متنفَّس عبرَ القضبان (181)

تابعنا على:   12:12 2026-06-22

حسن عبادي

أمد/ بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛

أواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن، صمتهن وصراخهن.

أتصل من بوابة الدامون مباشرة بأهالي من تم قمعهن والاعتداء عليهن، ليعرفوا الحقيقة كاملة من مصدر أوّل دون تأويل، وبعدها أتصل بأهالي من التقيتهنّ، وأوصل بعدها رسائل باقي الأسيرات، ومن ثم أقوم بتقديم الشكاوى لإدارة السجن وسلطة السجون؛ 

حاولت قدر المستطاع إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر الإعلام الدولي خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي البغيض، وهذا أضعف الإيمان؛

وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.

عقّب موسى عمايرة (أخ الأسيرة المحرّرة سامية الجواعدة [1] "منذ فترة وأنا أحاول ابتعد عن قراءة تفاصيل زياراتك... لا لأنني لا أريد قراءتها. بل لأنني أجد نفسي عاجزا أولاً عن إسعاد من يعاني وتخفيف الهموم لهم، وكذلك استأنس بالمقولة "رحم الله من عرف قدر نفسه". إلا أنني صباح اليوم شدني الحنبن حين قرأت الدامون...

ولم أتمالك إلا أن أقرأ المكتوب والتفاصيل وأفتش في خفايا الرسالة لكي أشتم رائحة الحبيب أو أستل من بين الكلمات خبرا سعيد... لكن مشيئة الله وقدره نافد.
 كيف للكلمات أن تُنصف ما تفعله؟

حين تعبر بوابات السجن حاملاً معك نبض قلوبنا المتعبة، تحمل أكثر من سلام وخبر وقصة...

تحمل أرواحنا المعلقة بين جدران الأسر، تحمل دموع الأمهات التي لا تجف، وحنين الأطفال لأصوات لم يسمعوها منذ زمن.


زيارتك ليست مجرد زيارة… هي جسر بين عالمين: عالم خلف القضبان يسوده الظلام والترقب، وعالم خارجها تسكنه قلوب محطمة تنتظر همسة طمأنينة. حين تجلس أمامها، تُعيد إليها شيئاً من إنسانيتها المسلوبة، وحين تعود إلينا بأخبارها، تُعيد إلى صدورنا شيئاً من الأمل الذي كاد أن يُسلب. الأسيرة قصتها... قصتنا... قصة أمة بأكملها... قصة حُبلى بالألم، مثقلة بالوجع، لكنها-بفضل الله ثم بفضل أمثالك-لا تزال تنبض بالأمل. كل تفصيلة تسردها لنا عنها تُحرك في نفوسنا ما لا يُوصف: فرح ممزوج بدموع، اطمئنان مشوب بحسرة، شوق يهيج الحنين حتى يكاد القلب أن ينفطر.
أستاذ حسن أنت لست محامياً فقط. بل أنت رسول الطمأنينة، أنت همزة الوصل بين القلوب المتباعدة، أنت من يُخفف عن الأسير وحشة الزنزانة بكلمة طيبة، وتُخفف عن الأهل لوعة الفراق بخبر يشفي الصدور ولو قليلاً. فكلمة شكراً وحدها لا تكفي، ولا تفي بحقك الحروف. لكنه كل ما نملك. شكراً لأنك تحمل همّنا وكأنه همّك، ووجعنا وكأنه وجعك. شكراً لأنك لم تدع الظروف القاسية تُطفئ في قلبك جذوة الإنسانية. بوركت جهودك، وبوركت خطواتك، وبورك فيك أينما كنت. من قلوب تعتصرها اللوعة، ومن أرواح تتعلق بالأمل..." ‏

وعقّب ماجد حسن (والد الأسيرة المحرّرة شهد) [2]:

"كلمة شكر لرجل يستحق..

إلى الأستاذ الكريم، المحامي حسن عبادي ابن مدينة حيفا المحتلة:

لم ألتقِ بك يومًا، ولم أجلس إليك لحظة، ولا تعرفني ولا أعرفك، لكن أفعالك النبيلة هي التي أملت عليّ أن أرفع لك كلمة شكر واعتزاز.

