متنفَّس عبرَ القضبان (179)
حسن عبادي
أمد/ بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛
أواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن، صمتهن وصراخهن.
أتصل من بوابة الدامون مباشرة بأهالي لاطلاعهم على أوضاع بناتهم؛
وأتوجّه لإدارة السجن وسلطة السجون لأشتكي عن انتهاكات وتضييقات جديدة (الكاميرات في غرفة العلاج، إضاءة بعض الغرف كل ساعات الليل وغيرها)؛
حاولت قدر المستطاع إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر الإعلام الدولي خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي البغيض، وهذا أضعف الإيمان؛
وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.
عقّبت الأسيرة المحرّرة شروق شرف: "الله يفرجها عليهم يا رب... للأسف ما في طقوس ولا اشي حتى نفس الروتين قبل رمضان ممنوع يطلع صوتنا في العبادات وبالنسبة للأكل نفسه ما بتغير كنا اللي منقدر نخبيه للسحور من أكلنا نخبيه... هلأ برد الدنيا بضل صالح للأكل أنا كنت أخلي حصة المربى اللي ما بتتجاوز معلقة صغيرة للسحور... الله يهونها يا رب... المهم يكونوا عارفين ايمتى ببدا رمضان...
بارك الله فيك يا أستاذ... لفت نظري أنك بتزور الأسيرة أكتر من مرة خلال فترة الاعتقال... والله ع القهر والظلم اللي هنه فيه بتكون زيارتك الهم ردة روح... الله يجزيك الخير".
وعقّبت د. سراب شرف:
"الأستاذ العزيز حسن،
جزاك الله خير الجزاء، وشكرًا لك من القلب على هذا السرد الإنساني الصادق الذي وصلنا بكل تفاصيله، وكان له بالغ الأثر في نفوسنا، وفي قلبي أنا شخصيًا.
ما نقلته عن إباء أراحنا رغم الوجع؛ اطمئنانها، قوّتها، وتسليمها لأمر الله وهي تنتظر القرار دون توتّر، يؤكّد أنها ابنة إيمان وصبر قبل أن تكون ابنة عائلة.
إباء ليست فقط أسيرة، هي روح نقيّة، طالبة علم، وبنت بيت كريم، وكل خبر عنها يحمل ألمًا وأملًا في آنٍ واحد.
أوجعني ما وصفته عن البرد القاسي في سجن الدامون، لكن خفّف عنّا أنّ زميلاتها يحطن بها، وأن الدعاء حاضر، وأن الله لا يخذل عباده الصابرين.
وصلتنا سلاماتها لكل الأهل، وهي غالية على قلوبنا جميعًا. ننتظر اليوم الذي يكون فيه السلام حضورًا لا رسالة، ولقاءً بلا قضبان.
ودعائي لإباء ولكل الأسيرات اللواتي معها:
اللهم يا قوي يا جبار، يا من بيدك الفرج بعد الشدّة،
احفظ إباء ومن معها بعينك التي لا تنام،
دفّئ أجسادهن من برد السجون، واملأ قلوبهن سكينةً وطمأنينة.
اللهم كن لهنّ سندًا حين يضعف السند، ونورًا في العتمة، وأمانًا في الزنازين،
وقرّب الفرج كما قرّبت الصبر إلى قلوبهن،
واجعل أسرهن رفعةً وأجرًا، واكتب لهن الحرية القريبة غير الآجلة.
اللهم احفظ دعاء جرارعة، وآمنة سويلم، ونائلة سراديح، وميس نزال، ونادين دغامين، وميسون مشارقة، وربى دار ناصر،
واحفظ كل أسيرة لم يُذكر اسمها وأنت تعلم وجعها وخفايا قلبها.
اللهم اجعل رمضان القادم عليهن رحمةً لا مشقّة،
وأنسًا لا وحدة،
ونورًا لا ظلمة،
وردّهن إلى أهلهن ردًّا جميلًا.
يا رب،
لا تُدخِل علينا رمضان إلا وهم جميعًا بين أهلهم،
أحرارًا مطمئنين،
نستقبل الشهر بوجوههم، لا بأسمائهم في الدعاء.
اللهم عجّل ولا تؤجّل،
واجعل الفرج قبل رمضان، لا بعده،
إنك على كل شيء قدير.
شكرًا لك أستاذ حسن، لأنك لم تكن ناقل خبر فقط، بل كنت صوتًا إنسانيًا أمينًا، وهذا ما نحتاجه في هذه الأيام الثقيلة.
