"المقترح البوتيني" لا يمثل خيارا مرحبا به لرئيس حكومة دولة الفاشية اليهودية نتنياهو، فذلك لن يؤدي لتأجيل انتخابات ستذهب به إلى "جهنم السياسية".

إبداع الضرورة وإعادة صياغة الهوية المهنية للعمال

إبداع الضرورة وإعادة صياغة الهوية المهنية للعمال

تاريخ النشر: 2026-08-10 | 12:31

د. سلامه  محمود ابو زعيتر
د. سلامه محمود ابو زعيتر
تضع الحالة الفلسطينية المركبة ولا سيما في قطاع غزة في ظل استمرار الحرب والحصار وتدمير المقومات الأساسية للحياة والإنتاج؛ الطبقة العاملة أمام اختبار وجودي يتجاوز القراءة التقليدية لمفاهيم البطالة والركود الاقتصادي؛ فشلل مؤسسات العمل المنظم وغياب البنية التحتية لم يدفعا العمال إلى الاستسلام أو الاكتفاء بـالتكيف السلبي، بل فرضا عليهم اندفاعاً قسرياً نحو ما يُعرف سوسيولوجياً بـإبداع الضرورة، غير أن الرسالة الجوهرية التي ينبغي أن ينطلق منها أي تحليل نقدي لهذا المفهوم هي رفض اختزال المعاناة الإنسانية في حكايات بطولية أو الترويج لـرومانسية التكيف؛ فالابتكار الميداني هنا ليس رفاهية معرفية ولا خياراً حراً، بل هو آلية دفاع اجتماعي ومهني قسرية، ينقّب فيها الإنسان عن أدوات بقائه وسط ركام التجريد الشامل من أسباب العيش، ومن هنا، يستهدف هذا الطرح تشريح هذه الظاهرة نقدياً للوقوف على أبعادها السلوكية والمهنية، والتحذير من خطر تطبيعها كأمر واقع، تمهيداً لتحويل هذه الاستجابات الاضطرارية إلى مدخل لإعادة صياغة أدوار الشركاء الاجتماعيين والسياسات التنموية. لقد فرض الفقدان الكامل للخدمات الأساسية كالكهرباء والوقود والمياه والسلع الاستهلاكية ارتداداً سوسيولوجياً نحو وسائل بدائية أدارها المجتمع العمالي بوعي تنظيمي وكفاءة عملية حديثة، وفي قلب هذا الارتداد، تجلت بصمة المرأة العاملة وربات البيوت كعنصر محوري في قيادة عمليات التدوير وإعادة إنتاج الحياة اليومية، حيث تحملت النساء العبء الأكبر في حياكة الخيام، وتصنيع البدائل المنزلية، وإدارة شح الغذاء والمياه، إلى جانب انخراطهن المباشر في المهن البديلة والمشروعات المنزلية الصغيرة، ورغم وجود قدرات مالية محدودة لدى بعض الأفراد لشراء السلع الجديدة، إلا أن السلوك الجماعي السائد مال نحو إعادة التدوير والتحوير الاستخدام للملابس والأثاث والخيام، وإن كان هذا النمط الاستهلاكي المبتكر يمثل شبكة أمان تكافلية منعت الانهيار الأخلاقي، إلا أنه ينطوي على استنزاف بدني ونفسي هائل يجعل من الحصول على أبسط الاحتياجات العادية إنجازاً شاقاً يستنزف طاقة الفرد والعائلة. و على المستوى المهني وبنيوية سوق العمل، أدى تدمير المنشآت الإنتاجية إلى بروز اقتصاد هامشي مستحدث، نقل فيه العمال مهاراتهم إلى الشوارع وأزقة المخيمات ومراكز النزوح، ونشأت نتيجة لذلك طبقة حرفية تخصصت في صيانة المستحيل وتوليد البدائل، كتحويل المحركات التالفة لمصادر طاقة، وإصلاح القداحات وبوابير الكاز، وتطويع الأدوات البدائية لطحن الحبوب وضخ المياه، جنباً إلى جنب مع تحول أصحاب المؤهلات الأكاديمية والمهنية؛ كالمعلمين والمحاسبين والمحامين نحو التجارة البسيطة والبسطات؛ غير أن هذا الاقتصاد الهامشي، ورغم دوره في صون الكرامة، نشأ في بيئة مسمومة بتغولات اقتصاد الحرب، حيث وقع مبتكر الضرورة بين فكي الحصار الخارجي واستغلال احتكارات الأسواق السوداء التي تسلطت على أسعار المواد الخام والوقود الشحيح، كما يواجه هذا الواقع تحدياً مضاعفاً يتعلق بتهميش العمال الذين أصيبوا بإعاقات دائمة جراء العدوان، وكبار السن ممن يعجزون عن الجهد البدني القاسي الذي يتطلبه هذا النمط البدائي من العمل، ويُضاف إلى ذلك ظهور أنماط عمل مرنة ومستحدثة عبر المؤسسات والجمعيات الأهلية والدولية، أو العمل عن بعد عبر اقتصاد المنصات، والتي تُمارَس في ظروف غير آمنة وغير مستقرة، مما يستدعي تفكيراً نوعياً لحماية مصالح العمال والموظفين والمهنيين في ميادين العمل المختلفة وفق رؤية نقابية قادرة على تلبية الاحتياجات وحماية الحقوق. إن هذا التحول البنيوي الحاد يضع الحركة النقابية والاتحادات والنقابات القطاعية أمام مسؤولية تاريخية غير مسبوقة، تجعل من الأطر النقابية التقليدية عاجزة عن الاستجابة للواقع الجديد، فالتحول نحو العمالة الهامشية والمستقلة يتطلب مرونة هيكلية تنقل العمل النقابي من حصر دوره في المطالبة بالأجور والتعويضات، إلى مد المظلة الحقوقية والتوعوية لعمال الاقتصاد البديل، مع إيلاء أولوية قصوى لحماية النساء العاملات، ودمج العمال ذوي الإعاقات المستحدثة عبر مطالبات بتكييف أدوات العمل البديلة لتناسب قدراتهم، ويستوجب هذا الدور توفير إرشادات السلامة الميدانية، وتوفير الدعم الاجتماعي والسلامة النفسية لمواجهة الصدمات والضغوط المركبة، كما يقتضي الأمر الانتقال التنفيذي من نقد المساعدات الإغاثية إلى طرح أدوات عمل عملية، كإنشاء بنوك أدوات مجتمعية توفر العُدد والحِرَف مجاناً أو بكلفة رمزية، وتأسيس صناديق دعم ميكرو-مهنية دوّارة تمول المشروعات الصغيرة المبتكرة بعيداً عن ارتهان الطرود الغذائية الاستهلاكية. أخيراً، إن الغاية الأسمى من قراءة إبداع الضرورة ليست توثيق أشكال الصمود الفردي فحسب، بل تحويل هذا الصمود إلى مشروع إستراتيجي ملزم للشركاء الاجتماعيين كافة، وإن إنقاذ الواقع العمالي والارتقاء به يتطلبان صياغة عقود جديدة للعمل التشاركي تتكامل فيها جهود الحكومة، والعمال عبر نقاباتهم، وأصحاب العمل، لرفض اختزال حقوق الإنسان في مجرد القدرة على التعايش مع المأساة، وإن هذه المهارات والحلول المبتكرة في قلب الكارثة لا ينبغي التخلي عنها أو التعامل معها كمرحلة عابرة تزول بانتهاء الحرب، بل يجب صهرها وتطويرها لتكون نواة لـاقتصاد مقاوم ومستدام يُدرج ضمن خطط التعافي المبكر وإعادة الإعمار، بما يقلل الارتهان للخارج، ويؤسس لبيئة أمان حقوقية ونفسية واقتصادية تضمن للعمال حظهم العادل في العمل اللائق والكرامة الإنسانية.
