بريطانيا والاتحاد الأوروبي وسياسة المعايير المزدوجة
رامز جبارين
أمد/ منذ حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة في العام 2023، والتي لا زالت فصولها الإجرامية متواصلة حتى يومنا هذا. فقد مُنيّ الكيان الصهيوني بهزيمة غير مسبوقة في معركة كي الوعي وسرديته المزيفة على خشبة مسرح الرأي العام العالمي بميادينه وساحاته، وهتافات وأصوات من امتلأت بهم تلك الميادين والساحات والشوارع، وداخل أروقة الكثير من برلمانات تلك الدول.
في معركة كي الوعي والسردية، صحيح أن معظم شعوب العالم انتصرت لفلسطين وشعبها وأرضها ومقدساتها. ولكن حتى الآن لم تصل تلك المعركة إلى خواتيمها، لأن رأس الهرم في العديد من هذه الدول وخصوصاً الاتحاد الاوروبي وبريطانيا، لا زالت تقف خلف الكيان الصهيوني دعماً يُعاكس ويناقض نبض مجتمعاتهم وشعوبهم التي انتصرت للقضية الفلسطينية ومظلوميتها التاريخية على يد تلك الدول. والسياق التاريخي لهذه الدول مليئة بالشواهد الفاضحة لسياساتها، التي لطالما كانت ولا زالت معاييرها على الدوام تضع في سلم علاقاتها الدولية مصالح الكيان الصهيوني كأولوية.
وترجمات تلك السياسات وشواهدها القريبة في مواقف كل من بريطانيا والاتحاد الأوروبي، المتأثرة بما يُقدم عليه الكيان من تحريض عبر اللوبي الصهيوني المنتشر في العديد من تلك الدول. وجديدها إقدام بريطانيا على منع المعلقان الأمريكيان "جينك أويغور وحسن بايكر" من دخول أراضيها بعد إلغاء تأشيرة دخولهما بريطانيا للمشاركة نتيجة ضغط مارسته منظمات داعمة للكيان على منظمي مهرجان "ساوث باي ساوث ويست"، وندوة تنظمها جامعة "أكسفورد"، بحجة معادتهما للسامية ودعمهما لما أسمياه "جماعات متطرفة". والمعلقان "أويغور وبايكر" ينتميان للتيار اليساري في الولايات المتحدة، ومشهوران بمواقفهما الواضحة وإدانتهما لسياسات وممارسات الكيان الصهيوني خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة. ومعارضتهما لنفوذ الكيان داخل المؤسسات الأمريكية، من خلال ما يقدمانه على قناة "يونغ تركس" على يوتيوب، التي يملكها "أويجور". وعلى منصة "توتيش" ويديرها "حسن بايكر" الذي يعتبر من أشهر صناع المحتوى السياسي.
وليس بعيداً عن الموقف البريطاني المُدان. بدوره الاتحاد الأوروبي يمارس سياسة المعايير المزدوجة في تعاطيه مع القضية الفلسطينية التي تواجه أشرس هجمة صهيونية بهدف شطب عناوينها الوطنية. فبدل أن يتخذ الاتحاد الأوروبي المواقف المتشددة والصارمة اتجاه ممارسات وسياسات الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني. ها هو يذهب ليبرر لهذا الكيان عدوانه المستمر على الشعب الفلسطيني، من خلال فرضه عقوبات جديدة على حركتي الجهاد وحماس. حيث طال القرار عشرة من قيادات الصف الأول في الحركة، تحت حجج واهية، أنهم يشجعون على ما أسماه بيان الاتحاد الأوروبي التشجيع على القيام بأعمال عنف وتبرير تلك الأعمال. وتضمنت العقوبات حظر السفر إلى دول الاتحاد الأوروبي، وتجميد الأصول، ومنع إتاحة أي أموال أو موارد اقتصادية لهم بشكل مباشر أو غير مباشر.
وهذه ليست المرة الأولى فيما يذهب إليه الاتحاد الأوروبي من قرار. ففي آواخر العام 2001 اتخذ الاتحاد قراراً بتصنيف "كتائب القسام" الجناح العسكري لحماس على أنها "منظمة إرهابية". وألحقته في العام 2003 بقرار يشمل حماس بجناحيها السياسي والعسكري. وأيضاً من نفس العام 2001، كان لحركة الجهاد الإسلامي نصيب مماثل من قبل الاتحاد الأوروبي، الذي أدرج الحركة بشقيها السياسي والعسكري على القائمة الأوروبية ل "الإرهاب". ولم تقف قرارات الاتحاد عند ذلك، حيث فرض في شهر كانون الثاني من العام 2024على حركتي حماس والجهاد، عقوبات سميت ب " منظومة عقوبات حماس والجهاد".
غيض من فيض في ممارسة المعايير المزدوجة من قبل الدول الأوروبية عندما يتعلق الموضوع في معارضة ومناهضة ومقاومة الكيان الصهيوني وسياساته الإجرامية واغتصابه لأرض فلسطين. على الرغم أنّ هناك مواقف متعاطفة مع الشعب الفلسطيني وحقوقه، إلاّ أنها لم ترتقي إلى مستوى تطلعات شعبنا ومطالبه في ضرورة الانتقال بتلك المواقف إلى الترجمات العملية. وبالتالي ضرورة أن تصغي بريطانيا والاتحاد الأوروبي لمواقف شعوبها التي امتلأت بهم الميادين والساحات والشوارع منذ حرب الإبادة الصهيوأمريكية على شعبنا في قطاع غزة والضفة الغربية.
