النخب الثلاث في إسرائيل ودورها في تشكيل الرأي العام
فايز أبو رزق
أمد/ تتقاطع مسارات الهيكل السلطوي في الدولة العبرية بأشكال منظمة ومدروسة بعناية، فهي لا تتبنى الصدفة أو الاحتمالات العشوائية، بل إنها مبرمجة في مخططات أكثر تعقيدا، فرؤوس مثلث الهيمنة (المال، الساسة، العسكر) تتحكم في الإعلام من وراء الكواليس، وتوجه الرأي العام في الاتجاه الذي يحقق أهدافها.
إن قطار الإعلام الإسرائيلي لا يسير على سكة مستقلة عن مراكز التأثير السياسي والعسكري والاقتصادي، بل يمثل الساحة الخلفية والمرآة التي تعكس توازنات المصالح بين أضلاع هذا المثلث، لذلك السؤال المنطقي الذي يجب طرحه: من يشكل الرأي العام ومن يكرس مضامينه؟
في السنوات الأخيرة، شهد الاقتصاد الإسرائيلي تسارع عمليات الخصخصة، مما منح النخب الاقتصادية دورا أساسيا في بناء النفوذ، فالأمر تعدى تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية، إلى توزيع النفوذ بين أصحاب الثروة والسلطة والسلاح، وغدت النخبة الاقتصادية في شراكة دائمة مع النخبتين السياسية والعسكرية، بحيث تدعم هذه النخب الثلاث بعضها البعض في تصدر المشهد الإسرائيلي، في إطار ما يمكن وصفه بـزواج متعة، تلتقي فيه ثروة رجال الأعمال بنفوذ الساسة وسطوة العسكر.
وفي الوقت الذي يتربع فيه رئيس الحكومة الإسرائيلية على قمة الهرم السياسي كأقوى الفاعلين، يمتد في المقابل نفوذ النخبة العسكرية إلى عمق صناعة القرار عبر الاستراتيجيات الأمنية والموازنات الضخمة. ورغم وجود نخب فاعلة أخرى في المجتمع الإسرائيلي، كجهاز القضاء، وكبار الحاخامات، ورؤساء تحرير الصحف، ومدراء المستشفيات والجامعات، إلا أنها تظل في المحصلة أقل تأثيرا ونفوذا من النخب الثلاث الرئيسة سالفة الذكر.
هذا التحالف المتداخل للنخب الثلاث يستغل المنظومة التعليمية، والثقافية، والإعلامية كأدوات أيديولوجية لضمان شرعيته وبقاء نفوذه.
ولا تقف هذه التبعية عند حدود التحليل النظري، بل تتجسد واقعيا في خريطة احتكار إعلامي شديدة التركز، إذ تسيطر مجموعة محدودة من العائلات على أبرز الصحف والمنصات الرقمية في إسرائيل وتوجهها. وتبرز في هذا السياق عائلة "موزس" التي تهيمن على مجموعة "يديعوت" بما تشمله من صحيفة "يديعوت أحرونوت" وموقع "واي نت" إضافة إلى صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية، وتنافسها عائلة "عازور" بقيادة "إيلي عازور" التي تمتلك صحيفة "معاريف" وبوابة "واللا" الإخبارية وصحيفة "جيروزاليم بوست". وفي جانب آخر تملك عائلة "شوكن" صحيفة "هآرتس" و"ذي ماركر" الاقتصادية، فيما تسيطر عائلة "بار-أون" على مجموعة "غلوبس" التي تصدر الصحيفة الاقتصادية وتنظم سنويا "مؤتمر إسرائيل للأعمال". وتكتمل الخريطة بعائلة "أديلسون" التي تملك "يسرائيل هيوم" المجانية الأوسع انتشارا والمحسوبة على اليمين، إلى جانب "مكور ريشون" ذات التوجه الصهيوني الديني. ويعكس هذا التركز في الملكية لجوء الإعلام إلى بنية نفوذ متشابكة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع التأثير السياسي بدلا من العمل في فضاء تنافسي.
