نداء نتنياهو كشف عمق الانهيار الذي أصابه جراء خسارته، فهو قبل غيره يدرك أنها عملية خروج بلا عودة

هل "لإسرائيل" الحق في الوجود على أرض فلسطين؟

هل "لإسرائيل" الحق في الوجود على أرض فلسطين؟

تاريخ النشر: 2026-11-03 | 14:41

حيدر العيلة
حيدر العيلة
لم يكن سؤال: "هل لإسرائيل الحق في الوجود على أرض فلسطين؟" مطروحاً بهذه الصيغة في الخطاب الوطني الفلسطيني والعربي التقليدي؛ فقد كانت المسألة الأساسية تتعلق بحق الشعب الفلسطيني في أرضه، ورفض المشروع الصهيوني الذي قام على اقتلاعه وتهجيره. فقيام إسرائيل ارتبط بنكبة تاريخية اقتُلع خلالها مئات الآلاف من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، ودُمّرت تجمعاتهم السكانية، وصودرت أراضيهم وممتلكاتهم، في ظل انحياز ودعم بريطاني وتواطؤ دولي وعجز عربي، ومواقف رسمية أسهمت في تهيئة الظروف لقيام المشروع الصهيوني.
ولم تكن النكبة حدثاً بعيداً في صفحات التاريخ، بل بقي شهودها أحياء يحملون في ذاكرتهم تفاصيل الاقتلاع والتهجير والمجازر، وينقلونها إلى أبنائهم وأحفادهم، لتبقى الذاكرة الفلسطينية شاهداً على أن قيام إسرائيل لم يكن مجرد إعلان سياسي عن نشوء دولة، بل ارتبط بتهجير شعب وإحلال مشروع استيطاني مكان وطنه.
ومن هذه الحقيقة انطلق النضال الوطني الفلسطيني دفاعاً عن الأرض والحرية والكرامة واستعادة الحقوق، ودفع الشعب الفلسطيني أثماناً باهظة من الشهداء والأسرى والجرحى، ومن أعمار الأجيال التي عاشت المنافي والمخيمات والحصار والاحتلال. ولم يكن هذا النضال موجهاً ضد اليهود بسبب دينهم، أو ضد حق أي إنسان في الحياة والكرامة والأمان، بل ضد مشروع استعماري استيطاني قام على اغتصاب الأرض وتهجير أهلها وحرمانهم من حقهم في تقرير مصيرهم.
لكن التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة أدخلت القضية الفلسطينية في مسار مختلف، تراجع معه السؤال المركزي المتعلق باستعادة الحقوق وإنهاء الاحتلال، أمام مقاربات تتعامل مع وجود إسرائيل باعتباره حقيقة سياسية نهائية ينبغي التسليم بها، وصولاً إلى طرح سؤال: هل لإسرائيل الحق في الوجود؟
شهدت المنطقة العربية منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي تحولات سياسية واستراتيجية عميقة غيّرت موازين الصراع مع إسرائيل. فقد شكّلت اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، خروج مصر بثقلها السياسي والعسكري من دائرة المواجهة المباشرة. ثم جاءت معاهدة وادي عربة عام 1994 بين الأردن وإسرائيل، واستعادة العلاقات المغربية الإسرائيلية، وصولاً إلى التطبيع الرسمي للإمارات والبحرين عام 2020، فضلاً عن العلاقات التجارية والاتصالات السياسية التي شهدتها قطر مع إسرائيل في مراحل سابقة. وهكذا تراجعت تدريجياً جبهة الرفض العربية، وتقلصت أوراق الضغط على إسرائيل، دون ربط ذلك بإنهاء الاحتلال أو ضمان الحقوق الفلسطينية.
ولم تكن القيادة الفلسطينية بمنأى عن هذا التحول، بل اتجهت إلى مسار الاعتراف والتفاوض دون امتلاك ضمانات ملزمة لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة وضمان حق العودة. وقد مثّل عام 1993 محطة مفصلية مع تبادل رسائل الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل وتوقيع اتفاق أوسلو. ولم يكن أوسلو مجرد انتقال إلى مسار تفاوضي جديد، بل مثّل، في نظر قطاعات واسعة من الحركة الوطنية الفلسطينية، تراجعاً كبيراً عن المشروع الوطني التحرري، وقبولاً بمسار تسوية سياسية انطلق من الاعتراف المتبادل، وأجّل القضايا الجوهرية المتعلقة بمستقبل فلسطين وحقوق شعبها إلى مفاوضات لاحقة، مقابل التعويل على وعود باستكمال المفاوضات ومعالجة قضايا القدس واللاجئين والاستيطان والحدود والسيادة، وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
