حركة فتح ما بعد المؤتمر الثامن
د. أشرف الفرا
أمد/ في لحظات التحول الكبرى، لا تكون مؤتمرات حركات التحرر الوطني مجرد استحقاقات تنظيمية، بل تتحول إلى محطات فاصلة تعيد تعريف الدور والاتجاه. وفي هذا السياق، يكتسب المؤتمر الثامن لـ "حركة فتح" أهمية خاصة؛ كونه يأتي في ظل واحدة من أكثر المراحل تعقيداً وخطورة في تاريخ القضية الفلسطينية.
وإذ عُقد المؤتمر بنسبة مشاركة لافتة، بدت في ظاهره ملامح تجديدٍ للشرعية التنظيمية، غير أنه انطوى في جوهره على محاولة حثيثة لإعادة ضبط موازين القوى الداخلية، وصياغة معادلة قيادية بمقدورها مجابهة التحديات المتراكمة داخلياً وخارجياً. وقد أفرزت صناديق الاقتراع توليفة تمزج بين الرمزية التاريخية والوجوه الصاعدة، في مشهد يترجم رغبة جليّة في إحداث توازن دقيق بين الاستمرارية والتغيير.
لكن التحدي الحقيقي يظهر في الصعود المتزامن لشخصيات أمنية وسياسية ثقيلة مثل: اللواء ماجد فرج، والأسير المحرر زكريا الزبيدي، والدكتورة ليلى غنام، إلى جانب الحفاظ على أسماء تاريخية كـ محمود العالول، وجبريل الرجوب، وحسين الشيخ. هذه التوليفة تعكس رغبة واضحة في إدارة التناقض الصعب لـ "فتح": كيف توازن الحركة بين استحقاقات الميدان ومواجهة الاحتلال، وبين متطلبات إدارة السلطة الفلسطينية والتزاماتها المعقدة دولياً وإقليمياً؟ وفي المقابل، فإن غياب أسماء تاريخية بارزة عن المشهد لا يعني قطيعة مع الماضي، بقدر ما يعكس حاجة التنظيم لتجديد دمائه لمواجهة أزمات الشارع المتراكمة.
وعلى الصعيد التنظيمي، تبرز حاجة ملحة لترميم الهياكل الحركية في الضفة وغزة والشتات؛ لعلها تسترد ثقة الشارع التي أصابها بعض التراجع خلال السنوات الأخيرة. فالأزمة الراهنة لم تعد مجرد أزمة تمثيل، بقدر ما هي أزمة أداء وفاعلية تتطلب أدوات متجددة وخطاباً ينحاز للواقع ويهبط إلى تفاصيله.
أما في المشهد الوطني العام، فتضع هذه الاستحقاقات حركة "فتح" أمام اختبار تاريخي لا يحتمل التردد، لالتقاط اللحظة السياسية والذهاب بعيداً في ملف المصالحة؛ لا سيما مع الأطروحات والدعوات الأخيرة الصادرة عن حركة "حماس" لعقد لقاء مع حركة فتح لإنهاء الانقسام عبر برنامج وطني جامع، والعمل على توحيد الضفة وغزة إدارياً وسياسياً تحت مظلة حكومة واحدة تحمي المشروع الوطني من خطط التصفية. ورغم كل الألغام الجاهزة لتفجير أي تقارب ــ بدءاً من تباين البرامج السياسية، مروراً بتعقيدات الملف الأمني، وانتهاءً بسؤال الشراكة الحقيقية في القرار الوطني ــ فإن دماء شعبنا وتضحياته تحتم القفز فوق هذه الحسابات.
ويتصل هذا المشهد اتصالاً وثيقاً بالواقع الكارثي في قطاع غزة الذي يواجه حرب إبادة غير مسبوقة، مما يفرض صياغة موقف حاسم لا يكتفي برفض تهميش القطاع، أو ترك حاضنته الشعبية تدفع وحدها أثمان سياسات وقرارات لم تُحسب عواقبها الاستراتيجية. إن التزام فتح تجاه غزة يجب أن يغادر مربع التضامن الشعاراتي؛ فالقطاع كان وسيظل جوهر المشروع التحرري وأساسه. والقيادة الجديدة تقف اليوم أمام مسؤولية مباشرة لا تحتمل التأجيل, لترجمة مواقفها فوراً إلى أفعال ملموسة في الإغاثة، وتثبيت الناس فوق أرضهم لإفشال مخططات التهجير، وحماية النسيج الاجتماعي من التفكك.
وخلاصة القول، إن المؤتمر الثامن ليس نهاية المطاف، بل هو نقطة انطلاق جديدة لاستعادة المبادرة السياسية. والتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في ترتيب البيت الفتحاوي وحسب، بل في تحويل هذه الطاقات المتجددة إلى سياسات عملية تلبي تطلعات الشارع الفلسطيني وتواجه تعقيدات المرحلة. وبناءً على إرثها التاريخي الطويل في قيادة الحركة الوطنية، تملك "فتح" اليوم فرصة سانحة لاستثمار مخرجات هذا المؤتمر لتعزيز التلاحم وبناء جبهة وطنية متماسكة، قادرة على حماية الهوية الفلسطينية وإعادة الزخم للحقوق الوطنية المشروعة حتى نيل الحرية والاستقلال.