مع خالص التقدير والامتنان".
وعقّب عبد الله خضر رصرص: "كل الشكر والتقدير والعرفان للأستاذ القدير حسن عبادي على جهوده المباركة في المتابعة والاطمئنان على أسيراتنا وأسرانا الأحباب لك كل الحب والاحترام... والفرج القريب لكل أسرانا"...
"تحمّلوني"
وصلت عصر يوم الخميس 15.01.2026 سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب لألتقي ثالثةً بالأسيرة انتصار طالب جبر عواودة (مواليد 07.10.1973) من قرية كرمة/ دورا/ الخليل، دكتوراه إدارة تربوية/ الجامعة الأردنية/ عمان، محاضرة في جامعة الخليل، تقبع في زنازين الاحتلال منذ 13.05.2025، ضحيّة بوستات فيس، لا أكثر ولا أقل.
انتظرت حوالي 70 دقيقة بسبب استعراض تلفزيوني مصوّر في السجن؛ وحال دخولي السجن لمحت في غرفة على يساري (غرفة الترويحة) دلال حلبي [1] وإيناس اخلاوي[2]، مرحَبنا، وهذا المشهد أزاح عنّي مشقّة الانتظار وعناءه.
أوصلتها بداية رسالة الأهل. أخوها جمال (وبخصوص دارهم والأمطار وبطاقات الصرّاف) وأختها نظمية:
(إن الأخت في النعماء رزق
عظيم ليس تنصفه القوافي...
فإن الأخت في الدنيا ربيع
وما وصف العذوبة فيه كافي
وأخبار العيلة)
حدّثتني عن تهكير الجوال واللابتوب قبل الحرب بشهور والوجه الضاحك صاحب الحساب المخفي.
وحدّثتني بحرقة عن المحامية التي أوصلَتها سلامات والدها من الجنّة (وأوصلَت أسيرة أخرى سلامات "زوجها" الحارّة رغم أنّها غير متزوّجة).
فِكرك شو صار مع الحَلَق ايلّي صادروه ساعة الاعتقال؟
انتصار بغرفة 9 برفقة سلام كساب (انبسطت كثير لمّا خبّرتها عن خروج خالها نضال من السجن، وفّرت حصتها من المربّى وعملت عليها حلوى مع الطحينة لكلّ القسم واحتفلنا بترويحته)، فرح أبو عياش، فاطمة منصور [3]، منال بردساوي[4]، سهير زعاقيق، فاطمة جسراوي، وميسّر هديبات.
طلبت إيصال سلامات الأسيرات لأهاليهن؛ سلام كساب، فرح أبو عياش، فاطمة منصور، فاطمة جسراوي، وميسّر هديبات.
الوضع في الدامون يزداد سوءاً يوماً بعد يوم؛ برد قارس، نقص بأطقم الصلاة، بدنا ساعة ومواقيت الصلاة الرسمية، وخاصة قبل رمضان.
فِكرك رايحين يسمحوا لنا بطقوس رمضانيّة ولّا كيف؟ بحياتك اهتم بالأمر.
صحتي منيحة وحريصة بالنسبة للدِسك وعلاجه.
خبّرتها "يمكن يحضر أخوك أحمد المحكمة الجاي" فانفرجت أساريرها.
سلّم كثير وقلّهم "تحمّلوني".
"آسفة ما ودّعت أهلي"
بعد لقائي بانتصار أطلت الأسيرة دعاء ياسين عبد الفتاح جرارعة (مواليد 15.11.2002) من قرية عصيرة الشمالية، مهندسة حاسوب/ جامعة النجاح.
أوصلتها بداية رسالة العائلة، وخاصة الوالدة وأخوها براء، وجوان ومودة.
حدّثتني عن طقوس الاعتقال يوم 16.12.2025 وما رافقه من معاملة استعراضيّة وتفتيش مهين وعدوانيّة مفرطة، ولكن نشكر الله النظّارات وطقم الصلاة فاتوا معي ع السجن. آسفة ما ودّعت أهلي لحظة الاعتقال. خلّيهم يسامحوني.
دعاء بغرفة 10 برفقة نادين دغامين، ميسون مشارقة، إباء أغبر [5]، ربى دار ناصر[6]، نائلة سراديح/ الأسيرة الجديدة/ أريحا، ميس نزال [7] وآمنة سويلم.
الوضع في الدامون مأساوي ولا يُطاق، خاصّة البرد القاسي والمعاملة السيّئة والمسبات والشتائم والتهديدات.