منذ السابع من أكتوبر وحتى اليوم، نذرت نفسك لرعاية الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون، ومن بينهن ابنتي الأسيرة شهد. تحملت هذه المسؤولية العظيمة بروح إنسانية ووطنية، تزور الأسيرات بشكل دوري، تحفظ أسماءهن وعناوينهن، وتتواصل مع عائلاتهن قبل كل زيارة لتسأل عن أخبار يودون إيصالها، ثم لا تلبث بعد الزيارة أن تبادر بالاتصال لإبلاغ الأهالي بأحوال بناتهم وظروفهن ومعاناتهن.

لقد قمت بما لم يقم به كثير من المحامين، فأديت رسالتك بصدق وأمانة ومهنية واقتدار، دون أن تنتظر أي مردود مادي، في وقتٍ يتخذ فيه بعض المحامين من قضية الأسرى وسيلة للكسب المادي الباهظ.

إن ما تقوم به من جهد متواصل، ومن قلبٍ عامر بالإنسانية، يجعلنا نقف إجلالًا واحترامًا أمام شخصك الكريم، ونرفع لك أسمى معاني الشكر والامتنان.

باسمي، كأبٍ لأسيرة، وباسم كل أهالي الأسيرات اللواتي شاركني ذات الشعور، وباسم كل إنسان حر وشريف من أبناء هذا الوطن، نتوجّه إليك بخالص التقدير والعرفان على دورك الإنساني والوطني الكبير في خدمة الأسيرات الفلسطينيات ونقل معاناتهن وظروف اعتقالهن القاسية وغير الإنسانية إلى الرأي العام المحلي والعالمي.

سائلين المولى عز وجل أن يحفظك ويرعاك، وأن يبارك في جهودك، وأن يجعل ما قدّمت وتقدّم في ميزان حسناتك يوم القيامة."

"استنّوني لعقيقة هيّومة"

بعد لقائي بليان ناصر [3] ظهر يوم الاثنين 19.01.2026 في سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب أطلّت الأسيرة هيام إسماعيل محمد غزال (مواليد 15.04.1971)، رهن الاعتقال منذ 08.01.2026، أم لبراء ويحيى (كان عمره 8 أيام لمّا فقد أبوه) وزكريا وتيماء وأسامة، وجدّة لمريم وهيام.

تروحنت ودمعت عيناها حين أوصلتها رسالة براء (هي مريم وهيوم جنبي برموا لك بوسات) وعقّبت بعفويّة "مبسوطة أنّي لاعبتهن قبل الاعتقال، بشوفهم بالمنام".

الوضع مأساة، زيّ القبر، فش ساعة نعرف الوقت، الأكل سيئ جداً، 3 أيام بدون أكل، كلبشة ع الطالع والنازل، دفش كلّ الوقت، مسبّات من الكل، كلّ واحد بعرف مين أنا بيجي وبدفشني.

حدّثتني عن الاعتقال؛ يوم الخميس 08.01.26 بنصّ الليل، قوات خاصة، سألوني عن 5 كتب ما بعرف عنها، وعن كتاب "المهندس" يلّي صدر قبل 30 عام، جابوا معهم أغراض ع البيت ساعة الاعتقال وصوّروها، يوم كامل في حوّارة، وبعدها في الشارون، صاروا الجنود والسجّانين ينادوا ع بعض وكل واحد بعرفني  بضربني ويتصوّر معي. عشرات من هالشكل.

تعمّدوا يصوّروني كل الوقت مع العلَم، وكل واحد بتصوّر معي. الكلام وسخ عليّ وعلى... تنكيل وضرب كلّ الوقت، ولمّا أوقع من الكلبشات بصيروا يضحكوا عليّ.

هيام بغرفة 3؛ برفقة حنان البرغوثي [4]، نداء دندن/ جديدة من عكا، ياسمين شعبان، ماسة غزال [5]، ميس نزال [6] وسماح حجاوي. تنقّلات كلّ الوقت.

حدّثتني عن القمعة الصباحيّة؛ قمعة استقبال لها، قنبلة صوتيّة في الساحة بعد صلاة الفجر، شحشطونا وجرجرونا مع كلبشات، إيدين لورا، وإجرين، وطلّعونا لبرّا.

