ارتدادات الانكفاء الاجتماعي على الاستجابة الجيوسياسية في إيران العزلة الداخلية في ظل المرحلة الأخيرة من عمر نظام الملالي

تابعنا على:   16:08 2026-06-10

عبدالرزاق الزرزور

أمد/ يُشكل "الانكفاء الاجتماعي" في إيران وما يرافقه من تآكل في الثقة بين المواطن ومؤسساته متغيرا هاماً لا يمكن فصله عن القدرة الكلية للدولة على إدارة أزماتها الجيوسياسية.. ففي علم الاجتماع السياسي تُعد "الجبهة الداخلية" الركيزة الأساسية لأي صمود استراتيجي، وعندما تتحول هذه الجبهة إلى كيان هش يعاني من الاغتراب عن قرارات الدولة فإن ذلك يخلق فجوة استجابة قد تقوض أعتى الترسانات العسكرية وكذلك السياسات الإقليمية.

انعدام الشرعية والغياب الوظيفي لمفهوم الدولة

تعتمد قدرة أي نظام سياسي على التعامل مع الأزمات الجيوسياسية الطارئة على الالتفاف الشعبي أو على الأقل على "الاستقرار السلبي" للمجتمع.. بيد أن حالة القلق الاجتماعي المزمن التي تعيشها إيران اليوم، والتي تغذيها الأزمات المعيشية وانعدام اليقين تجعل الشارع في حالة من التوجس الدائم.. هذا الانكفاء يعني أن السلطة تفقد "الرصيد النفسي" الضروري لتحمل أعباء التصعيد مع الخارج؛ ففي لحظات الأزمات الكبرى يحتاج النظام إلى مجتمع متماسك وقادر على تحمل تبعات العقوبات أو التوترات الأمنية بينما نجد في حالة نظام الملالي الإيراني أن المجتمع نتيجة ضغوطه الخاصة بات يرى في التوترات الجيوسياسية مزيداً من استنزاف موارده المحدودة مما يضعف حالة المرونة السياسية لدى صناع القرار.

معضلة "التجزأ" في اتخاذ القرار

إن الانكفاء الاجتماعي يؤدي بالضرورة إلى تجزئة الاهتمامات الوطنية.. فعندما ينشغل المواطن بتأمين أساسيات البقاء تتراجع التعبئة الوطنية حول القضايا الاستراتيجية الكبرى؛ هذا التباعد يجبر الدولة على المزيد من التركيز على "الأمن الداخلي" لضمان السيطرة مما يقلص من الموارد السياسية واللوجستية المتاحة لمواجهة التحديات الخارجية، وبذلك تصبح الأزمات الجيوسياسية الطارئة (مثل توترات إقليمية أو صدامات دولية) عوامل ضغط مضاعفة؛ فهي من جهة تتطلب حشداً للقدرات الوطنية، ومن جهة أخرى تجد هذه القدرات مقيدة بقيود الشارع وحالة التململ الاجتماعي مما يجعل هامش المناورة لدى السلطة ضيقاً للغاية.

تراجع الثقة والارتهان للرواية الرسمية

تعد المعركة الإعلامية جزءاً أصيلاً من أي مواجهة جيوسياسية في إيران، وقد أدى إنعدام الثقة القائم منذ سنة 1979 بالمؤسسات إلى خلق فجوة بالإدراك الجمعي؛ حيث لم تعد الرواية الرسمية حول التهديدات الخارجية تحظى بالقبول التلقائي لدى قطاعات واسعة من الجيل الشاب والمثقفين.. هذا الانفصام يضعف "قوة الردع المعنوي" للدولة حيث أنه في حال وقوع أزمة طارئة لن تجد السلطة مجتمعاً موحداً خلف سرديتها الأمنية بل ستواجه مجتمعاً متشككاً يفسر الأحداث من منظور مصلحته الفردية ونجاته على المستوى الشخصي وليس من منظور الأمن القومي، وإن هذا الارتياب ليجعل من الصعب على النظام استخدام "الورقة الشعبية" كأداة ضغط في مفاوضاته الخارجية.

الاستنزاف الصامت كخطر استراتيجي

إن الخطر الحقيقي الذي يفرضه الانكفاء الاجتماعي يكمن في كونه استنزافاً صامتاً ومنهكاً.. فبدلاً من التركيز على تحديث الاقتصاد أو مواجهة التحديات الإقليمية تظل السلطة محاصرة في حلقة مفرغة من "إدارة الأزمات الاجتماعية"، وإن النزيف المستمر للكفاءات البشرية الذين يمثلون العقل المدبر والعمود الفقري لأي نهضة ليُضعف من قدرة البلاد على الصمود طويل الأمد؛ هذا يعني أن أي أزمة جيوسياسية قادمة ستجد سلطةً ودولة يعانيان من "فقر في الحلول" ومؤسسات تعاني من "ثقل في الحركة" مما يجعل القرارات الاستراتيجية أكثر عرضة للخطأ أو للتأخير.

حتمية التوازن

في المحصلة.. إن قدرة الدولة على التعامل مع المتغيرات الجيوسياسية لا تقاس فقط بعدد الصواريخ أو نفوذ التحالفات بل بقوة وجودة العقد الاجتماعي الداخلي.. وإن استمرار حالة القلق والهشاشة الاجتماعية يحول الدولة إلى كيان "مكشوف" أمام الأزمات حيث يصبح أي توتر خارجي شرارة محتملة للاضطرابات الداخلية.. وعليه فإن الأمن القومي الإيراني في المرحلة المقبلة لا يعتمد فقط على الجغرافيا السياسية بل يعتمد بشكل أكثر إلحاحاً على القدرة على ترميم النسيج الاجتماعي وبناء الثقة المفقودة قبل أن تتحول التحديات الطارئة إلى أزمات وجودية لا يمكن احتواؤها.

 

اخر الأخبار