إجري منيحة؛ التوَت ودهّنتها بزيت وشويّة علاج من هناء وسلكت معي.
بدّي أغراض الشغل من المخفيّة/ دفتر ملاحظات ومطرة الميّة.
خلّي يوسف (ابن أختي) يتبّع أموري مع أكاديميّة المعرفة، وحساب الريفلِكت، والصفا ومشكاة، وخلّه يسلّم آخر مشروع مع اليو. دي. سي.
أعياد ميلاد إمي وأبوي؛ ما نسيتها، عايد عليهم بدالي، لا تقلقوا عليّ.
صوّروا لي تخرّج صاحباتي، وصهيب: صوّر لي مناقشتك يا غالي.
طلبت إيصال سلامات الأسيرات لأهاليهن.
إحنا بالدامون قويّات ومعنويّاتنا عالية.
"بدّي رسالة مخصوص من التيتا "
بعد لقائي بانتصار ودعاء أطلت الأسيرة إباء عمار معروف أغبر (مواليد 28.05.2002؛ رهن الاعتقال منذ 16.03.2025)، طالبة دكتوراه صيدلة، سنة خامسة، من رفيديا/ نابلس لألتقيها ثالثةً.
مبسوطة كثير لترويحة دلال وإيناس عصر اليوم.
كانت جلسة استئناف اليوم وتنتظر القرار، دون توتّر (كل شي من ربنا منيح).
أوصلتها رسائل العائلة فتروحنت؛ والدها (ما تطولي الغيبة ع شان خواتك ما يتعوّدوا يناموا محلك، يعني لحّقي حالك)، والدتها (ماما حبيبتي أبوءة، أحلى هدية وأغلى هدية على قلبي هي سردك القرآن بيوم ميلادي)، وأختها مجد (بتعدّ الليالي ليلة بعد ليلة، ما رضيت تشارك بمعرض نقابة المهندسين لأنك مش معها)، والصيدلية بتستناك، وعرين لبست تنورتك الحمرا، وراية (صرت خبيرة بتنظيف المطبخ وتحضير الحلويات).
"غدًا تطيرُ العَصافيرُ التي حُبِسَتْ
عن زُرقةِ البحرِ عن مَاءِ البساتينِ
سيذهب الأسر ويبقى الأجر يا روح أختك
صاحباتك بقولوا لك:
هَل يَعلَم الصَحبُ أَنّي بعد فُرقتِهم
أَبيتُ أَرعى نجومَ اللَيل سَهرانا
أَقضي الزَمانَ ولا أَقضي به وَطَراً
وأَقطعُ الدَهرَ أَشواقاً وأَشجانا
ولا غَريبَ إِذا أَصبَحتُ ذا حَزَنٍ
إنَّ الغَريبَ حزينٌ حيثما كانا"
خبّرتها حول لقائي بعائلتها في حفل إشهار كتابي "يوميات الزيارة والمزور" يوم السبت 03.01.26 في مركز يافا الثقافي/ بلاطة وهديّتهم، ولقائي بقريبتها د. سراب شرف بحفل إشهار وتوقيع كتابي "احتمالات بيضاء" في معرض عمان الدولي للكتاب.
حدّثتني عن زميلات الزنزانة رقم 10 (دعاء جرارعة، آمنة سويلم، نائلة سراديح، ميس نزال، نادين دغامين، ميسون مشارقة، وربى دار ناصر).
الوضع في سجن الدامون كارثي من ناحية البرد، الصبايا دايرات بالهن عليّ وملبساتني زي الدب القطبي، بدنا غيارات، وأوقات الصلاة. قرّب رمضان والله يستر كيف بكون الوضع.
سلّم على أهلي كثير.
سلّموا ع التيتا كثير، وخالاتي وخوالي وعمتي وعمامي.
المرّة الجاي بدّي رسالة مخصوص من التيتا.
حين افترقنا قالت فجأة: "إذا ارتفض الاستئناف يرفعوا عليا"
لكن عزيزاتي انتصار ودعاء وإباء أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع أسرى الحريّة.
الدامون/ حيفا كانون الثاني 2026
[1] تحرّرت دلال حلبي يوم 15.01.26
[2] تحرّرت إيناس خلاوي يوم 15.01.26
[3] تحرّرت فاطمة منصور يوم 28.04.26
[4] تحرّرت منال بدرساوي يوم 30.04.26
[5] تحررت إباء الأغبر يوم 16.04.2026
[6] تحررت ربى دار ناصر يوم 03.05.2026
[7] تحررت ميس نزال يوم 03.06.2026
