ملف الشهداء والجرحى والأسرى... بين واجب الوفاء واستحقاق العدالة الوطنية
سامي إبراهيم فودة
أمد/ ليست الأمم بما تملك من مالٍ وسلطات، بل بما تحفظه من وفاءٍ لمن صنعوا تاريخها، وكتبوا بدمائهم فصول عزتها وكرامتها.
وحين يُفتح الحديث عن ملف الشهداء والجرحى والأسرى، فإننا لا نتحدث عن كشوفات رواتب أو معاملات إدارية أو إجراءات مالية قابلة للتأجيل، بل نتحدث عن الركائز الأخلاقية والوطنية التي قام عليها المشروع الوطني الفلسطيني منذ انطلاقته الأولى.
فالشهيد الذي ارتقى دفاعًا عن فلسطين لم يكن يبحث عن راتب، والجريح الذي حمل إصابته على جسده لم يكن ينتظر مكافأة، والأسير الذي يقضي سنوات عمره خلف القضبان لم يدخل المعتقل طمعًا في امتياز أو منفعة. لكن الوطن الذي يعتز بشهدائه وجرحاه وأسره، مطالبٌ أخلاقيًا وسياسيًا ووطنيًا بأن يصون كرامتهم ويحفظ حقوق عائلاتهم، باعتبار ذلك جزءًا أصيلًا من الوفاء لتضحياتهم.
لقد مضت أشهر طويلة وعائلات الشهداء والجرحى والأسرى تعيش تحت وطأة القلق والحرمان، بينما تتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بصورة غير مسبوقة، خصوصًا في قطاع غزة الذي دفع وما زال يدفع أثمانًا باهظة من الدم والمعاناة والدمار.
ولعلّ ما يزيد الألم قسوةً أن شهداء وجرحى غزة منذ اندلاع الحرب لم يحصل كثير منهم إلا على شهر أو شهرين من المستحقات، قبل أن يتوقف كل شيء، لتجد آلاف الأسر نفسها أمام واقعٍ مريرٍ يفتقد لأبسط مقومات الاستقرار والأمان.
إن القضية هنا ليست قضية أرقام.
إنها قضية أم شهيد تنتظر ما يعينها على مواجهة أعباء الحياة.
وقضية جريح أنهكته الإصابة والحصار والعلاج المكلف.
وقضية أسرة أسير تواجه الغياب الطويل والفقر والانتظار في آنٍ واحد.
وهي قبل ذلك كله قضية وطن يجب أن يبقى وفيًا لمن حملوا رايته في أحلك الظروف.
إن أخطر ما في هذه الأزمة أنها بدأت تتحول من أزمة مالية إلى أزمة ثقة، ومن معاناة معيشية إلى جرحٍ معنوي يصيب الوعي الوطني الجمعي، ويطرح أسئلة مؤلمة حول ترتيب الأولويات، وحول مكانة هذه الفئات في سلم الاهتمام الرسمي والتنظيمي.
وما يثير الاستغراب والاستياء في الوقت ذاته، أن يتحول هذا الملف الوطني الكبير إلى مادة للتطمينات الفردية والوساطات الشخصية والوعود المتكررة التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
فلا يجوز أن يصبح حق الشهداء والجرحى والأسرى رهينة اتصالات هنا أو تدخلات هناك.
ولا يصح أن يقال إن عضوًا في المجلس الثوري تواصل مع عضو في اللجنة المركزية، أو أن مسؤولًا تحدث مع مسؤول آخر، ثم يُقدَّم ذلك وكأنه إنجاز أو حل مرتقب، بينما يبقى الواقع على حاله، وتبقى آلاف الأسر تنتظر الفرج الذي لا يأتي.
فالحقوق الوطنية لا تُدار بمنطق المجاملات، بل بمنطق القرار والمؤسسة والمسؤولية.
كما أن من غير المقبول تنظيميًا ووطنيًا أن تُعالج ملفات في جزء من الوطن بينما يبقى الجزء الآخر غارقًا في المعاناة.
فحركة فتح التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود طويلة لم تكن يومًا حركة الجغرافيا المنقسمة، ولا حركة الامتيازات المناطقية، بل حركة الشعب الفلسطيني الواحد في كل أماكن وجوده.
ومن هنا، فإن أي معالجة انتقائية لملف الشهداء والجرحى والأسرى، أو لأي ملف تنظيمي أو اجتماعي آخر، على أساس المحافظات الشمالية دون المحافظات الجنوبية، تشكل مساسًا بمبدأ وحدة الوطن ووحدة التنظيم ووحدة المصير.
بل إن استمرار هذا النهج يكرّس عمليًا حالة الانقسام التي دفع شعبنا أثمانًا باهظة للخلاص منها، ويخلق شعورًا بالتمييز بين أبناء الحركة الواحدة والشعب الواحد.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد حل جزئي أو مؤقت، بل رؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار لهذا الملف بكل مكوناته.
المطلوب قرار سياسي وتنظيمي واضح يعيد صرف المستحقات كاملة وبأثر رجعي.
المطلوب آليات دائمة تضمن عدم تكرار هذه الأزمة مستقبلًا.
المطلوب أن يتحول ملف الشهداء والجرحى والأسرى إلى أولوية ثابتة على جدول أعمال القيادة الفلسطينية والمجلس الثوري واللجنة المركزية.
والمطلوب قبل كل ذلك أن يشعر أبناء هذه الفئات بأن تضحياتهم ما زالت محل تقدير واحترام ورعاية من وطنهم وحركتهم وقيادتهم.
إن قوة أي حركة تحرر لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة خصومها، بل بقدرتها على حماية أبنائها وصون كرامتهم ورعاية أسرهم.
أما الأوطان التي تتأخر في إنصاف أصحاب التضحيات الكبرى، فإنها تخاطر بخسارة جزء من رصيدها المعنوي والأخلاقي أمام شعبها.
وفي ختام هذا المقال، نتوجه بنداء مسؤول إلى السيد الرئيس محمود عباس، وإلى اللجنة المركزية لحركة فتح، وإلى المجلس الثوري، وإلى كل صاحب قرار:
ضعوا ملف الشهداء والجرحى والأسرى على رأس سلّم الأولويات.
افتحوا هذا الملف بجرأة ومسؤولية وشفافية.
أعيدوا الحقوق إلى أصحابها كاملة غير منقوصة.
وأصدروا قرارًا يعيد الكرامة قبل المال، ويجسد معنى الوفاء قبل أي اعتبار آخر.
فالشهداء والجرحى والأسرى لم يكونوا يومًا عبئًا على الوطن، بل كانوا وما زالوا ضميره الحي وذاكرته النضالية وسياجه الأخلاقي.
ولأنهم كذلك...
فإن إنصافهم ليس مِنّةً من أحد، بل واجبٌ وطنيٌ لا يقبل التأجيل.