×
أخبار
تقرير: تفوق عسكري إسرائيلي غير مسبوق يقابله انسداد استراتيجي وتآكل دولي ومجتمعي استطلاع: معسكر نتنياهو يحصد 51 مقعداً وقائمة آيزنكوت تتصدر بـ 24 مقعداً نيويورك تايمز: مستشار السفير الأميركي بإسرائيل عرقل وسرّب تقارير سفارته لحماية حكومة نتنياهو شهداء وجرحى في قصف إسرائيلي استهدف مركبة بمدينة غزة اعتقال 72 شخصاً في النقب بشبهات أمنية منذ بداية 2026 "هند رجب" تشكو المنظومة الطبية الإسرائيلية لـ"الجنائية الدولية" بتهمة المشاركة في تعذيب معتقلي «سديه تيمان» السويد تدرس الانضمام إلى جهود تعليق اتفاقية الشراكة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,254 شهيد إيران تضع قواعد عسكرية أمريكية في ألمانيا ضمن دائرة الاستهداف الخارجية الفلسطينية ترفض الإجراءات الإسرائيلية بحق القنصلية البريطانية العامة في القدس لابيد: إسرائيل أكثر عزلة عالميا بسبب مواقف حكومة نتنياهو..من محكمة لاهاي إلى مطار أمستردام "الشيخ" يدين الإجراءات الإسرائيلية غير القانونية بحق القنصلية البريطانية بالقدس ألبانيز: على دول المنطقة أخذ مشروع "إسرائيل الكبرى" بجدية وزير الخارجية التركي: "حلف مكة" دفاعي وليس هجومي سكرتير نتنياهو العسكري السابق غيل: "ما يُروى للجمهور عن 7 أكتوبر ليس ما حدث..وما نشر بعض الحقيقة" وزير خارجية بريطانيا: وجودنا في القدس سيكون باسم البعثة البريطانية..ولا تراجع عن الإجراءات ضد إسرائيل اتهام الطالب المقدسي محمد شلبي بالتخطيط لتنفيذ عملية باستخدام عبوات ناسفة هل ينقذ بوتين إيران من "غزوة" ترامب - نتنياهو القادمة؟! صحيفة عبرية تكشف: نتنياهو حذف فقرات من وثائق حذرت قبل هجوم 7 أكتوبر..النص الأصلي محدث- بريطانيا تزيل لافتات قنصليتها في القدس الشرقية يبقى وجودها محدود..وصحيفة تدعو حكومة نتنياهو لتطبيق العقوبات مجلة: ترامب يدرس خطة لضرب إيران قبل انتخابات التجديد النصفي حرب جيش الاحتلال على الضفة والقدس مستمرة..عمليات اعتقال ومداهمات واحتجاز مواطنين وتخريب أملاك مسؤول أمني إسرائيلي سابق يفجّر جدلاً جديداً حول 7 أكتوبر: الموساد ليس بريئا آيزنكوت يدعو لترتيب أمني جديد مع سوريا استناداً لاتفاق 1974 بضمانات أمريكية تقرير: إيران حولت 200 مليون دولار إلى حزب الله لمساعدة اللبنانيين النازحين الليكود يُجدد تنصله من إخفاق "7 أكتوبر"وسط تقارير تؤكد تلقي نتنياهو تحذيرات أمنية وعربية مسبقة إسرائيل تستنكر منشور "ممداني" في ذكرى 7 أكتوبر: يشبه تحويل 11 سبتمبر ليوم حداد على تنظيم القاعدة استطلاع: تقليص الفارق لصالح معسكر نتنياهو وتخوف واسع من تكرار أحداث "7 أكتوبر" مصر ترفض بشكل قاطع الزج بسيناء من قبل سموتريتش رويترز: حزب الله حصل على 200 مليون دولار من إيران مؤخراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط