل أروقة الأمم المتحدة إلى أنّ الدعم المطلق وغير المشروط الذي قدمته القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة للكيان الصهيوني قد أفقد "النظام الدولي القائم على القواعد" جزءاً كبيراً من شرعيته الأخلاقية والسياسية.
إنّ الخلاصات المستنتجة على كافة المستويات تؤكد أن الصراع قد دخل مرحلة (اللاعودة للوراء)، فالواقع الجديد فرض معادلات يصعب تجاوزها. فلسطينياً، ترسخت الهوية النضالية كركيزة ثابتة رغم فداحة الأثمان البشرية والمادية. والاحتلال تصدعت لديه نظرية الأمن المطلق والردع الحاسم، مما يضع المجتمع والقيادة أمام أسئلة وجودية معقدة. وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، أثبتت الأزمة أن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه عبر تجاوز القضية الفلسطينية أو القفز فوق حقوقها المشروعة. وأخيراً، يظل العجز المشهود في أروقة الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية بمثابة جرس إنذار يفيد بأن المنظومة القانونية العالمية تحتاج إلى إصلاحات جذرية لتنتقل من مربع "التشخيص والإدانة اللفظية" إلى مربع "الإنفاذ والمحاسبة الفعلية".