بين العدالة التنظيمية واستحقاقات المؤتمر الثامن: هل أنصفت فتح أبناءها؟

تابعنا على:   15:10 2026-05-04

سامي إبراهيم فودة

أمد/ في المحطات المفصلية من عمر الحركات الثورية، لا تكون القرارات التنظيمية مجرد إجراءات إدارية عابرة، بل تتحول إلى معيار حقيقي يُقاس به عمق الانتماء، وصدق الالتزام، وقدرة التنظيم على صيانة ذاته من الخلل والتآكل. ومن هذا المنطلق، فإن ما شهدته مخرجات عضوية المؤتمر العام الثامن لحركة فتح يستدعي قراءة واعية ومسؤولة، بعيدًا عن المجاملة، وأبعد من التبرير.

لقد قُضي الأمر الذي فيه يستفتيان، وصدرَت القوائم، وانتهت مراحل الأخذ والرد، لكن ما لم ينتهِ هو ذلك الشعور المتصاعد بالغبن لدى شريحة واسعة من الكوادر التنظيمية، ممن شكّلوا عبر سنوات طويلة العمود الفقري للحركة، فإذا بهم اليوم خارج مشهد كان يفترض أن يكونوا في صلبه.

المسألة هنا لا تُختزل في أسماء حضرت وأخرى غابت، بل في دلالات هذا الحضور والغياب.
نحن أمام مشهد يحمل في طياته مفارقة واضحة:
كوادر ميدانية مشهود لها بالعطاء تم تغييبها، مقابل حضور أسماء لا يربطها بالميدان سوى معرفة "طرق الوصول".

أعضاء لم يُدعوا، وآخرون تفاجؤوا بالإقصاء، وكأن معايير الاختيار قد صيغت في دوائر مغلقة، بعيدة عن روح التنظيم ومبادئه.
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل ما جرى يعكس عدالة تنظيمية حقيقية، أم أنه تعبير عن اختلال في ميزان المعايير؟

إن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في نتائجها، بل في الرسائل التي تبعثها إلى القاعدة التنظيمية.
حين يشعر المناضل أن تاريخه النضالي لم يعد معيارًا، وأن الكفاءة تراجعت أمام الاصطفاف، فإن ذلك يُضعف الثقة، ويُربك البوصلة، ويفتح الباب أمام ثقافة لا تشبه فتح التي نعرفها.

فتح، في جوهرها، لم تكن يومًا إطارًا مغلقًا، ولا منظومة قائمة على الامتيازات، بل حركة تحرر وطني قامت على التضحيات، وتكافؤ الفرص، والانحياز لمن يستحق.
وعليه، فإن أي انحراف عن هذه القيم لا يُقرأ كخطأ عابر، بل كمؤشر يستدعي المراجعة الجادة.
من هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الحركة كفكرة، بل على آليات الإدارة، وعلى من صاغ هذه المخرجات، وسمح بتكريس معايير قد لا تنسجم مع روح فتح وتاريخها.
المطلوب اليوم ليس جلد الذات، بل امتلاك الشجاعة للاعتراف، والإرادة لتصحيح المسار.

إن المؤتمر العام، في أي حركة ثورية، يجب أن يكون محطة للتقييم والتجديد، لا منصة لإعادة إنتاج ذاتها.
وإن الحفاظ على وحدة التنظيم لا يكون بتغييب النقد، بل بفتح الأبواب أمامه، ضمن إطار مسؤول يحمي الحركة ولا يضعفها.
يا صديقي،
الوجع الحقيقي لا يكمن في الخسارة، بل في الشعور بغياب العدالة.
والإحباط لا يصنعه الإقصاء بحد ذاته، بل غياب المعايير التي تمنح القرار شرعيته التنظيمية والأخلاقية.
ورغم كل ذلك، يبقى الأمل قائمًا.

فتح، بما تملكه من تاريخ وإرث نضالي، قادرة على تصويب مسارها، إذا توفرت الإرادة الصادقة، وتم تقديم المصلحة التنظيمية العليا على أي اعتبارات أخرى.
رسالة تنظيمية أخيرة:
إن بناء حركة قوية لا يتحقق بإرضاء الأفراد، بل بترسيخ قواعد العدالة.
ولا يتم بإقصاء المختلفين، بل باحتوائهم ضمن إطار يحفظ وحدة الصف.

ولا يُبنى بتكريس النفوذ، بل بإعادة الاعتبار للقيم التي انطلقت منها الحركة.
فالتاريخ لا يرحم،
والتنظيم الذي لا يُنصف أبناءه، إنما يُضعف نفسه بيده.
فتح أكبر من الجميع…
لكنها اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى رجال يضعونها فوق ذواتهم، لا أن يضعوا ذواتهم فوقها.

اخر الأخبار