استخدام القوة هي القاعدة في تحولات النظام الدولي

تابعنا على:   12:59 2026-06-08

نبيل فهمي

أمد/ من أخطر وأسوأ تداعيات الاستخدام المتزايد والمفرط للقوة دون محاسبة أن الأطراف المتنازعة والمجتمع الدولي تفقد إنسانيتها بمعدلات متنامية، بالاستهداف المفرط للأهداف المدنية، وبالقبول المتنامي لما تسمي "الأخطار الجانبية" أثناء العمليات العسكرية والصدامات.

لم يعد السؤال المطروح اليوم ما إذا كان استخدام القوة قد ازداد بعد نهاية الحرب الباردة، بل كيف ولماذا أصبح أكثر حضوراً، وأقل خضوعاً للقيود التي سعى النظام الدولي إلى ترسيخها بعد الحرب العالمية الثانية. فالعالم لم ينزلق إلى حروب كبرى شاملة على غرار النصف الأول من القرن الـ20، لكنه في المقابل لم يحقق الوعد الذي رافق نهاية الحرب الباردة، نظام دولي أكثر انضباطاً تحكمه قواعد واضحة ومساءلة فعالة.

في تقديري، ما حدث هو تحول نوعي في طبيعة استخدام القوة. لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت أداة سياسية تستخدم بدرجات متفاوتة، وبصور متعددة، من التدخلات العسكرية المباشرة إلى الحروب بالوكالة، مروراً بالضربات المحدودة والعمليات السيبرانية. ولعل أبرز ما يميز هذه المرحلة هو انخفاض عتبة اللجوء إلى القوة، حتى وإن ظلت كلفة الحرب الشاملة رادعاً قائماً.

هذا التحول لا يمكن فهمه دون التوقف عند لحظة ما بعد الحرب الباردة، حين انفردت الولايات المتحدة بالهيمنة الدولية، مما أتاح لها، ولحلفائها أحياناً، استخدام القوة في سياقات متعددة، كما في حرب العراق. غير أن هذه المرحلة لم تدم طويلاً. فمع صعود الصين واستعادة روسيا عافيتها على المسرح الدولي، وبخاصة بعد حرب أوكرانيا، أصبح العالم أكثر تعددية، لكن أيضاً أكثر سيولة، وأقل قابلية للضبط.

غير أن التأثير الأعمق لهذا التحول يظهر بوضوح في الشرق الأوسط، الذي تحول من ساحة صراع تقليدية إلى مختبر مفتوح لأنماط استخدام القوة الجديدة. ولم تعد المنطقة تعرف توازنات مستقرة. تفككت دول، وصعدت جماعات مسلحة، وتزايدت التدخلات الخارجية، لتصبح القوة أداة يومية في إدارة التفاعلات الإقليمية.

لم يعد بالإمكان الحديث عن "حروب بالوكالة" فحسب، نحن أمام نموذج جديد، حرب مفتوحة وتصعيد حقيقي، لكنه محسوب، وهذا بحد ذاته يعكس تحولاً في قواعد اللعبة، إذ لم تعد المعايير القديمة تمنع استخدام القوة.

في هذا السياق، يمكن القول إن ازدياد استخدام القوة ترك آثاراً عميقة على خمسة معايير أساس كانت قد شكلت جوهر النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

أول هذه المعايير هو توازن القوى. في الماضي، كان التوازن يقوم على ردع واضح بين قوى كبرى. أما اليوم، فقد أصبح أكثر تعقيداً إذ لم يعد يقتصر على الدول، بل يشمل فاعلين غير حكوميين وشبكات نفوذ عابرة للحدود. النتيجة هي توازن هش، قابل للاهتزاز، وأكثر عرضة للتصعيد غير المحسوب.

إندبندنت عربية 

اخر الأخبار