دواء مفقود وحياة معلقة: أزمة نقص الأدوية تنهك مرضى الضفة الغربية
سالي علاوي
أمد/ في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية المعقدة التي تمر بها الضفة الغربية، برزت في الآونة الأخيرة أزمة متفاقمة تمسّ حياة المواطنين بشكل مباشر، وهي أزمة نقص الأدوية.
لم تعد هذه المشكلة حالة عابرة أو فردية، بل أصبحت ظاهرة ملموسة يشعر بها المرضى وعائلاتهم يومياً، في مشهد يعكس تحديات عميقة في قطاع الرعاية الصحية.
في صيدليات وزارة الصحة في الضفة الغربية، لم يعد المشهد كما كان؛ رفوف شبه فارغة بعد أن كانت تعجّ بالأدوية الأساسية، ووجوه المواطنين يعلوها القلق والترقب. يسأل أحدهم عن دوائه، فيأتيه الرد المتكرر: "غير متوفر". لم يعد هذا الرد استثناءً، بل أصبح قاعدة يومية ترسم ملامح أزمة حقيقية، حيث تحولت أدوية الأمراض المزمنة من حق أساسي إلى سلعة نادرة، يطاردها المرضى دون ضمان العثور عليها.
يعاني المرضى، وخاصة أصحاب الأمراض المزمنة مثل السكري والضغط وأمراض القلب، من صعوبة كبيرة في تأمين أدويتهم بشكل منتظم.
هؤلاء المرضى يعتمدون على العلاج بشكل يومي، وأي انقطاع لفترة قصيرة قد يعرض حياتهم للخطر.
أما كبار السن، فهم الأكثر هشاشة أمام هذه الأزمة، في حين يواجه الأطفال تحديات إضافية في الحصول على أدوية مناسبة لهم.
ولا تقتصر المعاناة على الفئات الصحية فقط، بل تمتد إلى العائلات محدودة الدخل، التي تجد نفسها أمام خيارين صعبين: إما البحث المستمر عن الدواء بين صيدلية وأخرى، أو شراء البدائل بأسعار مرتفعة، إذ يضطر الكثير من المواطنين إلى التنقل بين عدة مناطق وصيدليات في محاولة يائسة للحصول على العلاج، في رحلة مرهقة نفسيًا وجسديًا.
إضافة إلى ذلك، أدى نقص الأدوية إلى ارتفاع أسعار بعض الأنواع عند توفرها، ما يزيد العبء المالي على المواطنين. هذا الواقع يخلق حالة من القلق والخوف، حيث يعيش المرضى في حالة ترقب دائم خشية نفاد أدويتهم الأساسية.
ولا يمكن إغفال التأثير النفسي والاجتماعي لهذه الأزمة، حيث يشعر المرضى بعدم الأمان الصحي، وتتزايد مستويات التوتر داخل العائلات، كما أن فقدان الثقة بقدرة النظام الصحي على توفير العلاج ينعكس سلبًا على الاستقرار المجتمعي بشكل عام.
إن أزمة نقص الأدوية ليست مجرد مشكلة لوجستية، بل هي قضية إنسانية تمسّ حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، وهو الحق في العلاج والرعاية الصحية. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى تسليط الضوء على هذه الأزمة بشكل مستمر، والعمل على إيجاد حلول جذرية تضمن توفر الأدوية لجميع المواطنين دون استثناء.
ولا يمكن قراءة هذه الأزمة بمعزل عن مسبباتها الهيكلية والمركبة، فنقص الأدوية في المستودعات والصيدليات الحكومية ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة لتقاطع عدة أزمات خانقة:
*الأزمة المالية: تراكم الديون الحكومية لصالح شركات الأدوية والموردين المحليين.
*قرصنة أموال المقاصة: احتجاز الاحتلال للعائدات الضريبية الفلسطينية والاقتطاع المستمر منها.
*تراجع المساعدات الدولية: الانخفاض الحاد في الدعم الخارجي المخصص للموازنة والقطاع الصحي.
تبقى رسالة هذه الأزمة واضحة: صحة الإنسان لا يجب أن تكون رهينة الظروف. إن ضمان توفر الدواء هو مسؤولية جماعية تتطلب تكاتف الجهود الرسمية والمجتمعية، لأن الحق في العلاج ليس رفاهية، بل ضرورة لا يمكن التهاون فيها.
أزمة الدواء اليوم ليست مجرد نقص في الإمدادات، بل اختبار حقيقي لمدى التزامنا بحق الإنسان في الحياة الكريمة. تسليط الضوء عليها ليس خيارًا، بل واجب، لأن تجاهلها يعني تعريض حياة الناس للخطر. المطلوب اليوم وعي مستمر، ومتابعة حثيثة، وتحرك جاد لإنهاء هذه المعاناة.