لكن تلك الوعود بقيت معلّقة، فيما مضت إسرائيل في توسيع الاستيطان وفرض الوقائع على الأرض، وظلت القضايا الجوهرية دون حل. وهكذا وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام معادلة مختلة: اعتراف وتنازلات سياسية من الجانب الفلسطيني، مقابل استمرار الاحتلال وتوسيع السيطرة الإسرائيلية، دون تحقيق الحقوق الوطنية التي انتظروا أن تكون ثمرة ذلك المسار. وبذلك لم يكن أوسلو مجرد اتفاق لم يحقق أهدافه، بل مثّل تحولاً في طبيعة المشروع الوطني وأولوياته، من مشروع يسعى إلى التحرر واستعادة الحقوق إلى مسار تفاوضي راهن على الوعود والتسويات.
وهنا تكمن خطورة التحول؛ إذ لم يعد المطلوب من إسرائيل أن تتحمل مسؤولية النكبة والتهجير والاحتلال، بل أصبح الفلسطيني مطالباً بتبرير رفضه للواقع المفروض عليه، وإثبات استعداده للاعتراف بشرعية دولة قامت على أرضه وعلى حساب حقوقه الوطنية والتاريخية.
ومن الضروري هنا التمييز بين التعامل مع إسرائيل باعتبارها واقعاً سياسياً فرضته موازين القوة والظروف الدولية، وبين الاعتراف السياسي المتبادل الذي جرى في إطار مسار التسوية، وبين الإقرار بشرعية الأسس التاريخية والقانونية والأخلاقية التي قام عليها المشروع الصهيوني. فهذه مستويات مختلفة لا ينبغي الخلط بينها؛ إذ إن التعامل مع واقع سياسي قائم، أو الدخول في مسار تسوية سياسية، لا يعني بالضرورة إضفاء شرعية تاريخية أو أخلاقية عليه، ولا يفرض على الشعب الفلسطيني التنازل عن حقوقه الوطنية أو الإقرار بشرعية اقتلاعه وتهجيره. كما أن استمرار إسرائيل واعتراف دول العالم بها لا يسقط المسؤولية عن النكبة، ولا يمنح الاحتلال والاستيطان والتمييز شرعية، ولا ينتقص من حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير والسيادة.
وتزداد خطورة هذا النقاش عندما تُستدعى المبررات الدينية للحديث عن حق اليهود في فلسطين، وكأن المعتقد الديني يمنح جماعة ما حق السيادة الحصرية على أرض شعب آخر. إن احترام اليهود وحقهم في العيش بأمان وكرامة أمر لا جدال فيه، لكن ذلك لا يمنح أي دولة أو حركة سياسية حق اقتلاع شعب من أرضه، ولا يحوّل الروايات الدينية إلى سند قانوني أو أخلاقي لمصادرة حقوق الآخرين. فحقوق الشعوب لا تُمنح على أساس المعتقد الديني، ولا يجوز أن تكون عقيدة جماعة مبرراً لنفي وجود جماعة أخرى أو سلبها وطنها.
إن رفض الصهيونية بوصفها مشروعاً استعمارياً استيطانياً لا يعني رفض حق اليهود في الحياة والأمان والعيش الكريم. فالمشكلة ليست في وجود أناس لهم معتقداتهم، بل في نظام سياسي يقوم على الامتياز القومي والتمييز وإنكار الحقوق الوطنية لشعب آخر. ولا يمكن بناء سلام عادل على استمرار هذا الاختلال.
إن فلسطين ليست أرضاً بلا شعب، بل وطن عاش فيه شعب متجذر في أرضه، له تاريخه وذاكرته ومدنه وقراه وثقافته، وله الحق في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة والتمتع بحقوقه الوطنية والإنسانية.
ومن حقنا أن نسأل: كيف تحوّل المستوطنون القادمون من أصقاع العالم، تحت راية المشروع الصهيوني، إلى أصحاب حق مزعوم في الاستيلاء على أرض فلسطين وطرد شعبها من مدنه وقراه، بينما جرى التعامل مع أصحاب الأرض الأصليين باعتبارهم غرباء عن وطنهم؟ وكيف تحوّل صاحب الأرض، الذي طُرد من بيته وما زال يحمل مفاتيحه ووثائق ملكيته، إلى طرف مطالب بإثبات حقه في وطنه؟ وكيف أصبح الاعتراف بإسرائيل اختباراً لما يسمى الاعتدال السياسي، بينما لا يُطرح بالجدية نفسها سؤال الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال؟
إن القضية ليست في إنكار واقع قائم أو تجاهل موازين القوى، بل في رفض تحويل هذه الموازين إلى مرجعية لتحديد الحق والباطل، أو جعل ما فرضته القوة أمراً مشروعاً لمجرد استمراره عقوداً. فالاحتلال لا يصبح حقاً بالتقادم، والتهجير لا يتحول إلى عدالة بمرور الزمن، وحقوق الشعوب لا تسقط لأن العالم قرر التعايش مع الظلم.
إن السلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد اعتراف الضحية بالأمر الواقع، بل يتطلب معالجة جذور الظلم التاريخي، والاعتراف بحقوق ضحاياه، وإنهاء الاحتلال والاستيطان والتمييز، وضمان حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير والسيادة. فأي مستقبل سياسي عادل يجب أن يقوم على المساواة والحقوق الوطنية والإنسانية، لا على الامتياز القومي والقوة أو السيادة الحصرية لطرف على حساب الآخر.
إن السؤال الذي ينبغي أن يبقى في صدارة النقاش السياسي والأخلاقي ليس: هل لإسرائيل الحق في الوجود على أرض فلسطين؟ بل: هل يحق لمشروع استيطاني أن يقيم دولة على حساب شعب آخر، فيحرمه من وطنه وحقوقه، ثم يطالبه بالاعتراف بشرعية ذلك؟
إننا لا ننكر على أي إنسان حقه في الحياة والكرامة والأمان، لكننا نرفض أن تُبنى حقوق طرف على إنكار حقوقنا، أو أن يتحول الاعتراف بالواقع إلى تنازل عن التاريخ والحقوق. فالقضية الفلسطينية ليست معركة لإنكار وجود الآخرين، بل نضال من أجل إنهاء الاقتلاع والاحتلال والتمييز، واستعادة الحرية والعودة وتقرير المصير. وستبقى فلسطين قضية شعب يناضل من أجل حقوقه، لا قضية شعب مطالب بالتخلي عن تاريخه وذاكرته كي ينال اعتراف العالم بحقه في الحياة على أرضه.
×
أخبار
معاريف: لدى آيزنكوت «ورقة جوكر» لتشكيل الحكومة ونتنياهو يخشى السيناريو الأسوأ لا أحد يملك خطة لتراجع أمريكا: تداعيات تداعي الهيمنة على واشنطن والعالم عبري: هل "اشترى" نتنياهو دعم ترامب السياسي بالتنازل عن 7.5 مليارات دولار من المساعدات الأمنية؟ غياب الدور الأمريكي: قادة المنطقة وأوروبا يتحركون لتشكيل تحالف أمني بمعزل عن واشنطن الموقف من إسرائيل يقسم الناخبين اليهود في تكساس بين تالاريكو وباكستون الحكومة الفلسطينية تحذّّر من تفاقم المعاناة الإنسانية في قطاع غزة مع دخول فصل الشتاء الداخلية اليمنية: 21 خبيراً أجنبياً من الحرس الثوري وحزب الله يديرون عمليات الحوثيين واشنطن تبلغ الوسيط القطري موافقتها على المقترح المقدم لإنهاء المواجهة مع إيران لجنة الانتخابات الإسرائيلية توّبخ نتنياهو لادعائه «سرقة» الانتخابات وسط مخاوف من أزمة دستورية تحذيرات من غرق أكثر من 1000 موقع ومخيم للنازحين في غزة مع اقتراب الشتاء بلير يزور إسرائيل لبحث المأزق السياسي وملف غزة في ظل الجمود رؤساء أحزاب المعارضة يتفقون على التحرك الفوري لتشكيل حكومة طوارئ برئاسة آيزنكوت جيش الاحتلال يحذّر من تصاعد عنف المستوطنين خلال إخلاء البؤر الاستيطانية الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,615 شهيدا سوريا: توقيف شخصَين مرتبطين بحزب الله بتهمة التخطيط لهجوم على مصفاة حمص رئيس أركان الجيش الإيراني: طهران تطرح 5 شروط لتحقيق أمن مستدام لافروف: الاتحاد الأوروبي يتحول لحلف عسكري عدواني مناهض لروسيا وبيلاروسيا ويتكوف: محادثات ثلاثية لإنهاء حرب أوكرانيا في أبو ظبي 10 نوفمبر جيش الاحتلال يغلق معبر رفح بالكامل بذريعة التهريب وتدخل أجهزة حماس نتنياهو المتوسل...نهاية رجل انتهازي فريد! مسؤول إيراني كبير: طهران وواشنطن بعيدتان عن التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس وتصدر أوامر عسكرية لمصادرة أراض إعلام أمريكي: لا خطط فورية للتصعيد ضد إيران..والمخابرت المركزية تنصح "بلا حرب ولا اتفاق" مجندة سابقة "تكسر الصمت" وتكشف تلاعب جيش الاحتلال بالمعلومات عن حرب غزة هجمات غامضة تضرب مخازن الأغذية دول أوروبية وقواعد عسكرية أمريكية بعد دعوته..آيزنكوت: لن أجلس في حكومة يقودها نتنياهو حتى لو طلب مني ترامب ذلك دوي 5 انفجارات في جزيرة قشم جنوب إيران استهدفت أجهزة رادار ومنصات إطلاق صواريخ ملادينوف يحمل 3 ملفات إلى إسرائيل حول قطاع غزة خبراء أمميون يحذرون: الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين يغذي المزيد من العنف حرب جديدة على إيران ستوجّه ضربة قاضية للقيادة الأمريكية في الشرق الأوسط

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط