تاريخ النشر: 2026-10-03 | 15:45
تاريخ النشر: 2026-10-03 | 15:45
واشنطن: حذر الكاتب والأستاذ الجامعي مايكل ألبرتوس من تحول تدريجي في نظام حوكمة المحيطات، مع تصاعد المنافسة الدولية على الممرات البحرية وقاع البحار والموارد المعدنية والبنية التحتية الممتدة تحت الماء، معتبرًا أن الضغوط الجيوسياسية والتغير المناخي والتطور التكنولوجي قد تدفع البحار المفتوحة من كونها فضاءً تحكمه قواعد دولية مشتركة إلى ساحة جديدة للتنافس على النفوذ والموارد.
وفي مقال تحليلي نشرته مجلة Foreign Policy الأمريكية، يجمع ألبرتوس بين ملفات عادة ما تتم مناقشتها بصورة منفصلة، تشمل أمن المضائق، وقانون البحار، والتعدين في أعماق المحيطات، والتنافس في المناطق القطبية، ليطرح احتمال نشوء نظام بحري أكثر تنافسية تتزايد فيه أهمية السيطرة على الممرات وحقوق الاستخراج والبنية التحتية البحرية.
يركز المقال على ما يصفه الكاتب بتآكل تدريجي للنظام البحري الذي حافظ لعقود على مبدأ حرية الملاحة، مع تزايد المحاولات الرامية إلى تحويل الممرات البحرية الاستراتيجية إلى أدوات نفوذ اقتصادي وسياسي.
ويستشهد ألبرتوس بمضائق هرمز وباب المندب وملقا باعتبارها أمثلة على الأهمية المتزايدة للتحكم في طرق التجارة العالمية. ويشير إلى أن مضيق ملقا يمر عبره، وفق المقال، نحو 29% من تدفقات النفط البحرية العالمية.
كما يورد الكاتب محاولات أو مقترحات لفرض رسوم على حركة السفن في بعض الممرات، من بينها ما ينسبه إلى إيران وعُمان بشأن مضيق هرمز، وطرح مماثل في إندونيسيا يتعلق بمضيق ملقا قبل التراجع عنه، إلى جانب فكرة طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يوليو بشأن فرض رسم على المرور عبر هرمز قبل التخلي عنها.
ويقدم ألبرتوس هذه التطورات باعتبارها مؤشرات على إمكانية انتقال التعامل مع الممرات الدولية من مفهوم حرية الملاحة إلى استخدامها بصورة أكبر كأدوات ضغط أو تحصيل إيرادات.
ويرى المقال أن المشكلة لا تتعلق بالمطالبات البحرية وحدها، وإنما أيضًا بضعف آليات تنفيذ قواعد القانون الدولي للبحار.
ويشير ألبرتوس إلى أن المحكمة الدولية لقانون البحار تفتقر إلى آلية تنفيذ مباشرة، بينما تصدر محكمة التحكيم الدائمة أحكامًا ملزمة دون امتلاك جهاز مستقل لفرضها، في وقت يواجه مجلس الأمن الدولي قيودًا متكررة بسبب استخدام حق النقض.
ويستشهد الكاتب بحكم صدر عام 2016 في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ورفض مطالبات صينية موسعة في بحر الصين الجنوبي، قبل أن يشير إلى استمرار الخلافات البحرية والتوترات في المنطقة، بما في ذلك ما يصفه باستمرار الصين في بناء جزر اصطناعية والتدخل في المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين.
ويعرض المقال هذه التطورات بوصفها مثالًا على الفجوة بين وجود القواعد الدولية وبين قدرة المؤسسات على ضمان تنفيذها.
ولا تقتصر المنافسة، وفق ألبرتوس، على الممرات البحرية، بل تمتد إلى قاع المحيطات وما يحتويه من معادن حرجة تدخل في صناعات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي.
ويشير المقال إلى مناطق واسعة غنية بالموارد المعدنية، بينها منطقة كلاريون-كليبرتون في المحيط الهادئ، وحوض المحيط الهندي المركزي وحوض بنرين.
لكن الانتقال من الاستكشاف إلى التعدين التجاري لا يزال يواجه خلافات بشأن المعايير البيئية وقواعد الامتثال وآليات الإنفاذ.
وبحسب المادة، تعمل إدارة ترامب على تسريع إجراءات الموافقة على طلبات التعدين في أجزاء من منطقة كلاريون-كليبرتون، فيما يُتوقع اتخاذ قرارات أميركية بشأن عدد متزايد من الطلبات خلال العام التالي. كما يشير المقال إلى مزايدة مقررة في نوفمبر على قطعتين كبيرتين من قاع البحر قبالة ساموا الأميركية للاستكشاف وربما التعدين.
ويستخدم الكاتب هذه التطورات للإشارة إلى احتمال دخول المحيطات مرحلة جديدة يصبح فيها التنافس على المعادن جزءًا أساسيًا من التنافس الجيوسياسي.
ويضع ألبرتوس المنافسة بين القوى الكبرى في قلب التحول الذي يناقشه، مشيرًا إلى تحركات الصين وروسيا والولايات المتحدة ودول أخرى لتوسيع نفوذها في مناطق بحرية مختلفة.
ويشير إلى الجزر الاصطناعية التي أقامتها الصين في بحر الصين الجنوبي، والمطالبات الروسية في القطب الشمالي، إلى جانب توسع المطالب الأميركية المتعلقة بقاع البحر.
ويحذر من أن تراكم هذه التحركات قد يؤدي إلى نشوء سوابق جديدة، بحيث يصبح خرق قاعدة أو تجاوزها مبررًا لخرق آخر، بما يضعف تدريجيًا الإطار المشترك الذي حكم استخدام المحيطات.
ويضيف التغير المناخي بعدًا آخر إلى المنافسة البحرية، إذ يؤدي ذوبان الجليد في القطب الشمالي إلى زيادة الأهمية التجارية والاستراتيجية لـطريق بحر الشمال الذي يربط أوروبا وآسيا.
ويشير المقال إلى أن روسيا تفرض نظام تصاريح معقدًا على حركة السفن في المنطقة، وتتعامل مع بعض الممرات باعتبارها مياهًا داخلية.
وبالنسبة للكاتب، فإن انحسار الجليد لا يعني فقط فتح طرق تجارية جديدة، وإنما يوسع أيضًا مساحة المنافسة على النفوذ والموارد والبنية التحتية في منطقة كانت لعقود مقيدة بالظروف المناخية القاسية.
ويمتد السيناريو الذي يطرحه المقال إلى القارة القطبية الجنوبية، حيث يمكن أن يؤدي تغير المناخ والتقدم التكنولوجي والتنافس على مناطق الصيد والموارد إلى إعادة إحياء مطالبات إقليمية وتوسيع استخدام المنشآت البحثية لأغراض قد تكون مزدوجة، بحسب ما يورده الكاتب.
ويشير ألبرتوس إلى توسع الصين في أسطول كاسحات الجليد ومحطات الأبحاث في أنتاركتيكا، وإلى مخاوف أميركية وأوروبية من احتمال امتلاك بعض هذه المنشآت قدرات يمكن استخدامها لأغراض استخبارية أو عسكرية، مع التأكيد أن هذه النقاط ترد ضمن تحليل الكاتب.
ولا يستبعد المقال انتقال التنافس إلى البنية التحتية البحرية، خصوصًا الكابلات الممتدة تحت الماء، فضلًا عن مناطق الصيد والممرات الاستراتيجية.
ويحذر ألبرتوس من أن استمرار تآكل القواعد يمكن أن يفتح المجال أمام سيناريوهات تشمل التلاعب بالكابلات البحرية، أو السيطرة على مناطق الصيد، أو فرض حصار على جزر ومناطق ساحلية.
ويشير كذلك إلى سيناريوهات مستقبلية مثل حصار تايوان، أو الضغط على سفالبارد، أو فرض سيطرة بحرية حول غرينلاند، لكنه يقدمها باعتبارها احتمالات ضمن السيناريو التحليلي للمقال، وليست أحداثًا وقعت بالفعل.
ويرى الكاتب أن تحول المحيطات إلى مجال أكثر تنافسية لن تكون تداعياته عسكرية فقط، بل يمكن أن تمتد مباشرة إلى الاقتصاد العالمي.
فزيادة السيطرة على الممرات قد تؤدي إلى ارتفاع رسوم المرور وتكاليف النقل والتأمين، فيما يمكن أن يؤدي اضطراب الطرق البحرية أو احتجاز الموارد إلى تقلبات في سلاسل الإمداد.
كما قد تتأثر إمدادات الغذاء والمعادن الحرجة، خصوصًا إذا تحولت مناطق الصيد أو موارد قاع البحر إلى أدوات ضغط سياسي واقتصادي.
ويتمثل جوهر طرح ألبرتوس في أن التغير المحتمل في النظام البحري لن يحدث بالضرورة من خلال انهيار مفاجئ للقواعد الدولية، وإنما عبر تراكم حالات التجاوز والوقائع الجديدة.
فكلما أصبحت الخروقات أكثر اعتيادًا، وفق منطق المقال، قد تتراجع كلفة تجاهل القواعد بالنسبة للقوى القادرة على فرض نفوذها ميدانيًا، ما يفتح الطريق أمام نظام تصبح فيه الممرات والموارد والكابلات والمصائد أدوات للقوة والنفوذ.
وبذلك، ينتقل النقاش – بحسب الكاتب – من مجرد نزاعات بحرية محددة إلى سؤال أوسع حول من يملك حق الوصول إلى المحيطات، ومن يستطيع التحكم في طرق التجارة وموارد قاع البحر والبنية التحتية البحرية.
ويخلص المقال إلى أن تزامن التوترات الجيوسياسية مع تغير المناخ والتطور التكنولوجي قد يفرض إعادة النظر في مستقبل حوكمة المحيطات.
وبحسب رؤية ألبرتوس، فإن استمرار الاتجاه الحالي يمكن أن يجعل البحار المفتوحة أكثر عرضة للمنافسة على النفوذ والموارد، مع انعكاسات محتملة على التجارة العالمية والأمن الغذائي وسلاسل الإمداد والوصول إلى المعادن الحيوية.