كيف يرقص الحمار مع الجرذان ؟؟؟
سعيد محمد الغفاري
أمد/ حين تتحول السياسة إلى مزبلة، ويصبح التصفيق بديلاً عن الكرامة
في الأزمنة المحترمة، كانت السياسة تُدار بالعقول، وكانت القيادة مسؤولية ثقيلة يحملها أصحاب المشروع والرؤية والتاريخ.
أما في زمن الانحدار الكبير، فقد تحولت الساحات إلى حلبات رقص رخيصة، يتصدرها الحمير، وتدير إيقاعها الجرذان.
لم يعد المشهد بحاجة إلى رجال يملكون الشجاعة، بل إلى كائنات تتقن الانبطاح، وتعرف كيف تهز ذيلها في الوقت المناسب.
وهكذا تبدأ المسرحية:
جرذان صغيرة خرجت من شقوق الخراب، تحمل روائح العفن والخيانة والانتهازية، تبحث عن أي حمار يمكن استغلال غروره وغبائه، فتضعه في الواجهة، وتبدأ بالعزف حوله كأنها تصنع قائدًا تاريخيًا.
والحمار، بطبيعته، لا يفهم كثيرًا.
يكفي أن يسمع التصفيق حتى يظن نفسه حكيم الأمة، ويكفي أن تلمع حوله الكاميرات حتى يتخيل أنه أصبح زعيمًا لا يُهزم.
لا يسأل نفسه لماذا اختارته الجرذان أصلًا، ولا لماذا يحيط به كل هذا الخراب، لأنه ببساطة فقد القدرة على رؤية الحقيقة وسط دخان النفاق.
الجرذان لا تبحث عن الأبطال، بل عن الحمير القابلة للركوب.
فالبطل الحقيقي خطرٌ عليها، لأنه يفضحها ويطردها من المشهد، أما الحمار فهو كنزها الثمين؛
صوت مرتفع، عقل فارغ، وغرور يكفي لإشعال مدينة كاملة.
وهكذا يبدأ الرقص.
رقصة قذرة على جثث المبادئ، وعلى أنقاض الأوطان، وعلى دماء البسطاء الذين ما زالوا يظنون أن هناك من يعمل لأجلهم.
ترى الجرذان تتسابق حول الحمار، تمدحه صباحًا ومساءً، تصنع له بطولات وهمية، وتكتب عنه قصائد المديح، بينما هو يزداد انتفاخًا حتى يكاد ينفجر من الغرور.
أحد الجرذان يتحدث عن الوطنية، رغم أنه لم يعرف للوطن إلا موائد المصالح.
وآخر يصرخ باسم الثورة، بينما تاريخه كله صفقات وولائم وتسلق على أكتاف الناس.
وثالث يوزع تهم الخيانة على الجميع، لأنه يدرك أن أكثر الناس خوفًا من الحقيقة هم أولئك الغارقون في القذارة حتى أعناقهم.
أما الحمار، فيواصل الرقص.
يهز رأسه لكل أكذوبة، ويصفق لكل منافق، ويظن أن كثرة المصفقين حوله دليل عظمة، بينما الحقيقة أن الجرذان لا تصفق إلا لمن يفتح لها أبواب المخازن لتسرق أكثر.
وفي كل مرة يسقط فيها الوطن خطوة جديدة نحو الهاوية، يخرجون علينا بخطابات خشبية مليئة بالشعارات الفارغة:
الوحدة، الشراكة، الشفافية ، الكرامة، حماية المشروع الوطني…
لكن الحقيقة أبسط وأقذر من ذلك كله:
مجموعة جرذان تبحث عن الجبن، وحمار مستعد لبيع المدينة كلها مقابل أن يبقى تحت الأضواء.
المشكلة أن هذه الكائنات لا تكتفي بالخراب، بل تريد إقناع الناس بأن الخراب إنجاز.
تريد تحويل الفشل إلى بطولة، والهزيمة إلى انتصار، والتطبيل إلى ثقافة وطنية.
وحين يعترض أحد، تنهال عليه حملات التخوين والتشويه، لأن الجرذان تخاف دائمًا من الضوء، وتكره كل من يفتح نافذة للحقيقة.
في هذا الزمن، أصبح الوصوليون أكثر عددًا من أصحاب المواقف، وأصبح المتسلقون يحتلون المنابر، بينما يُدفع الشرفاء إلى الهامش لأنهم لا يجيدون الرقص القذر.
والأخطر من كل ذلك، أن بعض الجماهير تعتاد المشهد مع الوقت.
تعتاد رؤية الحمار وهو يرقص، والجرذان وهي تصفق، حتى يصبح العبث أمرًا طبيعيًا، ويصبح الانحدار أسلوب حياة.
لكن الحقيقة التي يحاول الجميع الهروب منها، أن الجرذان لا تبني أوطانًا.
هي فقط تعيش على الخراب.
وأن الحمار، مهما ألبسوه بدلات فاخرة، ومهما رفعوا له الصور واللافتات، سيبقى عاجزًا عن قيادة قطيع، فكيف بقيادة شعب أو قضية؟
التاريخ لا يرحم هذه الكائنات.
قد تصنع ضجيجًا مؤقتًا، وقد تملأ الشاشات والخطب والمنابر، لكنها في النهاية تسقط تحت وزن تفاهتها.
وحين تنتهي الموسيقى، يهرب الجرذان إلى جحورها، ويُترك الحمار وحيدًا في منتصف المسرح، يكتشف متأخرًا أنه لم يكن قائدًا، بل مجرد أداة في سيرك كبير.
أما الوطن، فهو الضحية الدائمة.
يدفع ثمن الغباء، وثمن النفاق، وثمن أولئك الذين حوّلوا السياسة إلى مزاد علني، تُباع فيه الكرامة بأرخص الأثمان.
لهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب، ليس وجود الجرذان وحدها، بل أن يعتاد رؤية الحمير وهي ترقص معها دون أن يغضب.
لأن الأمم لا تسقط فجأة، بل تسقط حين يصبح القبح مألوفًا، والفساد طبيعيًا، والانتهازيون أبطالًا على الشاشات.
وحينها فقط، يتحول الوطن كله إلى مسرح كبير…
يرقص فيه الحمار، وتعزف الجرذان، بينما الحقيقة تُذبح بصمت في الزاوية.