غيار واحد، الفرشات سيّئة جداً، فش مخدّات، البنات أعطوني بلوزة كُمّ. معلقة لبنة واحدة لكلّ صبيّة. مرّة جابوا إشي وقالوا عنه "ستيك" بتّاكلش. رز مطبوخ بزيت سيّارات، معزولين عن العالم/ قبر.

جرّبت الاستشهاد/ هدم بيت/ مطاردة/ حزن وزعل، بس أوّل أيام الاعتقال أصعب شي. لحالك معزول وكأنه عقلك بدّو ينفصل.

العلاج بالعيادة؛ "إنت بدّك طبيب نفسي"!

 طلبت إيصال سلامات للأهل؛ (مريم: ستّك كثير بتسلّم عليك. ندى وولاء: ديروا بالكم على تيماء، ساعدوها. أبو زكريا/ يحيى: ينتبه لصحّته. زكريا: إمّك بتدعيلك دايمًا، طوّل روحك وشارك بأمور البيت. أسامة: دير بالك على أكلك، مش بس ساندويشات. تيماء: يومين ببالي، ديري بالك ع حالك. براء: الحصّة الكبيرة، إمك حلمت فيك 3 أيام ورا بعض، ليش عينك نافخة؟ إمّي: سلّم عليها كثير وعلى الكل).

حين افترقنا قالت: "استنّوني لعقيقة هيّومة".

"البنات بدهن زيارات"

بعد لقائي بليان وهيام ظهر أطلّت الأسيرة مياس نعيم أحمد عرمان (مواليد 28.06.2001)، طالبة طب بشري/ سنة خامسة/ جامعة النجاح، من قلقيلية.

أوصلتها سلامات الأهل، وأختها (بحب أحكيلك إنو أخدت راحتي رتبت خزانتك والمكتب، وانتبهي أنى أخدت راحتي حبيت أحيكلك هسى عشان تنسي من هون لتطلعي)، وكمان (كثير بنات من المدرسة والجامعة بعثوا يسألوا عنك، بحس لازم نرشحك رئيسة جمهوريه ع كل هاي الشعبية) فابتسمت وقالت: أنا منيحة، صحتي تمام، إذا إنتو مناح أنا منيحة. وينتا قتادة بروّح؟ ما يحكوا له أنّي أسيرة.

فكرَك رجّعوا الجوال والآيباد؟

لازمتها ابتسامة طفوليّة كلّ اللقاء.

حدّثتني عن القمعة الصباحيّة؛ رُعب، تكَلبِش وزتّ بالساحة، وعزل إحدى الصبايا بدون سبب.

حدّثتني عن الاعتقال؛ يوم 18.12.25، الساعة الواحدة ظهراً، حاجز طيّار، مركز توقيف قلقيلية، وخميس جمعة سبت في الشارون الملعون، ما نمت ولا دقيقة.

مياس بغرفة 5؛ برفقة لينا وزوز، كرم موسى، هناء البيدق، سالي صدقة، آلاء عبده ورغد الفني. برد كثير هون وفش غيارات وأواعي دافية.

طلبت إيصال سلامات للأهل؛

إمّي؛ صرت قويّة لما سمعت صوتك يوم التحقيق، بدّي إياك قوية دايماً، ومعنوياتك تكون عالية.

وبابا؛ يدعي لي كل صلاة فجر.

أختي ميماس؛ كل عام وأنت بخير، بنعمل عيد ميلاد لبابا وعمتي.

حضّروا لي جلبابة جديدة للترويحة.

ورسائل الصبايا؛ سهير، لين، فرح، فداء، إسراء ودعاء.

حين افترقنا قالت: "البنات بدهن زيارات".

لكُنّ عزيزاتي ليان وهيام ومياس أحلى التحيّات، والحريّة لكُنّ ولجميع أسرى الحريّة.                                           

الدامون/ حيفا كانون الثاني 2026  

[1] تحرّرت سامية الجواعدة يوم 10.12.25 

[2] تحرّرت شهد حسن  يوم 03.11.25 

[3] تحرّرت ليان ناصر  يوم 15.05.26 

[4] تحرّرت حنان البرغوثي  يوم 14.05.26 

[5] تحرّرت ماسة غزال يوم 26.02.26        

 [6] تحررت ميس نزال   يوم 03.06.2026 

 

       

اخر الأخبار