شباب غزة… جيلٌ يُعاقَب لأنه فلسطيني
د. سائدة البنا
أمد/ في كل أوطان العالم، يُنظر إلى الشباب على أنهم طاقة المستقبل، وصُنّاع النهضة، وحملة الأحلام الكبرى.
أما في غزة، فالشباب لا يُمنحون فرصة الحلم أصلًا، لأنهم وُلدوا في وطنٍ يطاردهم فيه القصف قبل أن تطاردهم الحياة، ويكبرون على صوت الطائرات أكثر مما يكبرون على صوت الأمل.
شباب غزة ليسوا مجرد أرقامٍ في نشرات الأخبار، بل أرواحٌ أنهكها الحصار، وقلوبٌ تعبت من الانتظار، وعقولٌ كانت تستحق أن تُبدع وتتعلم وتسافر وتعيش مثل بقية شباب العالم.
لكن العالم الذي يتحدث طويلًا عن الحرية وحقوق الإنسان، وقف صامتًا أمام جيلٍ كاملٍ يُسحق نفسيًا وإنسانيًا كل يوم.
أيُّ عدالةٍ هذه التي تجعل شابًا في مقتبل عمره يبحث عن الماء بدلًا من مستقبله؟
وأيُّ إنسانيةٍ تلك التي ترى آلاف الشباب بلا جامعات آمنة، بلا فرص عمل، بلا أفق، ثم تتحدث عن التنمية والسلام؟
شباب غزة لم يعرفوا من حقوق الإنسان إلا أسماءها في الكتب، أما حقيقتها فلم يروها يومًا.
لم يعرفوا حقَّ الأمان، ولا حقَّ الاستقرار، ولا حقَّ الحياة الطبيعية.
يعرفون فقط معنى الخوف، والفقد، والانتظار الطويل أمام أبواب الحياة المغلقة.
هناك شبابٌ في غزة كانوا يحلمون أن يصبحوا أطباء ومهندسين وكُتّابًا ورياضيين، لكن الحرب سرقت منهم أعمارهم قبل أن تمنحهم الفرصة.
شبابٌ يحملون الشهادات في يد، ووجع الوطن في اليد الأخرى.
وجوههم شاحبة من التعب، لكن داخلهم ما زالت شعلة الكرامة مشتعلة رغم كل هذا الظلام.
المؤلم ليس فقط حجم المعاناة، بل صمت العالم أمامها.
فحين يصبح الألم الفلسطيني خبرًا عابرًا، وتتحول دموع الأمهات إلى مشهدٍ معتاد، فإن الإنسانية تكون قد خسرت جزءًا كبيرًا من روحها.
إن إنصاف شباب غزة لا يكون بالخطب والشعارات، بل بالاعتراف بحقهم الكامل في الحياة.
من حقهم أن يعيشوا بلا حرب، أن يدرسوا بلا خوف، أن يعملوا بلا حصار، أن يضحكوا بلا قلق، وأن يكون لهم مستقبل يشبه أحلامهم لا مآسيهم.
ورغم كل ما حدث…
ما زال شباب غزة يقفون على حافة الألم ويرفعون رؤوسهم نحو السماء، وكأنهم يقولون للعالم:
“قد تُرهقنا الحروب… لكنها لن تنتزع منا حقنا في الحياة.”
