الحب في زمن حرب غزة
نور أبو شمالة
أمد/ لعلّ هذه الحرب كانت كافية لتُظهر أعظم عجائب الحياة، أن يبقى الإنسان حيّاً رغم كل ما يمرّ به.
لا تعرف كيف...
لم تعرف يوماً إجابةً عن هذه الأسئلة، رغم أنها أقسمت بأنها شعرت بالموت مئات المرات خلال السنوات الثلاث الماضية. فقدت الكثير من جمال الحياة، والكثير من قدرتها على الشعور، رأت أحلامها تتطاير أمام عينيها مراتٍ لا تُحصى، ولا تذكر كم مرة أمضت يومها باكيةً على وطنها، وعلى شعبها، وعلى بيتها، وعلى حياتها، وعلى عائلتها، ولا تذكر أيضاً كم مرة غضبت من هذا العالم ونقمت عليه.
لكنها اليوم، وبعد ثلاث سنوات من الحزن والألم وفقدان الأمل، تتنفس أخيراً...
قلبها ممتلئ، رغم كل هذه المآسي.
قلبها مزهر...
في طريق النزوح الذي كرهته كثيراً، وفي ابتعادها عن بيتها، وجدت بيتاً ودفئاً. وجدت أماناً لم تكن تظن أنها ستجده يوماً، ولا في هواء أي مدينة أخرى بعيداً عن هنا.
قابلت حب حياتها...
استقرت روحها بعد تيهها الطويل، وتكوّنت الحكاية على الطريق بين دير البلح وغزة، وبين غزة ودير البلح. هناك، وسط الركام، وتحت أصوات الصواريخ، اكتشفت أن براءة الشعور ما زالت موجودة، وأن القلب ما زال قادراً على الارتجاف، وأن فراشات المعدة لا تموت حتى في أكثر الأماكن قسوة.
وسط الموت، يولد الحب أيضاً.
ويزهر الأمل من جديد...
تعرف اليوم إجاباتٍ كثيرة لأسئلة حيّرتها طويلاً، وأحدها أن القدر كان يدبّر شيئاً لم تكن تراه. فلو أن اجتياح رفح تأخر أسبوعين، ولو أنها غادرت غزة باكراً، لما التقت بمحمد، ولما وجدت روحها هذا القدر من السكينة.
لهذا هي ممتنة..
ممتنة لأن سماء غزة جمعتها به.
وممتنة لأن غزة، رغم كل ما أخذته منها، ما زالت قادرة على أن تمنحها شيئاً جميلاً بهذا القدر، لم تجعلها هذه المدينة إلا أكثر حباً لها، وأكثر تعلقاً بكل تفاصيلها.
غزة، مدينة الحب والحرب، تكتب قصة حب جديدة بين صرخاتها واستغاثاتها للعالم بأن يسمعها، وبأن يسمح لها أن تعيش.
وكأنها تقول لنا، رغم كل شيء، إن الموت ليس الحكاية الوحيدة هنا.
فهنا أيضاً قلوب تحب، وأرواح تلتقي، وأمل يزهر من بين الركام. وهنا أيضاً تُكتب قصص الحياة، في المكان الذي ظن العالم كله أنه لم يعد يتسع إلا للموت.
