تاريخ النشر: 2026-09-24 | 13:53
تاريخ النشر: 2026-09-24 | 13:53
واشنطن: شهدت العقود الأخيرة بروز دولة قطر كلاعب إقليمي ودولي محوري في ملف وساطات النزاعات المعقدة، مستندةً إلى دستورها الذي يكرس الحل السلمي للخلافات الدولية، وإلى شبكة علاقات متزامنة ومزدوجة تجمعها بالولايات المتحدة من جهة، وإيران والقوى الإقليمية والحركات المسلحة من جهة أخرى.
غير أن مذكرة بحثية جديدة صادر عن "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" (FDD) في واشنطن، أعدتها الباحثة ناتالي إيكانو، تطرح تقييماً نقدياً حاداً لهذا الدور، مؤكدة أن الوساطة القطرية غالباً ما تنجح في تحقيق "إنجازات تكتيكية" مؤقتة لكنها تأتي بكلفة أمنية وسياسية مرتفعة تمس المصالح الاستراتيجية لشركائها الغربيين.
تُقر الدراسة بأن الدوحة نجحت مراراً في أداء دور "أنبوب التنفس" الدبلوماسي لفتح قنوات اتصال مغلقة، وتسهيل تبادل الأسرى والرهائن، وترتيب إطلاق سراح المحتجزين (كما حدث في أفغانستان، وسوريا، وأوكرانيا). إلا أن المعيار الأساسي للتقييم — وفق المذكرة — لا ينبغي أن يقتصر على إبرام الهدن الموقتة، بل على مدى قدرة تلك الوساطات على إنتاج سلام مستدام أو تحسين البيئة الأمنية طويلة الأمد.
ويرى التحليل أن المخرجات القطرية أدت في حالات عدة إلى تثبيت الأمر الواقع وتوفير شريان حياة سياسي ومالي لجهات مسلحة، مما أتاح لها إعادة ترميم صفوفها والاستمرار كفاعلين مقتدرين في مناطق الصراع.
تنقل المذكرة قراءتها لسجل الدوحة عبر مسار تاريخي وجغرافي واسع:
الملف الإيراني: تسلط المذكرة الضوء على دور الدوحة في تسهيل المحادثات النووية غير المباشرة عام 2022، وصفقة تبادل السجناء عام 2023 التي شملت نقل 6 مليارات دولار من العائدات النفطية الإيرانية المجمّدة إلى البنوك القطرية. وتعتبر المذكرة أن هذه الوساطات، رغم دورها في خفض التصعيد مؤقتاً، أمدت النظام الإيراني بشرايين أمان اقتصادية وسياسية متجددة.
غزة ولبنان واليمن: تُظهر المذكرة أن الوساطات القطرية المتعاقبة في غزة (قبل وبعد 7 أكتوبر 2023) حققت هدنًا مؤقتة وصفقات تبادل، لكنها أبقت حركة حماس في موقع السيطرة السياسية والعسكرية. وفي لبنان، تشير إلى أن اتفاق الدوحة عام 2008 منع حرباً أهلية وشيكة لكنه منح قوة الثقل السياسي لحزب الله، بينما أسهمت الهدن المتعاقبة في اليمن منذ حروب صعدة في تثبيت مواقع الحركة الحوثية دون معالجة جذور الأزمة.
ملف الرهائن (سوريا وأفغانستان): تنتقد المذكرة الصفقات التكتيكية التي أفضت للإفراج عن محتجزين لدى جماعات مسلحة (مثل جبهة النصرة/هيئة تحرير الشام في سوريا، وطالبان في أفغانستان). وترى الباحثة أن دفع الفديات والتسهيلات السياسية في هذه الصفقات خلق حوافز إضافية لجعل احتجاز الرهائن أداة تفاوضية مربحة.
الإنجازات الإنسانية والملفات المحددة: تُسجل المذكرة نجاحات قطرية ملموسة وأكثر إيجابية في الملفات ذات الطابع الإنساني المباشر والمحدد، مثل لمّ شمل الأطفال والعائلات بين روسيا وأوكرانيا، والإفراج عن محتجزين غريبين، وإعادة العلاقات الدبلوماسية بين الصومال وكينيا.
تختتم المذكرة بوضع خارطة طريق لصناع القرار في الإدارة الأمريكية والكونغرس لتقييم آليات الاعتماد على الوسطاء الإقليميين:
اعتماد سياسة "العناية الواجبة" (Due Diligence): إجراء تقييم منهجي شامل للمصالح المالية والأيديولوجية والاستراتيجية للوسيط لضمان عدم تعارضها مع أهداف الأمن القومي الأمريكي.
تنويع قنوات التفاوض: إضافة أطراف دولية وإقليمية متعددة لآليات الوساطة لتقليل الاعتماد الحصري على دولة واحدة عند وجود تضارب في المصالح.
الرقابة التشريعية والامتثال المالي: إلزام وزارة الخارجية الأمريكية بتقديم شهادات دورية تؤكد عدم تقديم الوسطاء أي دعم مباشر أو غير مباشر لجهات مصنفة على قوائم الإرهاب، وفرض ضوابط مالية متطابقة مع معايير مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC).