تاريخ النشر: 2026-10-05 | 13:35
تاريخ النشر: 2026-10-05 | 13:35
متابعات: يرى المؤرخ البريطاني سايمون سيباغ مونتيفيوري، في تحليل نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، أن الشرق الأوسط بصورته التقليدية يقترب من نهايته، في ظل صعود منظومة جديدة من التحالفات والتفاهمات التي باتت تحكمها اعتبارات الأمن والقوة والتكنولوجيا والمصالح الاقتصادية، أكثر من ارتباطها بالاصطفافات التقليدية القائمة على الدين أو الأيديولوجيا.
ويضع مونتيفيوري المنطقة ضمن شبكة جيوسياسية أوسع تمتد من أوكرانيا والقوقاز وآسيا الوسطى، مرورًا بشرق المتوسط والشرق الأوسط، وصولًا إلى جنوب آسيا وشرق أفريقيا والساحل، معتبرًا أن هذه المسارح لم تعد منفصلة عن بعضها، وإنما أصبحت مترابطة ضمن منظومة واحدة تمتد «من رمال الساحل إلى خليج البنغال».
وبحسب الكاتب، تشهد المنطقة خلال الأشهر الأخيرة تحولات لافتة تعكس طبيعة هذه التحالفات الجديدة.
فالعلاقات بين الإمارات وإسرائيل، وفق قراءته، لا تزال قائمة رغم التوترات الإقليمية، مشيرًا إلى إقرار الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد بزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب التعاون الأمني المرتبط بالهجمات الإيرانية، وهو ما يعتبره مؤشرًا على استمرار «اتفاقيات أبراهام».
وفي أغسطس، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع مشترك أطلق عليها الكاتب «اتفاقية مكة»، ويرى أنها تمثل ترتيبًا أمنيًا جديدًا يشبه، في بعض جوانبه، حلف شمال الأطلسي، لكنها تواجه بالفعل اختبارات إقليمية معقدة، في ظل التهديدات المرتبطة بالحوثيين والميليشيات العراقية.
وفي شرق المتوسط، أبرمت اليونان وإسرائيل صفقة دفاعية بقيمة 3.5 مليار دولار، تتضمن تزويد أثينا بشبكة للدفاع الجوي والصاروخي تحمل اسم «درع أخيل»، بينما تتوسع الشراكة الاقتصادية والعسكرية بين إسرائيل والهند.
أما أوكرانيا، فقد اتجهت بدورها إلى تعزيز علاقاتها الأمنية مع دول الخليج، إذ أبرمت، وفق المقال، اتفاقيات مع السعودية والإمارات وقطر لتوفير فرق لاعتراض المسيّرات.
ويرى مونتيفيوري أن الولايات المتحدة تواصل الضغط على الاقتصاد الإيراني، في وقت تقدم فيه روسيا لإيران معلومات استخباراتية يمكن استخدامها لاستهداف القوات الأمريكية.
أما الصين، فتسعى إلى الحفاظ على علاقاتها مع إيران، بما في ذلك عبر تبادل المعلومات المتعلقة بالمنشآت الأمريكية، وفي الوقت نفسه تعمل على حماية علاقاتها المتنامية مع حلفاء واشنطن في المنطقة، خصوصًا السعودية والإمارات.
ويشير الكاتب إلى أن الصين تشتري نحو 90% من النفط الإيراني، بينما يأتي نحو ثلث وارداتها النفطية من الدول العربية، وهو ما يعكس طبيعة المصالح المتداخلة التي تجعل بكين حريصة على إبقاء علاقاتها مفتوحة مع مختلف أطراف المنطقة.
ويحدد الكاتب ثلاث قوى عسكرية رئيسية تتنافس على تشكيل مستقبل المنطقة: إيران وتركيا وإسرائيل.
فإيران تسعى، وفق تقديره، إلى ضمان بقائها وربما توسيع نفوذها في الخليج، بينما تعمل تركيا على تثبيت حضور إقليمي متزايد، خصوصًا في سوريا، في إطار ما يصفه الكاتب بطموحات ذات طابع «عثماني جديد».
أما إسرائيل، فتسعى إلى تعزيز أمنها مع استمرار المشروع الديني–القومي الذي يتبناه بعض وزرائها، في وقت قد تؤثر الانتخابات المقبلة في تركيبة الحكومة الإسرائيلية.
وفي المقابل، تواجه السعودية تحديات مرتبطة بحماية أراضيها ومنشآتها النفطية ومكانتها الإقليمية، بينما تسعى باكستان إلى ترسيخ دورها كقوة مؤثرة في العالم الإسلامي.
ويخلص مونتيفيوري إلى أنه لا توجد قوة إقليمية مهيمنة بصورة كاملة، وأن معظم الأطراف تبدو أقل قوة مما توحي به صورتها الخارجية، مشبهًا الشرق الأوسط بـ«مخ الجهاز العصبي للعالم»، بسبب حساسية طرق التجارة وأنابيب النفط، التي تمنح قوى صغيرة الحجم، مثل الحوثيين، قدرة على التأثير تتجاوز حجمها بكثير.
ويرى الكاتب أن خطوط الانقسام التقليدية في المنطقة تتغير؛ فلم يعد الصراع محصورًا في ثنائية سني–شيعي أو غربي–إسلامي، بل بات، وفق وصفه، أقرب إلى مواجهة بين نموذج إسلامي منفتح ومؤيد للغرب، يمثله حلفاء الولايات المتحدة مثل السعودية ومصر والإمارات، ونموذج أكثر انغلاقًا ومعاداة للغرب، تمثله إيران والقوى المرتبطة بها.
ويضع التحليل ستة مسارح مترابطة تشكل، في نظر الكاتب، الخريطة الجديدة للصراع والنفوذ:
1. روسيا وأوكرانيا:
يتقاطع التحالف الروسي–الإيراني مع الترتيبات الأمنية التي تعمل أوكرانيا على بنائها مع دول الخليج، بما يجعل الحرب الأوكرانية جزءًا من شبكة صراعات أوسع.
2. القوقاز وآسيا الوسطى:
تتداخل تحالفات تركيا وأذربيجان مع علاقات الهند وأرمينيا، فيما تقترب دول آسيا الوسطى من أطراف إقليمية مختلفة، بينها تركيا وإسرائيل.
3. شرق المتوسط – «المسرح البيزنطي»:
تتزايد طموحات تركيا الإقليمية في جنوب أوروبا والشرق الأوسط، في مقابل تقارب استراتيجي متنامٍ بين اليونان وإسرائيل، خصوصًا على خلفية النزاعات البحرية وملف الغاز في شرق المتوسط.
4. جنوب آسيا:
يصف الكاتب هذا المسرح بأنه الأخطر، بسبب التنافس بين الهند وباكستان، وهما دولتان نوويتان خاضتا خمس حروب منذ عام 1947. كما تتشابك حسابات الهند بين إسرائيل وإيران وروسيا، بينما تعمل باكستان على توسيع نفوذها من خلال علاقاتها مع السعودية وتركيا ودورها في الوساطة مع إيران.
5. شرق أفريقيا والبحر الأحمر:
تشهد المنطقة، بحسب التحليل، تنافسًا متزايدًا على السودان والصومال وإثيوبيا، مع تداخل مصالح خليجية وتركية وإسرائيلية وأفريقية حول الذهب والموانئ والأراضي الزراعية والممرات البحرية.
6. الساحل الأفريقي:
يحذر الكاتب من أن انهيار إحدى دول الساحل قد يتيح للجماعات الجهادية التوسع جنوبًا نحو نيجيريا أو شمالًا باتجاه ليبيا، بما قد يخلق تهديدات أمنية تمتد إلى مصر.
وفي محاولة لإعادة تعريف المجال الجغرافي للصراع، يرى مونتيفيوري أن مصطلح «الشرق الأوسط» لم يعد كافيًا لوصف شبكة التفاعلات الجديدة، كما أن مصطلحي «غرب آسيا» و«سوانا» لا يستوعبان جميع المسارح التي تتداخل فيها المنطقة مع جنوب أوروبا وشرق أفريقيا وجنوب آسيا.
ويقترح الكاتب تسمية «سيميستيا» لوصف المجال الأوسع الذي يجمع جنوب أوروبا والشرق الأوسط والصحراء وجنوب آسيا وشرق أفريقيا.
أبرز ما يحذر منه التحليل هو احتمال اندماج الصراعات الإقليمية والدولية في مواجهة واحدة. ويشير الكاتب إلى أن تزامن الحرب الروسية–الأوكرانية مع الحرب الأمريكية–الإيرانية–الإسرائيلية، بالتوازي مع احتمال اندلاع صراع جديد بين الهند وباكستان، قد يؤدي إلى ما يسميه «الاشتعال الشامل»، بما يهدد بتحويل سلسلة الأزمات إلى حرب ذات أبعاد عالمية.
