حديث الأربعاء
حسن النويهي
أمد/ وكما وعدتكم أن يكون حديث الأربعاء في كل أسبوع حدثًا مختلفًا يتناول قضيةً مهمة، فإن حديث هذا الأسبوع عن ذكرى ميلاد الشهيد القائد صدام حسين رحمه الله، والتي تصادف الثامن والعشرين من نيسان.
صدام حسين لم يكن مجرد اسم، ولا رقم، ولا تاريخ…
لا في ولادته، ولا في حياته، ولا في رحيله.
وحتى بعد أكثر من عشرين عامًا، ما زال حاضرًا، يملأ الدنيا صخبًا، حديثًا لا يغيب، فلا تكاد تخلو محطة أو صفحة أو موقع إلا ويُذكر فيها صدام:
شخصًا… قائدًا… مرحلة… فكرًا… تاريخًا.
فإذا كُتب عن صدام الإنسان، حضرت الشجاعة، والبطولة، والتضحية، والوفاء، والصدق، والرجولة، والإيمان والانتماء.
وإذا كُتب عن القائد، حضرت العزيمة، والإقدام، وعدم التردد، والشجاعة في قول الرأي…
وحضرت أيضًا الديكتاتورية في الدفاع عن رأيه وجماعته وحزبه دون خوف أو وجل.
قال ميشيل عفلق: صدام هدية البعث للأمة،
لكن الحقيقة أن صدام لم يكن فقط هدية… بل كان الحالة كلها.
أمدّ في عمر الحزب، نعم، لكنه أيضًا اختزله في شخصه، حتى غاب الحزب وبقي صدام،
واليوم لا يُذكر البعث إلا مقرونًا به: بعث صدامي… أو صداميون.
لقد فعل صدام فعله في الحزب، وبكاريزما طاغية وهيبةٍ كاسحة، تراجعت القيادات من حوله،
لا لضعفها، بل لأن حضوره كان كافيًا ليطغى على الجميع.
فكان طبيعيًا أن يعيش الحزب بعده فراغًا لم يُملأ حتى اليوم، وأن يدخل في انقسامات لا تنتهي.
أما صدام المرحلة، فقد كان تحوّلًا دائمًا:
من مناضلٍ حمل عبء المواجهة، إلى سجين، إلى منفي، إلى قائد عاد ليحكم،
فأنقذ ثورة السابع عشر من تموز من الانحراف،
لكنه في المقابل قادها أيضًا في مسارات وصلت بها إلى حافة التهلكة،
بقرارات فردية ورؤية أحادية.
وفي الفكر، لم تبقَ الأمور على حالها؛
فالحزب الذي كان أقرب إلى الطابع العلماني، تحوّل بعد ما سُمّي بالثورة الإيمانية إلى خطابٍ يكاد يلامس الأحزاب الدينية.
أما في بنية الحكم، فتحول من الديمقراطية المركزية إلى مركزيةٍ مطلقة،
وتقدّم الموالون والأقارب، وتراجع دور المؤسسات،
حتى تحوّل الحزب من قائدٍ للدولة إلى شبكة نفوذ وأمن،
وطغى الخوف على الحرية.
وكانت محاكمة قاعة الخلد لحظة فاصلة،
لم تغيّر فقط مسار الحكم، بل أعادت تشكيل عقلية الدولة،
حيث غاب النقد، وغاب النقد الذاتي،
وأصبح كل رأي مخالف خيانة، أو تنسيقًا، أو أجندة خارجية.
تاريخ صدام حسين حافل، صاخب، متناقض…
لم يعرف المهادنة، ولم يجِد في التسوية طريقًا،
واختتم حياته بمواجهةٍ شاملة، وقف فيها حتى اللحظة الأخيرة،
غير آبهٍ بالموت، كما يراه أنصاره، أو متمسكًا بخياره حتى النهاية، كما يراه خصومه.
وفي النهاية،
سيبقى صدام حسين اسمًا لا يمكن تجاوزه…
له ما له، وعليه ما عليه.
وهذا هو ابن آدم.
رحم الله صدام حسين.
أما نحن…
فما زلنا، إلى اليوم، نكرر الخطأ ذاته:
نصنع من الحاكم قدرًا…
ثم نستغرب حين ندفع الثمن.