وقد امتدت خارطة الاحتكار هذه لتشمل ملكية القنوات الإسرائيلية الخاصة المؤثرة في الرأي العام؛ حيث تبرز القناة الثانية عشرة المملوكة لمجموعة "كيشيت" الإعلامية، والتي تسيطر عليها عائلة "فرتهايم"، صاحبة الامتياز الاحتكاري لشركة "كوكا كولا" والحصص الضخمة في قطاع المصارف والعقارات، ورغم أن القناة تتبع خطا تحريريا وسطيا يمنح مساحة نسبية للنقد السياسي، فإن هذا الهامش لا يكون مستقلا تماما عن حسابات الملكية والمصالح الاقتصادية. وفي المقابل، تملك شركة "ريشيت" القناة الثالثة عشرة، والتي يخضع نفوذها لسيطرة الملياردير البريطاني–الأمريكي "لين بلافاتنيك"، ومع أن القناة تعرف تقليديا بتغطياتها الاستقصائية ومواقفها الأكثر نقدا للحكومة، إلا أن ملكية بلافاتنيك -المقرب من دوائر السلطة- وضعت القناة مرارا في مهب التجاذبات، وسط اتهامات مستمرة بمحاولة تدجين هذا الخط التحريري الاستقصائي ومراعاة الحسابات السياسية للنخبة الحاكمة.
أما القناة الرابعة عشرة، فيسيطر عليها الملياردير ورجل الأعمال "إسحاق ميريلشفيلي"، وتعد اليوم المنبر التلفزيوني الأبرز لتيار اليمين القومي والديني، والمؤيد لمعسكر بنيامين نتنياهو. وتعكس القناة نموذجا إعلاميا يميل بوضوح إلى الخطاب السياسي الداعم لهذا المعسكر، من خلال توظيف محتواها في تعزيز هذا التوجه وحشد التأييد له داخل الرأي العام. ويتعمق هذا الترابط المعقد عبر قضايا مفصلية وهزات سياسية كشفت بوضوح حدود العلاقة النفعية بين أطراف الثالوث، وتعد قضية "نتنياهو - موزس" المعروفة بالملف 2000 شاهدا بارزا، حيث تتضمن اتهامات لنتنياهو بالاحتيال وخيانة الأمانة إثر مساومات سرية مع أرنون موزس، مالك صحيفة "يديعوت أحرونوت"، للحصول على تغطية إعلامية إيجابية ومهاجمة خصومه السياسيين، مقابل تمرير تشريعات تقيد الصحف المنافسة لها. وتتوازى معها قضية "بيزك - واللا" أو الملف 4000، والتي يتهم فيها نتنياهو بمنح مزايا وتسهيلات بمليارات الشواكل إلى شاؤول ألوفيتش مالك شركة الاتصالات "بيزك"، مقابل توجيه التغطية الإخبارية لصالحه وعائلته على موقع "واللا"، الذي كان تابعا للشركة آنذاك.
كما يمثل نموذج صحيفة "يسرائيل هيوم" تجسيدا آخر لتوظيف المال السياسي، إذ قامت على تمويل مباشر وغير محدود من الملياردير شلدون أديلسون، ثم أرملته من بعده، لكسر قواعد السوق عبر التوزيع المجاني شريطة الالتزام بخط تحريري مؤيد لليمين، ولعل الحرب المستمرة على قطاع غزة تمثل النموذج الأبرز لتلاحم هذا الثالوث، إذ تحول الإعلام العبري بمختلف منصاته إلى ما يشبه أداة لتعبئة الرأي العام خلال الحرب، حيث غابت فيه الفوارق بين القنوات التجارية الخاصة والأجهزة العسكرية الرسمية. وتجلى هذا التلاحم واقعيا من خلال خضوع وسائل الإعلام التام لأوامر الرقابة العسكرية المشددة، والتي لم تكتف بشطب الأخبار، بل فرضت منعا كاملا لنشر صور الضحايا أو الدمار في غزة لعزل المجتمع عن حقيقة المعركة. ولم تقتصر هذه السطوة على الإملاءات الفوقية للرقيب العسكري، بل تماهى معها الإعلام العبري عبر آلية "الرقابة الطوعية والذاتية"، مدفوعا بالتبني التلقائي للرواية الصهيونية الجمعية، ليتطوع بنفسه في تجنيد الوعي العام وحجب الحقيقة.
وتوازى هذا المنع مع تدفق مالي بملايين الشواقل من خلال توجيه الإعلانات الحكومية وحملات الشركات الكبرى والمصارف نحو القنوات التي تتبنى الخطاب القومي المتشدد - مثل القناة الرابعة عشرة - كمكافأة لها على تأمين الولاء السياسي وتجنيد الوعي العام خلف رواية الجيش، مما أدى في النهاية إلى خنق وتغييب شبه كامل لأي صوت ناقد أو رواية بديلة داخل الإعلام السائد.
ولم يعد هذا التحالف بين النخب محصورا في الشاشات والورق، بل امتد ليشمل توجيه الخوارزميات من خلال بناء خط مصالح جديد مع قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك)، وهو ما كشفته تحقيقات استقصائية بارزة مثل مشروع "الشبكة المزيفة" والتي وثقت استخدام معسكر نتنياهو وحزب "الليكود" لشبكات من الحسابات الآلية الممولة برؤوس أموال ضخمة للاستحواذ على المنصات الرقمية وإعادة صياغة الوعي الجمعي رقميا.
وأمام هذا الحصار الاحتكاري، ظهرت محاولات لخلق صحافة مستقلة تسعى لاختراق هيمنة الرواية السائدة للنخب، سواء عبر مواقع استقصائية تعتمد على نماذج تمويل بديلة خارج منظومة الإعلانات التقليدية، مثل موقع "سيحا ميكوميت" وموقع "العين السابعة" المتخصص في النقد الإعلامي، أو من خلال أصوات استثنائية من داخل الصحافة التقليدية ذاتها مثل الصحفي "جدعون ليفي" في صحيفة "هآرتس"، الذين يحافظون على هامش من الاستقلالية والنقد الحاد لسياسات المؤسسة الحاكمة.
ومع ذلك، فإن هذا المشهد لا يمكن اختزاله في ثنائية "إعلام مسيطر عليه بالكامل" مقابل "إعلام مستقل تماما"، إذ تكشف التجربة عن وجود مساحات توتر داخل المؤسسات الإعلامية نفسها بين غرف التحرير ودوائر الملكية والإدارة. فقد شهدت صحيفة "هآرتس" على سبيل المثال نقاشات داخلية متكررة بين الخط التحريري والإدارة المالكة حول الأولويات التحريرية في ظل الضغوط المالية وتراجع سوق الإعلانات. كما عرفت قناة " 13" خلال السنوات الأخيرة تغييرات متكررة في إداراتها التحريرية رافقتها خلافات مهنية حول اتجاه التغطية السياسية وحدود الاستقلال التحريري. وفي السياق ذاته، أظهرت قضية موقع "واللا" ضمن ملف "بيزك - واللا" كيف يمكن أن تتحول العلاقة بين الإدارة والملكية إلى ضغط مباشر على غرف التحرير لتوجيه التغطية، قبل أن تتحول لاحقا إلى ملف قضائي واسع.
وتواجه هذه الهوامش معوقات بنيوية خانقة، إذ تحرمها النخبة الاقتصادية من عوائد الإعلانات، وتلاحقها النخبة السياسية بالتشريعات والتخوين، بينما تخضعها النخبة العسكرية لأوامر الرقابة المشددة، مما يجعل تأثير هذه الأصوات محاصرا وضمن نطاقات تعجز عن زحزحة توازنات القوة القائمة.
وفي نهاية المطاف، وأمام هذا المشهد المعقد، تكشف هذه الملفات حدود النموذج الديمقراطي الإسرائيلي الذي لطالما تباهت به سردية المؤسسة الحاكمة، ليبقى السؤال الحاسم مفتوحا، فإذا كانت المحاكمات قد نجحت في تعرية هذا التحالف وكشف أوراقه، فهل تكفي الملاحقات القضائية لنتنياهو لتفكيك التحالف العضوي بين "المال والسياسة والعسكر"، أم أن شبكات المصالح باتت أعمق من مقصلة القانون المغيب، وقادرة دوما على إعادة تشكيل تحالفاتها بوجوه جديدة تضمن بقاء الفضاء الإعلامي أداة طيعة، والرأي العام رهينة لسطوة حيتان المال وأروقة القرار؟
