سنابل لا تنحني..مقامات الروح عند الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي
محمد المحسن
أمد/ "رسمتك قصيدة..على جدران قلبي/ما أجم
ابتسامتك/أتوه في ثناياها كل صباح/تجرني المتاهات/تسحبني رقة البوح لكي أغوص/مبتسما
فتحملني الغيوم/أعانق بريق الكواكب والنجوم
وأجتر ذكرى/صافحتني ذات مساء/وشتتت بعضي/وذلك الشفق/يتقلص الهوينا/يراود أشلائي
المبعثرة/تهت طويلا/والمسافات تقصف نبضي
كأنني الآن ولدت/على همس المساء/وسحر الغروب/وزفرات أنفاسي المتقطعة/هناك على مشارف الحلم/أراك تبتسمين/قفر هو ذلك الليل
وأوجاعي تقاسمني/بسمة القمر/كأنني أراك في الصباح/والموج يجرفني/إلى ما لا عودة/حيث المنفى/وحيث ثغرك الَمبتسم على الدوام.."( طاهر مشي)
مقدمة العبور
هوذا الشاعر الذي جعل من عينيه مرجلا لسنابل الشعر..تنحني للقطاف،لكنها لا تنكسر.إنه التونسي السامق،د-طاهر مشي،ذلك الذي نظر إلى الحياة فلم ير ما يراه الآخرون: رأى قصيدة ممتدة من أول نفس إلى آخر خطوة.
سيرته؟ ليست سيرة بالمعنى الذي نعرفه.إنها "أطول قصيدة" كتبها الرجل،جبلها من تراب وطنه، ورصعها بفسيفساء أتقن أسرارها كما يتقن عاشق قديم خريطة حبيبة.عبث بألوانها بجراح عارف،لا بمرح طفل.
رأيناه ذات يوم كذوّاقٍ يلتهم الزمن-لا كمن يأكل ليعيش،بل كمن يعيش ليتذوق.كان يتأنى في مضغ كل لحظة،ينافس نفسه بصدق المعاند وعناد الصادقين،ويأبى أن يقلب حياته على جمر حارق. قال: "لا.. سأجعل من هذا الجمر حديقة".
أحب الحياة كعاشق أبدي.نعم،حتى حين جانبت توقعاته،حتى حين خانت تفاصيلها أحلامه.كان يراودها عن أذاها،وينتصر على ضعفها مراوغا ماهرا.واجهها بملامح جُبلت من تحدي وصبر وذكاء-ملامح لا تشبه إلا طاهرا.
والحياة عنده؟ قطار طويل.سكة حديد تمتد إلى أفق لا تراه العين.محطات لا للتوقف،بل للذة الارتحال نفسها.
والكتابة؟ رحلة لا يرجو منها وصولا ولا راحة.هي نسق حياة،سبحة لا نهائية يسبح فيها من فجر إلى فجر.كان يكمل بهجة الاستكشاف،يحول التعب إلى ثمار،والثمار إلى لذة لا تشبع.
شاعر فذ،وقاص مثابر،مجدد لا ينام على أمجاد أحد.راهن على الكلمة كميثاق خلاص،أحيانا يرميها كنرد أكيد،وأحيانا ينازعها كأفعى في جحرها.لكنه لا يخسر أبدا.
تكامل قصائده الجمالي-تونسياً وعربيا-ليس وليد صدفة.إنه روح البناء الكلية: شفافية وعمق وتماسك بين الأنساق.
ثمة تلاحم بين الوصفي والمضاف،يرتد إيقاعه على القصيدة كلها،خاصة في العلاقات الجدلية التي تمنح جمالياتها للشكل التضافري.
تجربته الشعرية والقصصية تكتنز رؤى ودلالات مراوغة.تباغتك وأنت في منتصف الطريق. حياكته الجمالية؟ حياكة فنية يطغى عليها الفكر التأملي والإحساس الوجودي.يكشف الواقع بكل مؤثراته-لا يغطي شيئا،ولا يجمل شيئا.
وذهبت قصائده إلى أقصى العذاب كما إلى أقصى العشق.يتقن شهوة الاسترسال وبراعة الومضة. يكتب ويكتب،وكأن الكلمات تتوالد من أصابعه المتعطشة لقلم لا ينضب حبره-تتوالد بسعادة، وتنساب إلى القارئ كأنها كانت تنتظره.
لا يحاول الشاعر ( د-طاهر مشي) أن يسترضي قارئه،أو يستميله،أو يمجّد إبداعاته.هو يصافح البؤس البشري مباشرة. يروي-أحيانا-سقوط الإنسان في هاويته دون شفقة زائفة.يفتح ستارة الفضيحة بجرأة،يفضح ما نود إخفاءه لإراحة ضمائرنا.يكتب الحياة مشددا على وجهها المعتم، كي نحتفي ببهائها المتعالي على التراب المعفر.
ومثل ساحر متمكن يقودك د-طاهر مشي في كل قصيدة،كل قصة.يقودك سيرا حينا،وركضا في الأكثر.تتابع الكلمات بلهفة الفضول والحيرة، تلتهمها التهاما.ثم لا تملك فرصة للهرب من فتنة سرده-منذ أول جملة حتى آخر نقطة.
لا تهرب من حكاياته المتداخلة حيث تتحول اللغة إلى إزميل نحات،فرشاة رسام.ليست محور القصيدة كما تعودنا عند بعض الكتاب العرب الذين يزخرفون اللغة على حساب الحكاية.هنا،اللغة تصبح جسدا للحكاية نفسها.
في قصائده وقصصه،يكتشف القارئ قدرة نادرة على الانتفاع من المعارف الأدبية والثقافية،دون السقوط في نرجسية "أنا موجود بالقوة".
يستثمر ذخائره مراعيا حدود الجنس الأدبي، محافظا على الحس الجمالي والأثر الفني.
هذا الشاعر السامق،يكتب بحبر الروح ودم القصيدة.تخضع المفردات لأحاسيسه الجياشة، فتنتظم القصائد كنجوم لا تقبل الترتيب إلا به. معجمه المفرداتي ثري،قائم بذاته.تتناثر الكلمات منه كورود شاردة من حطام الحياة،تلامس شغاف القلب فنرقص-رقصة زوربا اليوناني-على نبضها.
كل لحظة يعيشها نعيشها معه،في قصيدة تخترق وجداننا وتلامس أرواحنا.تحبس مشاعره الكون، فتنفجر قصائده محملة بأسرار الأرض ومكنونات السماء.والوضع السياسي الذي تمر به بلادنا العربية جعل من اليأس أحيانا تربة خصبة،يزرع فيها "طاهر"قصائده الحزينة كناي مكسور-لتنمو في الروح كسيف ينصل الأوصال بقسوة.
هو خير مدافع عن العربية التي يعتبرها الهوية والأصل والجذور.كتب القصيدة الخليلة،واستهوته التفعيلة والنثر.سار على درب الإبداع بخطى ثابتة، كخطى الأنهار في حقول تجري وتكسوها الخضرة.
شعره حقول تتثاءب فيها السنابل الذهبية بحباتها، تراقب رواد القطاف القادرين على النفاذ إلى الجوهر الشعري،ذلك الجوهر الذي يمتلك جاذبية السحر الحلال،وليد الخيال الخلاق.
مبارك عطاؤك المتألق..وإلى المزيد.
وأدعو الملحنين: لحنوا نماذج من أشعاره،كي يتغنى بها القادمون في موكب الآتي الجليل.
فالشعر لا يموت طالما أن سنابله لا تنحني.