ويرى أن التحالفات الجديدة ليست ثابتة، بل مرنة ومتداخلة؛ فـ«اتفاقية مكة» لا تعني بالضرورة نهاية «اتفاقيات أبراهام»، كما أن أي ترتيبات هندية–عربية–إسرائيلية يمكن أن تتعايش مع تحالفات أخرى.
ويعتقد مونتيفيوري أن الصين ليست مستعدة بعد للانخراط بصورة كاملة في أزمات المنطقة، رغم تنامي قدراتها البحرية، لكنه يحذر من احتمال استفادتها من أي أخطاء أمريكية.
وفي الوقت نفسه، تحتاج دول المنطقة إلى الصين باعتبارها شريكًا تجاريًا رئيسيًا، لكنها تدرك، وفق الكاتب، أن بكين لا تزال غير قادرة على الحلول محل واشنطن كشريك أمني رئيسي.
ومن أبرز مفارقات المرحلة الحالية، بحسب التحليل، أن الهجمات الإيرانية على دول عربية عززت الحاجة إلى الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، رغم استمرار حالة عدم الثقة بواشنطن.
كما يرى الكاتب أن إسرائيل أصبحت، رغم الخلافات والتحفظات المحيطة بها، أكثر جاذبية من الناحية الاستراتيجية لبعض القوى العربية في ظل التحولات الأمنية الجديدة.
وفي ما يتعلق بالسياسة الأمريكية، ينتقد مونتيفيوري ما يصفه بتضارب بعض سياسات واشنطن تجاه تركيا ولبنان وإيران، لكنه يشير في المقابل إلى أن عمليات أمريكية سابقة، من بينها قصف المنشآت النووية الإيرانية عام 2025، أظهرت قدرة الإدارة على التحرك بصورة مركزة وسرية.
كما يرى أن الضغط على إيران يبدو، وفق تقديره، أكثر تأثيرًا مع مرور الوقت، محذرًا في الوقت ذاته من أن رد الحرس الثوري الإيراني قد يكون عاملًا حاسمًا في المرحلة المقبلة.
ويخلص الكاتب إلى أن ما يسميه «حروب 7 أكتوبر»، بما فيها الحرب على إيران، لن تنتهي بصورة حاسمة في المستقبل القريب، معتبرًا أن طبيعة الوضع الداخلي الإيراني وتعقيدات القيادة السياسية تزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية نهائية.
وتشير القراءة التحليلية المصاحبة للمادة إلى أن المقال يقدم رؤية تاريخية واستشرافية واسعة، لكنها تتضمن أحكامًا وتوصيفات سياسية وقيمية تعكس وجهة نظر الكاتب، فضلًا عن وجود بعض الادعاءات التي تحتاج إلى التحقق المستقل قبل التعامل معها كحقائق نهائية.
كما يبرز التحليل الإمارات باعتبارها نموذجًا للحليف المنفتح والمؤيد للغرب، ويربط بين علاقاتها بإسرائيل، واتفاقياتها الأمنية، وتحركاتها في أوكرانيا والقرن الأفريقي، ضمن شبكة تحالفات إقليمية آخذة في التشكل.
ويتقاطع المقال مع قراءات أخرى في اعتبار البحر الأحمر والقرن الأفريقي ساحات رئيسية للتنافس الدولي والإقليمي، وفي رصد تنامي الحاجة إلى الوجود الأمريكي، لكنه يختلف عن بعض التحليلات الأخرى في تقديره لمدى نجاح الضغط الاقتصادي على إيران.
ومن أبرز الملفات التي يوصي التحليل بمراقبتها خلال المرحلة المقبلة: تطورات «اتفاقية مكة» واختبارها أمام تهديدات الحوثيين والميليشيات العراقية، ومسار العلاقات الإماراتية–الإسرائيلية، وأي تصعيد هندي–باكستاني أو باكستاني–أفغاني، والتنافس التركي–اليوناني–الإسرائيلي في شرق المتوسط.
كما تشمل المؤشرات تطورات الأوضاع في السودان وأرض الصومال وإثيوبيا وإريتريا، ومسار انضمام كازاخستان إلى «اتفاقيات أبراهام»، ورد إيران على الضغوط الاقتصادية، والنشاط البحري الصيني في المنطقة، إلى جانب نتائج الانتخابات الإسرائيلية.