تاريخ النشر: 2026-10-17 | 09:49
تاريخ النشر: 2026-10-17 | 09:49
فجّر طوفان الأقصى وما تلاه من حرب الإبادة على قطاع غزة، تحولات عميقة في المجتمع الفلسطيني، وكشف عن اتساع الفجوة بين قطاعات واسعة من الشعب والفصائل الفلسطينية، سواء تلك المنضوية في منظمة التحرير الفلسطينية أو الواقعة خارجها. ولم يعد الغضب مقتصراً على مواقف سياسية بعينها أو على الخلاف بشأن قرارات محددة، بل امتد إلى أسئلة أكثر عمقاً تتعلق بطبيعة التمثيل الفلسطيني، وشرعية القيادة، ومسؤولية الفصائل عن المسار الوطني، ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف التي تأسست من أجلها.
فقدت الفصائل الفلسطينية، بدرجات متفاوتة، جزءاً كبيراً من رصيدها الوطني والسياسي والأخلاقي، وتآكلت شعبيتها ومكانتها النضالية بفعل تراكم الإخفاقات، واستمرار الانقسام، وغياب المراجعة والمساءلة، والعجز عن تطوير وسائل العمل السياسي والنضالي، بما يتناسب مع التحولات التي شهدها المجتمع الفلسطيني والعالم خلال العقود الماضية. ولم تعد الشعارات التي رفعتها هذه الفصائل، وفي مقدمها تحرير فلسطين وعودة اللاجئين، كافية للحفاظ على ثقة الناس، في ظل اتساع الهوة بين الأهداف المعلنة والممارسة السياسية الفعلية.
لكن المسألة لا تتعلق بتغيّر الأجيال وحده، ولا بتراجع شعبية الفصائل نتيجة الحرب وتداعياتها، بل بتغير الظروف نفسها، وطريقة تفكير الناس، ونظرتهم إلى القوى السياسية التي تدّعي تمثيلهم. فقد تغير المجتمع الفلسطيني، وتغيرت أولوياته وتوقعاته، وأصبح أكثر مساءلة للقيادات والقرارات، فيما لم تنجح الفصائل في استيعاب هذه التحولات أو التعامل معها بأدوات مختلفة.
في الماضي، كان لدى الفصائل رصيد من الثقة والمكانة التاريخية والنضالية يسمح لها بتمرير قرارات ومواقف من دون الحاجة إلى شرح جميع تفاصيلها أو إقناع الجميع بها. وكانت قطاعات من الفلسطينيين تتقبل قرارات صعبة انطلاقاً من ثقتها بقياداتها وتاريخها وتضحياتها، حتى عندما لا تفهم كل الحسابات والاعتبارات التي تقف وراء تلك القرارات. كانت الثقة، في كثير من الأحيان، تختصر وقت الإقناع وتمنح القيادة مساحة للتحرك.
أما اليوم، فقد تغيرت هذه المعادلة. أصبح كل قرار بحاجة إلى تفسير، وكل موقف بحاجة إلى تبرير، وكل خطوة تفتح باباً للنقاش والتساؤل. وليس بالضرورة أن يكون ذلك دليلاً على أن الناس أصبحوا أقل التزاماً أو أكثر صعوبة، بل إنهم لم يعودوا مستعدين لمنح ثقتهم لمجرد اسم الفصيل أو تاريخه، من دون أن يروا أداءً مقنعاً، أو يشعروا بأنهم شركاء في القرار، أو يلمسوا نتائج عملية للسياسات التي تُتخذ باسمهم.
والمشكلة الأعمق أن الفصائل لم تستوعب بعد حجم هذا التحول. فكلما تراجعت ثقة الناس بها، ازدادت صعوبة إقناعهم، وكلما عجزت عن إقناعهم، تراجعت الثقة فيها أكثر. وهكذا دخلت العلاقة بين الطرفين في دائرة مغلقة، يصعب الخروج منها بالخطاب التقليدي أو باستدعاء التاريخ النضالي وحده.
في السابق، كان من الممكن تمرير قرار خلال دقائق بالاعتماد على الثقة والمكانة، أما اليوم فقد يستغرق شرحه يوماً أو أسبوعاً من دون أن تتمكن القيادة من إقناع الناس به. ليست المشكلة بالضرورة في القرار ذاته أو في طريقة عرضه، بل في حجم الثقة المتبقية بين الطرفين. فعندما تضعف الثقة، يصبح حتى القرار الصحيح موضع شك، بينما تستطيع القيادة التي تتمتع بثقة الناس أن تشرح لهم القرارات الصعبة، وأن تطلب منهم تحمل أعباء استثنائية عندما تقتضي الظروف ذلك.
باختصار، كانت الثقة تختصر وقت الإقناع، أما اليوم فأصبح الإقناع شرطاً لاستعادة الثقة. وهذه معادلة مختلفة تماماً، لا يمكن للفصائل التعامل معها بالأدوات والأساليب القديمة، أو الاكتفاء بتحسين خطابها الإعلامي والسياسي، من دون تغيير حقيقي في ممارساتها وعلاقتها بالمجتمع.
ولا يمكن فصل أزمة الثقة عن تقادم النموذج الفصائلي نفسه. فالمشكلة ليست في أن الفصائل تأسست قبل عقود، أو أن الأجيال الجديدة تختلف عن الأجيال التي انخرطت في العمل الوطني في مراحل سابقة، بل في أن عدداً منها لم ينجح في تحويل خبرته التاريخية وتضحياته إلى قدرة متجددة على التعلم والتكيف. وخلال العقود الثلاثة الماضية، شهد العالم والمنطقة والمجتمع الفلسطيني تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية هائلة، تغيرت معها طبيعة الصراعات وأدوات العمل السياسي والنضالي، بينما بقيت فصائل كثيرة أسيرة بنيتها التنظيمية التقليدية، وآليات اتخاذ القرار ذاتها، وخطاب لم يعد كافياً للإجابة عن أسئلة الحاضر والمستقبل.
كما لم تنجح هذه الفصائل في إجراء مراجعات جادة لتجاربها، أو استخلاص العبر من إخفاقاتها، أو تطوير وسائل وأساليب نضالية وسياسية تتناسب مع المتغيرات. وبمرور الزمن، تآكل رصيدها النضالي، ولم تعد التضحيات السابقة ضمانة لاستمرار شعبيتها أو شرعيتها. فالتاريخ الوطني، مهما كان غنياً بالتضحيات والإنجازات، لا يمنح أصحابه تفويضاً دائماً، ولا يعفيهم من مسؤولية مراجعة خياراتهم وتحمّل نتائج قراراتهم.
وتتجاوز هذه الأزمة الفصائل منفردة لتطاول النظام السياسي الفلسطيني برمته، وفي القلب منه منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية. فقد تأسست منظمة التحرير بوصفها إطاراً وطنياً جامعاً لتمثيل الشعب الفلسطيني وقيادة نضاله من أجل التحرر وتقرير المصير وعودة اللاجئين. لكن إنشاء السلطة الفلسطينية في سياق اتفاقات أوسلو، ثم استمرار الانقسام وتعطل تجديد المؤسسات التمثيلية، أوجد واقعاً سياسياً تداخلت فيه وظائف التمثيل الوطني مع وظائف الحكم والإدارة والأمن، من دون أن تتوافر مقومات السيادة أو ينتهِ الاحتلال.
ومع مرور الوقت، باتت العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية تثير أسئلة جوهرية بشأن طبيعة المشروع الوطني وأولوياته. فهل ما زالت المنظمة تؤدي دورها بوصفها حركة تحرر وطني وإطاراً جامعاً للفلسطينيين في أماكن وجودهم، أم أن وظائفها ومؤسساتها تراجعت لمصلحة بنية سياسية تتركز حول إدارة السلطة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967؟ وهل ما زالت الفصائل تنظر إلى السلطة باعتبارها أداة لخدمة المشروع الوطني، أم أصبح الحفاظ على المؤسسات والمواقع والنفوذ جزءاً من حساباتها السياسية والتنظيمية؟
لا يعني ذلك أن إدارة شؤون الفلسطينيين تتعارض بالضرورة مع النضال من أجل التحرر، بل إن المشكلة تبدأ عندما تطغى متطلبات إدارة سلطة محدودة الصلاحيات تحت الاحتلال على أهداف التحرر الوطني، أو عندما يتحول الحفاظ على البنية السياسية القائمة إلى غاية في حد ذاتها، بدل أن يكون وسيلة لخدمة الشعب وتحقيق حقوقه.
وعندما تنشغل القوى السياسية بإدارة الانقسام وتوزيع النفوذ والمواقع، وتتراجع قدرتها على تجديد التمثيل الوطني ووضع استراتيجية مشتركة لمواجهة الاحتلال، فإن الفجوة بينها وبين المجتمع تصبح أكثر اتساعاً.
تتعمق أزمة الشرعية أيضاً بفعل غياب الانتخابات الدورية، وتعطل المؤسسات التمثيلية، واستمرار احتكار القرار، وغياب المحاسبة السياسية. فالشرعية ليست مجرد صفة تستمدها القيادة من تاريخ تأسيسها أو من الاعتراف الخارجي بها، بل ترتبط كذلك بقدرتها على تمثيل الناس، والاستجابة لتطلعاتهم، وإشراكهم في القرارات المصيرية، والخضوع للمساءلة عن النتائج. ومن دون ذلك، تصبح الشرعية التاريخية رصيداً متناقضاً، لا يمكن تعويضه بمجرد تكرار الشعارات الوطنية أو المطالبة بالالتفاف حول القيادة.
لقد كشفت حرب الإبادة على قطاع غزة، بما خلفته من دمار وخسائر بشرية ونزوح ومعاناة غير مسبوقة، حجم الأزمة التي تعيشها الحركة الوطنية الفلسطينية، وعجز النظام السياسي عن تقديم إجابات مقنعة بشأن إدارة الكارثة، ومستقبل القطاع، وإعادة الإعمار، ووحدة المؤسسات والقرار الوطني، وشكل العلاقة مع الاحتلال. ولا يمكن اختزال هذه الأزمة في خلافات الفصائل أو في تداعيات الحرب وحدها، لأنها ترتبط أيضاً بغياب مشروع وطني جامع، وبعجز القوى السياسية عن بناء علاقة جديدة مع المجتمع تقوم على الثقة والمشاركة والمساءلة.
الخروج من هذه الأزمة لا يبدأ بتبادل الاتهامات، ولا بمجرد تغيير بعض القيادات أو تحسين الخطاب الإعلامي، بل بمراجعة شاملة لطبيعة المشروع الوطني وأدواته ومؤسساته. مراجعة تعترف بالإخفاقات والأخطاء، وتعيد تعريف العلاقة بين الفصائل والمجتمع، وتفتح المجال أمام تجديد منظمة التحرير على أسس ديمقراطية وتشاركية، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء المؤسسات التمثيلية، وضمان حق الفلسطينيين في اختيار من يمثلهم ومحاسبته.
والأهم أن تدرك الفصائل أن استعادة الثقة لا تتحقق بالمطالبة بها، ولا باستدعاء تاريخها وتضحياتها كلما تعرضت للنقد، بل بإثبات قدرتها على التعلم والتغيير، وبالاعتراف بأن شرعيتها ليست ملكاً لها، وإنما تستمدها من الشعب الذي تدّعي تمثيله، ومن قدرتها على خدمة أهدافه وحقوقه الوطنية.
فالأزمة الفلسطينية اليوم ليست فقط أزمة فصائل فقدت جزءاً من شعبيتها، بل أزمة نموذج سياسي ونضالي لم يعد قادراً على استيعاب التحولات التي حدثت في المجتمع، ولا على تجديد شرعيته وأدواته.
والسؤال الذي يواجه الفلسطينيين ليس كيف يمكن إعادة الثقة بالفصائل كما كانت في الماضي، بل كيف يمكن بناء حركة وطنية متجددة تستعيد ثقة الناس، وتعيد الاعتبار إلى المشاركة والمساءلة، وتربط بين إدارة الشأن الفلسطيني ومشروع التحرر الوطني.
فلا يمكن لحركة تحرر وطني أن تستمر بالاعتماد على شرعية الماضي وحدها، ولا يمكن لنظام سياسي أن يدّعي تمثيل شعبه إلى أجل غير مسمى من دون تفويض متجدد. وبين شرعية التاريخ وشرعية الحاضر، تقف الحركة الوطنية الفلسطينية أمام استحقاق لا يمكن تأجيله: إما أن تراجع نفسها وتعيد بناء علاقتها بالشعب على أسس جديدة، أو أن تواصل التراجع فيما تتسع الفجوة بينها وبين المجتمع الذي نشأت أصلاً من أجل تحريره وتمثيله.